جاسم عاصي
يمثل غازي السعودي قطب الرحى في الفن الجداري، وهو الذي درس في إيطاليا هذا التخصص، مع دراسة الرسم والموزائيك، وقد ألم في كل متطلبات هذا الجنس الجمالي وأشاعه لطلابه طوال (40) عاماً من خلال تدريسه لفن الجداريات في معهد الفنون الجميلة الذي كان يعتمد أستاذاً بولونياً، وتم تسريحه وحل السعودي بديلاً عنه، ثم عمل أستاذاً لمادة الجداريات في أكاديمية الفنون الجميلة / جامعة بغداد التي منها اختتم خدمته وسرح منها، لتنهشهُ العزلة حتى نزعه الأخير ثم رحيله إلى الأبدية عمل السعودي العشرات من الجداريات في بغداد، البصرة، تكريت (العوجة) وتعد جدارية البوابة الرئيسة للزوراء واحدة من أشهر أعماله لأنها في واجهة المتنزه الشهير حيث حشود الزوار لا تنقطع رغم الضرر الجزئي الذي لحق بها عندما أطلق الغزاة الأمريكان رشقات من الرصاص عليها.
أخذ المسعودي على عاتقه استكمال ضرورات الفن الجداري من خلال خبرته الطويلة في إنجاز الكثير من الجداريات، علاوة على المكنة التقنية التي منها معاملة السيراميك بالأفران الكهربائية، وأشاع السعودي تقاليد أساسية في التعامل مع عقود العمل لمشاريع الجداريات في تعامله مع أمانة العاصمة ومنها استيراد أكاسيد السيراميك، وأسهم هذا في نشر فن الجداريات وحقق معها ذيوعاً كبيراً رغم الاحباط الذي عاناه الفنان، بعدم تكليفه بتنفيذ أي جدارية منذ عام 1980، ومجيئ نظام صدام الذي قاد البلد بصيغة التحكم بمصائر الشعب، ونهب خيراتهم وخوض الحروب العبثية وتصفية الخصوم، وإدارة نظام الحكم بعقلية التخاصم. يقول السعودي عن تلك السنوات: لقد نصب النظام الشمولي شخص جاهل اسمه سمير الشيخلي وأميناً عاماً على أمانة العاصمة ولقد ناصب العداء وقبل كل شيء للجداريات وليس لرفع النفايات من الشوارع!!
غازي السعودي، الذي أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة/ بغداد عام 1956، وتتلمذ على يد فائق حسن، وإسماعيل الشيخلي، ساهم بشكل نشيط في معظم المعارض الوطنية والخارجية منذ أواخر الخمسينيات، وقد درس فن الجداريات، والرسم، والكرافيك في إيطاليا ملماً بكل شواغل هذا الفن المركب والصعب، والذي يحتاج إلى مهارات عالية وخبرة في التعامل العلمي والمعملي مع التفاعلات الكيميائية، والأكاسيد، ودرجة الحرارة ونوع الألوان وما إلى ذلك، علاوة على إدارة المساحات الكبيرة التي قد تتجاوز أحياناً عشرات الامتار مما يقضي الالمام بأسس التشكيل، وتركيب العناصر، والتزاوج الناجح فيما بين المساحات والكتل الشخوصية والحفاظ على البنية الموضوعية ووحدتها، والهوية وأصالة التعامل مع المرجعيات الصورية كمادة خام تعين الفنان في نشر الانشاء وضروراته كل حسب ما تقتضيه ضرورات التأليف البصري.
هذا الفنان الريادي مع د. شمس الدين فارس الذي أعدمه النظام الشمولي بوشاية أودت بحياته، قد لعبا دوراً أساسياً في ذيوع هذا الجنس الجمالي الذي يعود إلى الحضارة الرافدينية، تدريساً نظرياً وتطبيقياً، وقد عملا التدريس في أكاديمية الفنون الجميلة وخرجا الكثير من دارسي هذا الفن منهم كاتب السطور نفسه. تبقى الحاجة لإرسال بعثات لاستكمال المعرفة في شؤون هذا الفن وجوانبه العملية والفنية أمراً لا مناص منه كي لا يندرس أحد أهم ألوان الفنون التي عرفها العراق عبر منعطفاته التاريخية.
أصبحت جداريات السعودي، جزءاً حيوياً من الروح البغدادية ويتعذر اكمال صورتنا التقليدية عن بغداد من دونها لهذا ينبغي على إقامة العاصمة إيجاد حلول ومعالجات وتشكيل لجان متخصصة للحفاظ على هذه الانجازات الوطنية.
اقرأ ايضا
غازي السعودي.. خزين المعرفة والتراث العراقي
خضير الزيديما أن تتحدث عن فن الجداريات في العراق إلا ويأخذك الحديث لأهم مؤسسي هذا …