حي المنصور في بغداد في بداية تأسيسه

سيف الدين الألوسي
في بداية موضوعي هذا, أود نشر هذه المقدمة المقتبسة من كتاب {حكاية شارع من بغداد} للمهندس الأستشاري المعماري معاذ الالوسي:
“في بداية الخمسينيات شرعت الدولة العراقية، بواسطة مجلس الإعمار، بتنفيذ خطة إعمارية شاملة شملت كافة نواحي الحياة. هذه الخطة ذات مفعولية مقبولة وواضحة إلى هذا اليوم، يُلتجأ إليها كلما دعت الحاجة إلى أي تخطيط استراتيجي على مستوى القطر، فما زالت متقدمة في أهدافها.
كان المطلوب من مجلس الإعمار آنذاك إعادة تقييم ووضع مخطط هيكلي، يأخذ بالحسبان المستجدات الإقتصادية الجديدة، والأهداف الموضوعة على المستوى القطري. الكثير من التنمويين المتخصصين يطالبون حالياً بمجلس شبيه بذاك المجلس لحلّ مشاكل القطر المستعصية.
من أهم أهداف الخطط التي وضعها مجلس الإعمار هو توفير السكن اللائق لذوي الدخل المحدود والمتدني في كافة أنحاء العراق، والمقصود هو السكن اللائق بمعانيه الواسعة وبكل مستلزماته وحاجاته البشرية. لذا تم دعوة مؤسسة”دوكسيادس” اليونانية الاستشارية ذات التخصص المتميز في مجال الإسكان، لتقديم المشورة في هذا الحقل من خطة الإعمار. هناك من يقول إن الدعوة كانت بموجب ترشيح من قبل المؤسسات الرسمية الأميركية.
في بغداد الموروثة من العهد العباسي الأخير كان حدود التوسع غرباً يتوقف عند نهر الخر وشرقاً عند سدة ناظم باشا، لذا اتخذت المدينة شكلاً طولياً موازياً لنهرهاً، وعلى جانبي نهر دجلة.
سدة ناظم باشا هي حاجز ترابي يقي بغداد من الغرق عند حدوث الفيضانات، وقد حمى دار السلام من الغرق في فيضان نهر دجلة في,, 1954. أزيلت هذه السدة بعد تشييد مدينة الثورة، واستبدلت بحاجز ترابي على بعد خمسة كيلومترات شرقاً.
مخطط المدينة القديم أعد من قبل مؤسسة انكليزية “مونوبريو”، والجديد الخمسيني (مخطط دوكسيادس) ألغى هذين الحدين، السدة والنهر، وفسح المجال أمام قيام مدن ملحقة هي: بغداد الجديدة، وزيونة، والرشاد، ومن ثم مدينة الثورة شرقاً، والشعلة والمنصور والمأمون والدورة والداوودي غرباً”* ومدن الضباط شرقا وغربا كانت تدعى القاسم.
هذه المقدمة المقتبسة من كتاب الأستاذ معاذ الألوسي, لتعريف السادة القراء بأن جميع المدن والأحياء المذكورة أعلاه,,, قد تم التخطيط لأنشائها في منتصف الخمسينيات, وقسم منها نفذ قبل سنة 1958.
كان تخطيط مدينتي الضباط والأف دار في موقعها الحالي, لقربها من معسكر الرشيد والقاعدة الجوية, وكذلك مدينة اليرموك وحي الوشاش, لقربها من معسكر الوشاش (متنزه الزوراء حاليا), ومعسكر أبوغريب,, ولكونها خاصة بسكن الضباط وضباط الصف.
كذلك أنتهت في تلك الفترة تصاميم المطار الدولي الجديد,, وفي موقعه الحالي قرب أبو غريب.
عودة الى بداية نشوء مدينة المنصور, فقد تم شراء مساحات من الاراضي الزراعية من أصحابها في تلك الفترة وفي ذلك الموقع,, ومن قبل شركة المنصور المساهمة,, وكان قد بوشر ببناء حي دراغ بعد فرز الأراضي التابعة الى عائلة ال دراغ الكريمة,, وليبنى حيا نموذجيا في ذلك الوقت, سمي بحي دراغ.
كانت قسم من أراضي المنصور الحالية, قد وزعت على موظفي بنك الرافدين الأهلي, وقسم منها للأطباء, ووزارة التربية, وللمهندسين, وقد سمي حي المهندسين لحد الان, وكان يسمى شارع رسام سابقا.
بدأت شركة المنصور وضع التصاميم التخطيطية, لهذه المدينة الناشئة,, وأنشأت ميدانا لسباق الخيل كان الرائد في المنطقة في زمانه,, وكانت حظائر الخيول في الموقع الذي أنشأت فيه الأسواق المركزية حاليا.
كذلك تم أنشاء نادي أجتماعي ثقافي عراقي بأمتياز, وبأيعاز مباشر من عبد الاله ونوري السعيد,, وذلك سنة 1952 سمي نادي المنصور نكاية بنادي العلوية المؤسس من قبل الأنكليز. تتميز مدينة المنصور في بداياتها,, بوجود سواق كثيرة تمتد بموازاة شوارعها,وكانت تأخذ مياهها من نهر الخر,, كذلك كانت تتميز بوجود مساحات خضراء منسقة, تحتوي على أشجار اليوكالبتوس والدفلة والأياس,, على جوانب شوارعها, وفي الجزر الوسطية والتقاطعات. (كان نقيق الضفادع هو الصوت المميز الجميل, ولكن حتى الضفادع هجت وهاجرت).
من أول المساكن التي بنيت في المنصور,, داران كبيرتان, وليست قصور كما يشاع, واحدة لسكن المرحومات الأميرات شقيقات الوصي عبد اله رحمه الله, والأخرى لسكن شقيقته الأخرى المتزوجة وعائلتها. وسمي الشارع الموازي للدارين بشارع الأميرات ولحد اليوم,, الشارع هذا مواز لسباق الخيل من جهة الشرق,أما من جهة الغرب لساحة السباق, فكان شارع أخر موازي, ضم مداخل السباق ومداخل نادي المنصور المطلة حدائقه على ساحة السباق مباشرة.
أحتوى نادي المنصور على ملاعب للتنس, مسبح, وشقق سكنية معدودة للسكن, قاعة سينما, مطعم, بار, سينما صيفية, وقاعات للجلوس, وقاعة صغيرة للعب البريدج, وكان هنالك ملعب للغولف في وسط ميدان السباق. (محل هيكل الجامع حاليا)… زرعت المساحات المتبقية من ميدان السباق بمحصول الخس.
البداية في أعمار المنصور, وبعد أنشاء السباق والنادي, كان أنشاء عمارة سكنية من عدة طوابق, تحتوي على عدد لا بأس به للأيجار,, وعلى أسواق تعتبر متطورة جدا في ذلك الوقت ولوندري ومركز للبريد في الطابق الأرضي… كذلك تم أنشاء مركز للشرطة في نفس الموقع. كان سعر المتر المربع المعروض يتراوح بين نصف دينار ودينار وحسب القطعة، كانت مساحات قطع الأراضي تتراوح ما بين, الألفي متر والخمسمائة متر… وحسب التصميم المعد.
كان يفصل مدينة المنصور عن مدينة المأمون, شارع عام هو الشارع الذاهب الى مدن الفلوجة والرمادي,,, شارع السفارات حاليا كما يسمى, بنيت مدينة المأمون الحالية قبل المنصور وقد وزعت أراضيها لموظفي الدولة. بدأ العمران وتشييد الدور في حي المنصور, والمناطق المحيطة به, كأسكان غربي بغداد, والدور السود, ومدينة الوشاش, والداوودي, في منتصف الخمسينيات وأستمر الى نهاية الستينيات..
شقت الشوارع المبلطة, وأنجزت بقية الخدمات كالماء والكهرباء, ألا خدمة واحدة بقيت مشكلة الى منتصف السبعينيات, وهي مشكلة مجاري الأمطار والمياه الثقيلة,, والسبب أرتفاع المياه الجوفية في تلك المنطقة,, مما سبب مشاكل لسكان تلك المناطق, تم حل هذه المشكلة, بواسطة السيارات الحوضية (معظمها كان من نوع بيد فورد) البريطانية.
بدأت تفتح في مدينة المنصور عدد من الأسواق كانت أبرزها أسواق اليرموك, وكانت في الطابق الأرضي من عمارة المنصور كانت هذه الأسواق تبيع أفخر أنواع السكائر والسيكار, والمشروبات, واللحوم, وغيرها, أي سوبر ماركت, في مستوى ما هو الان, ولكن بمساحة أصغر,كذلك أفتتحت أسواق رسام, في حي المهندسين وهي تابعة لعائلة منتجات نبيل المشهورة الان في الأردن حسب ما سمعت,لحقها في بداية الستينيات أسواق النجاة وفي نفس الشارع,كذلك كانت أسواق عبد الله الدليمي في مدخل الشارع الذاهب الى الطوايل سابقا,وأفتتحت بعدها عدد من المحلات الأخرى داخل الأفرع, منها أسواق الشيخلي للمرحوم أحمد وهيب الشيخلي مختار المنصور السابق, ومحل سنحاريب في الشوارع القريبة من طوايل الخيل, وأسواق عكاظ في سوق عكاظ, وغيرها من الأسواق والمحلات.

اقرأ ايضا

لويس ماسينيون في زيارته الاولى الى بغداد عام 1907 وبدء الصلات الأدبية مع علمائها..

كامل داودليس من الغريب ان يقترن اسم المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون بالصوفية والمتصوفين، وتحديدا باسم الحسين …