أسبانيا تعود إلى  ثـربـانتـس  بطل أدبها المغامر

أسبانيا تعود إلى ثـربـانتـس بطل أدبها المغامر

رافائيل مايندر *
ترجمة: مي اسماعيل
يقول المؤرخ الإسباني "فيرناندو دي برادو”: "قد يكون"ميغيل دي ثربانتس"أحد أهم أبطال الأدب الاسباني؛ لكنه كان يعدُّ"من الفاشلين"نوعاً ما خلال حياته منذ أربعة قرون”. عاش"ثربانتس”؛ مؤلف مغامرات الفارس الهائم"دون كيخوته"فقيراً، وتخطته الترقية العسكرية،

 وبقي في أسر القراصنة خمس سنواتٍ بعدما اعترضوا سفينته. وجاء الاعتراف بأدبه والنجاح الذي حققهُ متأخِّراً جداً ليجلب لهُ أي مكاسب.
لعلَّ الشيء الوحيد الذي جرى كما طلب"ثربانتس"هو دفنه في المكان الذي أوصى به: دير"ترينيتي"بمدريد. بقي الموقع الدقيق لقبره مجهولاً لقرون عديدة؛ لكن حملاتٍ علمية بدأت منذ سنوات قلائل بحثاً عنهُ. كان"ثربانتس"جندياً؛ فطلب (وأُجيب طلبه) بالحصول على موافقة خاصة ليُدفنَ في الدير؛ لأن تلك الطائفة الدينية ساهمت في إطلاق سراحه من الأسر.
لا يزال الدير موجوداً، في منطقة تعرف باسم:"حي الأدب-Barrio de Las Letras"؛ تكريماً لـ”ثربانتس"وكتاب آخرين عاشوا هناك خلال الفترة المسمَّاة: العصر الذهبي الاسباني؛ عندما كانت إسبانيا موطناً لبعض أعظم كتّاب ورسامي ومعماريي أوروبا.
للغرابة؛ وبسبب الإهمال أو السهو، وتوقيراً للموتى أو صعوبة حلِّ لغز طمسه مرور الزمن؛ لم يُبذل أي جهدٍ لتحديد موقع قبر"ثربانتس"بالضبط. يعترف"ألفونسو دي سيبالوس- إيسكاليرا”؛ وهو ناشر ومؤرخ أجرى بحوثاً عن تاريخ عائلة المؤلف:"كان على إسبانيا أن تبحث عن"ثربانتس"منذ زمنٍ بعيد. لقد بذلنا أقل مما قدّم غيرنا بحثاً عن أشهر شخصياتنا؛ ولعله المنظور الديني الذي يُعطي الأهمية للروح بعد الموت، وليس الجسد والبقايا المادية”.
بالنسبة له ومؤرخين آخرين؛ كان الغموض النسبي لموقع قبر"ثربانتس"يمثل تناقضاً مشيناً مع المكانة المرموقة التي يحتلها في نخبة الأدب الاسباني وعموم الأدب الغربي.
طُبِعَت رواية"العبقري النبيل دون كيخوته دي لا مانشا"بجزءين عامي 1605 و 1615، وتعدُّ عموماً أساس الرواية الحديثة. باتت شخصياتها الرئيسة وحوادثها من الكلام المتداول في العالم الناطق بالاسبانية، وأثّرَت على الأدب واللغة في أرجاء العالم؛ ومنها كلمة:"كيخوتهي-quixotic"(وتعني- وهمي، خيالي، مثالي. المترجمة) ومصطلح:"مصارعة طواحين الهواء-tilting at windmills”؛ وهو إشارة لإحدى أعمال"دون كيخوته"الوهمية العديدة في الفروسية؛ عندما يهجم لمبارزة طواحين الهواء ظنَّاً منه أنَّهُ يقاتل العمالقة.
ومع ذلك؛ يذكر"برادو"رفض مجلس مدينة مدريد (المثقل ماليَّاً) تمويل حملته للبحث عن القبر، التي طرحها في 2010؛ رغم تكاليفها المعقولة نسبياً (135 ألف دولار). ثمَّ ما لبث المجلس أن وافق على البحث وشرع به. كان من شأن اختيار"ثربانتس"ذلك الدير موقعاً لمثواه الأخير أن يُسهّل عملية البحث؛ لأن ما لا يزيد عن خمسة عشر شخصاً فقط هم المدفونون هناك. ويكمن التعقيد في تغييراتٍ جرت على هيكلية البناء الأصلي للدير.
حفاوة.. بعد أربعة قرون
لكن أهم عوامل تسهيل البحث ينبع من أحداث حياة"ثربانتس"نفسه.. غادر"ثربانتس"إسبانيا في سن الحادية والعشرين الى إيطاليا، ليتفادى مشاكل قانونية بعد دخوله في مبارزة. وفي روما وضع نفسه في خدمة كاردينال من الروم الكاثوليك، وانتهى به المطاف محارباً في معركة"ليبانتو"البحرية؛ حيث أوقف الاسطول الكاثوليكي سيطرة الامبراطورية العثمانية على البحر الأبيض.
وبعد إقامة في المستشفى للتعافي من جروح أصابته، تابع"ثربانتس"مهنته العسكرية بإيطاليا حتى 1575؛ عندما تم القبض على سفينته. بعد خمسة سنوات دُفعت الفدية عنه وأُطلق سراحه فعاد الى إسبانيا، حيث كافح لإعادة بناء حياته ودفع ديونه، فيما تزايد اهتمامه بالأدب.
يعتقد "برادو" أن الجروح التي أصابت "ثربانتس"       (ومنها جرحٌ في الصدر وآخر شلَّ يدهُ اليُسرى) سيزيد احتمالية التعرف على رفاته. ففي حالةٍ مماثلة تعرّف الباحثون البريطانيون على رفات الملك"ريتشارد الثالث"بعدما استخرجوها من تحت موقف للسيارات، عن طريق جروحٍ ذكر التاريخ إصابته بها في المعركة. وعززوا التوكيد بفحص الحامض النووي"DNA"لاثنين من أقاربه الأحياء.
لكن مثل ذلك الفحص غير محتملٍ في حالة"ثربانتس”؛ إذ لا يُرجّح وجود أقارب معروفين منحدرين من نسبه؛ كما قال"إيسكاليرا”. كان لـ”ثربانتس"طفلين على الأقل؛ فتاة انضمت الى الدير (ويُرجح كونها مدفونة بالموقع نفسه) وصبي ولد في إيطاليا (لم يتأكَّد نسبهُ قط(.
يأمل"بيدرو كورال”؛ عضو مجلس المدينة المسؤول عن القضية، أن يُعطي الكشف عن مثوى"ثربانتس"للمدينة نفس الزخم السياحي المتحقق في"ستانفورد"البريطانية مثوى"شيكسبير”. ويُحذّر من نسيان أخطاء وقعت في حملاتٍ سابقة للبحث عن قبور مجهولة لشخصياتٍ مشهورة، قائلاً:"حان الوقت لتجد إسبانيا أديبها العبقري ومخترع الرواية الحديثة. ورغم أن نهايته كانت كرجلٍ فقير؛ جنديٌ سابق يحمل جراحه، وحتى لو لم يتكلل البحث بالنجاح؛ فإنَّ"ثربانتس"بالتأكيد جدير بتجشم العناء."
لكن البحث تكلل بالنجاح؛ فقد عثرت إسبانيا على رفات كاتبها العبقري، وأعادت دفنه في 11 حزيران 2015 بجنازةٍ رسمية، وحفاوةٍ تليق به وتكريماً لأدبه، في المكان نفسه الذي طلب هو شخصياً أن يكون مثواهُ الأخير؛ بعد قرابة أربعة قرون على وفاته.

* صحيفة نيويورك تايمز