- ﻟﻢ يكن اﻟﺠﺎدرﺟﻲ ﻣﺠﺮد ﻣﻌﻤﺎري مصمم ﻣﺒﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺑﻐﺪاد كان مفكراً أشتغل على أﺳﺌﻠﺔ ﻛﺒﺮى.
- أﺳّﺲ رفعة ﻣﺎ يشبه اﻟﻤﺪرﺳﺔ اﻟﻔﻜﺮية، لكنه ﻟﻢ يردها ﻣﺪرﺳﺔ ﻣﻐﻠﻘﺔ، ﺑﻞ ﻣﻮﻗﻔًﺎ ﻣﻌﻤﺎرياً ﺷﺎﻣﻼً.
معاذ الالوسي
سؤالٌ جميل، لأنه لا يفتح على علاقة تقليدية بين أستاذٍ وتلميذ، بل على علاقة فكرية طويلة الأمد؛ علاقة حوار، ونقاش، وتحوّل.
لقد وُثّقت هذه العلاقة عمليًا في سنوات العمل داخل مكتب الاستشاري العراقي، كما أشار إليها أستاذي في كتابه عن الأخيضر. لكن ما يهمني اليوم ليس التوثيق التاريخي، بل طبيعة هذه العلاقة ومعناها.
برأيي، علاقتي بالجادرجي لم تكن علاقة تبعية مباشرة، بل علاقة حوار نقدي مستمر.
أولًا: المرجعية الفكرية
لم يكن الجادرجي مجرد معماري يصمم مباني في بغداد. كان مفكرًا اشتغل على أسئلة كبرى:
•الخصوصية والهوية في العمارة العراقية
•العلاقة بين الحداثة والإرث العمراني
•العمارة بوصفها خطابًا ثقافيًا واجتماعيًا
هذا الإطار النظري شكّل أرضية صلبة لجيل كامل من المعماريين العراقيين… وكنتُ واحدًا منهم.
صحيح أن بذور هذه الأسئلة بدأت في دراستي الجامعية، لكن العمل في الاستشاري العراقي عمّق قراءتي، وفتح أمامي أفقًا مختلفًا. بمساعدة أستاذي، وجدتُ طريقي منذ السنوات الأولى، ليس عبر التلقين، بل عبر الممارسة، والعمل المشترك، والنقاش.
ثانيًا: الامتداد المتحوّل
حين تفرّغتُ لمساري الخاص، شعرت أنني لم أستلم “مشروعًا جاهزًا”، بل استلمت فكرًا مفتوحًا.
الجادرجي سلّمني منهجًا، لا وصفة. سلّمني أسئلة، لا إجابات نهائية.
لقد أراد- بوضوح – أن تنتقل الفكرة، لا أن تتجمّد. أن تُختبر، وتُفكك، ويُعاد تركيبها وفق زمن مختلف، أكثر انفتاحًا على التجريب، والمواد، والسياق المعاصر.
كانت تلك المرحلة مليئة بالمتعة والتحدي، رغم منغصات الواقع وتعقيداته وسلطاته المتعددة. لكن ما بقي راسخًا هو الإيمان بأن العمارة ليست شكلًا، بل موقف.
من “المدرسة” إلى “الموقف»
أسّس الجادرجي ما يشبه المدرسة الفكرية، لكنه لم يردها مدرسة مغلقة، بل موقفًا معماريًا شاملًا:
•موقفًا من المدينة
•موقفًا من الذاكرة
•موقفًا من حداثة غير مستوردة
•موقفًا ينحاز إلى قضايا الناس
أهم ما في هذا الموقف أنه يستهدف الفرد في المجتمع، ويؤكد الدور الريادي والمسؤول للمعمار في عمران المدينة.
فالعمارة — كما تعلمت — خارج الإنسان لا وجود لها.
إنها انحياز للحياة، وإصرار على التغيير نحو الأفضل.
علاقة احترام… ومسافة نقدية
من هنا، أصبحت علاقتي به علاقة مهنية حيّة:
احترام عميق، لكن مع مسافة نقدية.
ألفة متبادلة، ولكن مع استقلال في الرؤية.
دائمًا كان هناك سؤال كبير وضع إطاره أستاذي، وكأنه عهدٌ ثقيل. حاولت أن أكون الحامل والمجيب — لكن بإجابات جديدة، كما أراد هو.
إذا أردتُ اختصار المسألة عمليًا:
الجادرجي وضع القواعد.
ومهمتنا أن نستخدمها، ونفسّرها، ونعيد اختبارها.
وأجمل ما في هذا الإرث أنه لا يُقرأ كسلسلة نسب، بل كسلسلة أسئلة تنتقل من جيل إلى جيل.
نحو الاستمرار
وثّقتُ هذا الفهم في كتابي
بيان وتبيين في العمارة
لأنني أؤمن أن هذه العلاقة ليست مغلقة ولا محسومة، بل قابلة لإعادة القراءة من أزمنة ومواقع مختلفة، وربما من أجيال قادمة.
ويسعدني أن هذا النوع من العلاقات المهنية الهادئة، غير الانفعالية، التي تحترم الطرفين، هو بالضبط ما نحتاجه في بيئتنا المعمارية اليوم.
ربما نفتقد مثل هذه العلاقة في المنطقة، إلا في تجارب نادرة.
خلاصة القول
العلاقة لم تكن تأثيرًا شكليًا، بل نقلًا لمنهج التفكير.
إنها دعوة مفتوحة للسؤال:
من يستمر في سبيل اكتشاف خصوصية المكان؟
وهل الهوية تُورَّث… أم تُكتشف باستمرار؟
وأستعير هنا ما جاء في تقرير
التعليم: ذلك الكنز المكنون
برئاسة جاك ديلور،
حيث يُنظر إلى التعليم بوصفه كنزًا مكنونًا، ينتقل لا كمعرفة جامدة، بل كقدرة على الفهم والتجدد.
وهكذا كانت علاقتي بأستاذي رفعة الجادرجي:
كنزًا فكريًا… ومسؤولية مفتوحة.