لماذا تُعتبر لوحة( زنابق الماء ) اجمل ما رسمه مونيه

ستار كاووش
يُعتبر كلود مونيه (١٨٤٠-١٩٢٦) من أعظم الرسامين الإنطباعيين، وعندما نتتبع حياته التي قضاها مخلصاً للإنطباعية، حيث الضوء والألوان القزحية والرقشات السريعة التي تحاول سرقة لحظات هاربة من الزمن.
لوحة (زنابق الماء) رسمت سنة 1872 يعني قبل (150) سنة ، وهي الان محفوظة في : متحف الأورانجري _ باريس.
إمتدت هذه الأعمال العملاقة في ثلاث قاعات بيضوية الشكل وكبيرة، تُضاء بأنارة طبيعية من خلال السقف. كانت حجوم اللوحات تخطف البصر، حيث يتراوح إمتدادها بين :15 متراً و 6 أمتار، فيما يتجاوز أرتفاعها المترين. وقد أنجزها بين سنة 1914 وسنة 1926، ورسمها كلها من الذاكرة، بعد أن أصيب في نهاية حياته اسم الله عليكم بفقدان البصر تدريجياً.
حين إكتملت هذه اللوحات، وضع مونيه فرشاته على الطاولة، وأهدى المجموعة كلها الى صديقه المقرب:( بول كليمنسو) الذي إعتنى به كثيراً وأعانه على الرسم في سنواته الأخيرة.
بقيت هذه اللوحات العظيمة بعيدة عن متناول الجمهور سنوات طويلة، الى أن إستقرت أخيراً في هذا المتحف، ليتوافد الناس من كل العالم لرؤيته حيث كان يسابق العمى وهو يحاول أكمالها.
كان (مونيه) في السادسة والثمانين من عمره عندما رسم بهذه الطريقة المجنونة لينتج لوحات تحمل كل هذا السحر.
اتَذَكُّر ما قاله بيكاسو لزوجته فرانسوا ذات يوم، حين سألته بأستغراب :(كيف ترسم واقفاً اكثر من ثماني ساعات في اليوم وقد تجاوزت السبعين من العمر، ألا تشعر بالتعب؟ فأجابها ضاحكاً: «حين أدخل المرسم، أتركُ جسدي في الخارج، كما يخلع المسلمون أحذيتهم أمام باب المسجد، وبذلك أكون موجوداً بروحي فقط أمام اللوحة، ولا أشعر بالتعب».
حين تقف أمام زنابق الماء، تشعر بأنك جزء من المناخ العام الذي يلفها، تتحسس حركة الزنابق وأنعكاساتها على سطح الماء، وترى كل شيء متحركاً ويحيط بك من كل الجهات بشكل دائري وكأن اللوحات بانوراما حية تنبض بالحياة، وهذه خلاصة ما توصلت اليه المدرسة الأنطباعية في المهارة والمعالجة والحرية في أستخدام الألوان القزحية الشفافة .
تنفرد هذه الأعمال بخصوصية غير موجودة في أية لوحات أخرى تناولت الطبيعة، ذلك إن مونيه لم يرسم فيها الأفق ولا السماء، بل إلتقط سطح الماء فقط وأنعكاسات الضوء عليه، حيث تستلقي الزنابق بترف لا مثيل له، وبذلك تعامل مع هذه الأعمال برؤية فيها شيء من التجريد، وهذا يفسر التأثير الواضح لهذه اللوحات، على رسامي مدرسة نيويورك التجريدية فيما بعد، ليس من ناحية الحجوم الكبيرة فقط بل بمعالجة هذه الحجوم بكل حرية وجرأة وخيال.
هذا الرسام مع كل ما قام به من تجديد في الرؤية وإبتكار المعالجات، يكون حقاً أعظم ما انجبته المدرسة الإنطباعية. ويكفي إن لوحته:
(انطباع في ضوء الشمس) هي التي اظهرت (المدرسة الانطباعية) للوجود.

اقرأ ايضا

(كامي) و(النزهة) مقارنة مونيه بمونيه

عبود عطيةلو كان كلود مونيه (1840 – 1926) رسامًا مغمورًا ووجد خبراء فن الرسم أنفسهم …