د. سمير الخليل
الشعر فن قائم في الأساس على المقابلة بين الشيء ونقيضه، بين الواقع واللاواقع، فهو بطبيعته التكوينية والبنائية سياق لغوي يغادر ما عهد من الكلام، فلا يمكن أن نطلق على الكلام لفظة الشعر إلا في حال اتسامه بتلك الأبعاد الجمالية التي تحاول أن تستفز المعتاد وتنسف التقاليد المتواضع عليها في اللغة المعيارية التي يستعملها الناس لأغراض التداول، وتشكل الثنائيات الضدية جزءاً مهماً من عمل تلك المفارقات (الليل/ النهار، الأبيض/ الاسود، الضوء/ العتمة، الخير/ الشر، الحياة/ الموت، الخ…) فكل دلالة تتحرك في خط مستقيم لتقابل نقيضتها، وهذا يعكس الطبيعة التي ينبني عليها الأدب بشكل عام عندما يتخذ من مادة الصراع والنزاع حالة مثالية للتعبير عما يفكر الانسان به.
يستثمر الشاعر ياسين طه حافظ في ديوانه (ما أراد أن يقوله الحجر) عدداً كبيراً من الثنائيات داخل منظومته الشعرية، إذ غالباً ما تتضح لديه فكرة الصراع بين (الحق والباطل) أو (الخير والشر) أو (النور والظلام) أو (الفضيلة والرذيلة) أو (الإصلاح والفساد) أو (البياض والسواد) وهي كلها ثنائيات تقابلية تشير نصوص الشاعر إلى أنه يعمل في كثير من الأحيان على توظيفها في ثنائية (الضوء والعتمة) إذ إنه يؤمن أن الضوء هو الحق والخير والنور والفضيلة والاصلاح والبياض، وأن العتمة تمثل الباطل والشر والظلام والرذيلة والفساد والسواد، فهو يعبر عن هذه التفاصيل كلها عندما يوظف هذه الثنائية، يحدث ذلك عندما يحاول الشاعر أن يزاوج بين البعد الفيزيائي الحسي والبعد المدلولي المجرد لثنائية (الضوء والعتمة). وقد حاولنا اجراء تحليلنا لشعر ياسين طه حافظ عبر الكشف عن عناصره الدلالية في ضوء المحايثة بين الشاعر وهذه الثنائية التي يضمها نصه الشعري لذا تركزت تلك الكشوفات بشكل مكثف على ذلك التحايث ولم يكن دور الدلالة مستقلاً فيها.
يقف الشاعر في قصيدته التي بعنوان ((الحب اشتعلت ناره في البرية)) ليجسد فاعلية العتمة في نسقه التشاؤمي الوصفي، فالقصيدة تحاول أن تستثير الاحلام والهمم معاً من خلال العرض الوثائقي الشعري لما هو مؤلم ومر، ليتم توظيف العتمة في معنى الحزن، يقول الشاعر:
عالمكم تتشقق قشرته/ كل جمال للقبح /وكل مصابيح الله إلى الظلمة/ انت لك الرؤية كي تفهم/ ولذاك الاعجف لذاتي/ يتلمس لحمي ويقلب ثديي ويمضي/ لقرنفلة الفخذين/ كذاك حياتي/ مصباح اخر يُطفأ/ من يقتسم الموت معي.
ينسج الشاعر معنى العتمة والظلام من خيوط الظلمة، التي تجسد انطباعاً سلبياً خالصاً، فالظلام هنا يعني العتمة، ويبقى الطابع التراجيدي المأساوي الغالب على القصيدة علامة واضحة عندما يدرج الشاعر نفسه ضمن كلية هذا العتمة ويضعها بكفة الحزن، مع ذلك ويبقى ظلم الحب كافياً ليشمل الناس جميعاً، ويحجب عنهم النور وحقيقة الحياة. فالشاعر جعلنا نستشعر حالة فقدان الحب حينما جعلها مقترنة بانطفاء المصباح مما جعل النص ينفتح على تداخل المستويات الفكرية والوجدانية بشكل جعل الذات مندغمة في الأنا فهنالك استشعار للاخر من خلال الذات وهذا الأسلوب الناتج من نسيج الثنائيات الضدية (النور/ العتمة) أو غيرها يجعل المتلقي يتفاعل مع الصورة التي تمثل نظاماً إشارياً رمزياً كونها تقدم صياغة مختلفة العلاقات من معنى إلى آخر إذ إن العلاقة الرمزية تكمن في الجمع الثابت لكيانين من الطبيعة نفسها، وقد كان من الممكن أن يتواجدا مستقلين أحدهما عن الآخر.
كما يعمد الشاعر في مناسبة جديدة إلى توظيف النور ليجسد حالة الضياء، ففي قصيدة ((يوميات في غياب الحبيبة)) التي تندرج ضمن النسق الدلالي نفسه الذي تسير عليه القصائد الأخرى للمجموعة نفسها، نجد الشاعر عندما يحاول أن يضع بين الجلاد والضحية أو القاتل والمقتول جملة من المداليل التي تفسر طبيعة الفعل الدرامي، إذ يستمر صوت الامتعاض ونشيد الرفض على امتداد أسطر القصيدة إلى أن تأتي خاتمة القصيدة لتشهد تحولا في عملية السرد ويكون هو المحور، وهو المخصوص بهالة الضياء، والبهاء، يقول الشاعر:
لا نقدر أن نبقي اللهب في الموقد
فالوقود يشح يوماً بعد يوم ساعة بعد ساعة
فتنطفئ تنطفئ أنت الذي كنت وقادا
وأنا اتوسل اللغة تخلع ملابسها القديمة
واسألها أن تعيد في المناسبات
لبس حليها القديمة النادره
استدعيت فجأة فرح حبيبتي
وقد توهجت فينا الرغبة
وضعت يدي على كتفيها فاختفينا معا
لحظات فيها اللذة تحكم العالم
وحتى انفتحت أعيننا
حبيبتي لا مثيل لفرحك
انحني لمجدك الأنثوي
وامتيازك العظيم حيث تكونين
أمامك، بكل الرضا، أترك الجبروت
يسعى الشاعر هنا إلى استخلاص قضية ذات أبعاد سياسية رافضة للظلم، ويفسر حقيقة المال والنهاية ليصف ذلك بحقل النور، لأن النور الذي يراه الشاعر اليوم اجمل من الظلام الذي خنق صدره بالامس، وهذا الحقل هو بطبيعة الحال والمآل المخرج الامثل لكل من يقف بوجه الطغيان والظلم والاستبداد، وتبدو الحياة في واقع الأمر بؤرة مظلمة معتمة، لكنها تستضيء بنور الصدق والمحبة.
وحين نحاول تحديد بؤرة الصراع الذي يشتغل عليه النص نجد أن ثنائية النور والعتمة هي الموضوعة التي يتمحور حولها النص من خلال مدلول سياقي خفي يقوم على إصرار الذات على مواجهة مكبوتاتها، وبذلك تكون هذه الثنائية ((النور والعتمة)) ايقونة تحاول بيان التعارض الداخلي، وتقديمه على شكل حدث ولغة معاً. فالتجاذب بين البنى يفضي إلى تجاذب دلالي في أفق التلقي بفعل القراءة والصراع بين الدوال على المستوى اللغوي، يستبطنه توغل في الدلالة، إذ نجد إن الشاعر ياسين طه حافظ كان واعياً بهذه الثنائية النور والعتمة فكانت لديه ستراتيجية مميزة في تعامله مع هذه الثنائية كموجود من موجودات الطبيعة فتجسدت هذه الثنائية بشكل واضح وأخذت حيزاً مميزاً في نصه الشعري، فالنور والعتمة كانا مؤشرين دلاليين مهمين في بناء نصوصه الشعرية بعدهما علامات دلالية تفصح عن مواقف مختلفة ترد في سياق منظوماته الشعرية.
وفي قصيدته ((تهجئة جديدة لاسمي/ قصيدة الأنثى)) يتخذ الشاعر سبيلاً جديداً في تقديمه لهذه الثنائية لتصوير المرأة بصدق وإحساس عال، ليبقى المرأة على امتداد القصيدة هي المحور الرئيس لدالة الوصف والكشف، لأن في الشعر جمالاً يضاهي جمال وسحر الإنسان المهمش ((المرأة)) وينسحب الكلام نفسه في هذا السياق إلى ثنائية الضوء والعتمة، فلا مجال للظلام ولا مجال للعتمة في وصف المرأة، فالشاعر يصر على أن يجعل المرأة هنا مصدراً للنور مصدراً للحرية:
فأنا لي ليلي
ليل الأنثى
ومدينتها السرية
أتسلل ادخلها وأضيء ثريات مطفأة فيها
فأرى روحي
وأرى جسدي وعجائبه
لكني حين اعود لكم وعيونكم جاحظة
يتهاوى جسدي بين يديه
وأرى ثانية في الشمس خرائبه
محنتي الكبرى
أني
بينكم أحيا
فأنا بين اثنين:
أن أعلن حبي وادوس قمامتكم
أو أبقي عمري كله في المنفى
هذي خاتمة لـ(بيان) الانثى المحظور:
أنا زارعة الفوضى
ليجيء صفاء تنفتح فيه الروح المحتجبه
وليبزغ فجر الله الباهر في البرية ()
في النص جعلنا الشاعر بازاء استهلال لافت يستدرج التصور إلى ما يدور في الواقع من صراع، وهو صراع وجودي تاريخي ازلي، صراع بين الذات المعتدى عليها في بعدها الجمعي ((المرأة)) والآخر المعتدي ((الرجل)). مما جعل الشاعر يكشف عن مؤثرات هذه المرأة بما تكتنزه ذاكرته برموزها، فسارت هذه القصيدة على وفق برنامج وجداني يقدم الشاعر فيه المرأة في لغة سردية يفضي من خلالها هذا المشهد الى تقديم صورة مشهدية تؤتى ثمارها عند المتلقي فاختار لها انسب الالفاظ وأدق الأساليب تناسب المرأة بابعادها الموضوعية، وتتحول لغة النص من معياريتها إلى لغة انزياحية تتجه صوب الالحاح على دلالات النور كردة فعل لسيطرة العتمة التي تعني تهميش المرأة، فتمكن الشاعر ومن خلال نصه أن يجعل المتلقي يستشعر هذه الثنائية بمحمولاتها النفسية من خلال ارتباطها بالدوافع الغريزية المكبوتة في عالم الغياب، فيستمد من النور دلالات تؤجج الصراع بطريقة رفض هذه الحياة التي ملأتها ظلمات الواقع المر الذي تتجرعه، فتجسدت حالة الضوء في هذه القصيدة عبر نسقها الضدي، فهذه الثنائية هي الأداة البنائية المهيمنة لتكشف عن الحدث الشعري.
بهذا الاتجاه تسير هذه الثنائية عندما تختبئ خلفها ثنائيات متضادة كثيرة كالخير والشر والحق والباطل والنور والظلام، وظفها الشاعر في هذه المجموعة الشعرية ((ما اراد أن يقوله الحجر)) فدائرة الصراع تبقى تدور في إطار الحق المخلوع المقطوع الذي ما انفك الشاعر يبحث عنه في القصائد كلها وكأن المجموعة الشعرية قصيدة واحدة، تستثمر حركة الضوء والعتمة وتوظفها للتدليل بطابعه الانساني الذي يرتكز على رؤية حقة وآيديولوجيا فكرية سياسية واعية.
اقرأ ايضا
ياسين طه حافظ: تراجيديا الشعر
ياسين النصير1-1ثمة اعتقاد نقدي سائد هوأن القصيدة هي الشاعر، وأن الشاعر هو القصيدة، وأن ثقافة …