في ذكرى غازي السعودي.. حارس الجدران وراوي الحكايات

رحيم رزاق الجبوري
حين نتأمل جداريات بغداد ونتجوّل بين خاماتها المنسية التي تزيّن وجوه الأماكن بصمت ناطق، فإننا لا نقرأ فقط سطورا من الفن، بل نسمع صوت التاريخ والتراث والفولكلور، وهو يتحدث بلسان الألوان. ومن بين أولئك الذين خلّدوا سيرة العراق عبر الفن، يقف الفنان الراحل غازي السعودي شامخا كواحد من ركائز الجمال التشكيلي الحديث، وصوت بصري يحاور الأجيال بلغة الطين والزجاج والسجّاد والكانفاس. وُلِدَ السعودي، أستاذ فن الجداريات والفرسكو، وأحد المؤسّسين الأوائل لهذا الاختصاص في العراق والعالم العربي، في بغداد عام 1935، في منطقة الصدرية، ونشأ وسط بيئة شعبيّة ملهمة، حوّلها إلى أيقونات بصرية علّقها على جدران بغداد. كان فنانا شاملا لا يعترف بحدود الخامة ولا بإطار المدرسة، فتجوّل بين الجداريات والسيراميك والتصاميم المعمارية، وخلّدَ عبر أكثر من 44 جدارية ذاكرة الوطن، على نحو يجعل من كل عمل له كتابا مفتوحا عن الهويّة العراقيّة. رحل في السابع من حزيران عام 2023، عن عمر ناهز 88 عاما، تاركا إرثا بصريا لا يُقدّر بثمن.وفي شهادة مؤثرة، كشفت ابنة الراحل المهندسة عايدة غازي السعودي، عن تفاصيل إنسانيّة وفنية من سيرة والدها، موضحة أن «السعودي لم يكن لقبه، بل كنية عائلية تطوّرت عبر الزمن، واسمه الكامل هو غازي عزيز حسّون سعّودي (بتشديد العين)، ومع مرور الوقت، سقطت الشدة من الاسم، وانتشر باللفظ المعروف حاليا السعودي»، مشيرة إلى أن نسبه يعود إلى عشيرة المعامرة، وأن العائلة تسكن بغداد منذ عام 1790.وتقول عايدة: كانت عائلته عاشقة للفن. فأخوه عبد الله كان نحاتا. التحق والدي بمعهد الفنون الجميلة في الخمسينيات وتتلمذ على يد الرواد الكبار كفائق حسن وحافظ الدروبي. ثم حصل على بعثة دراسية إلى روما، بلد الجمال والمتاحف، حيث درس السيراميك، وهناك التقى بوالدتي وتزوجها، وعاد إلى العراق بداية الستينيات ليبدأ مسيرته الأكاديمية والفنية الطويلة.
وتضيف أن «من أبرز أعماله جداريات متنزه الزوراء، التي تُعد من التحف الفنية البارزة، وقد أنجزها في سبعينيات القرن الماضي حين كانت بغداد تنبض برؤية حضارية. استلهم فيها الإرث الأندلسي والعربي، واستخدم رموزا كـ(نافورة الأسود في قصر الحمراء)، ليجسد عبر الطين تاريخا فنيا يتجاوز حدود الجغرافيا، ويؤسس لذاكرة بصرية عربية، لا عراقية فحسب»، مشددة على أن «هذه الجداريات اليوم تواجه خطر الإزالة أو الإهمال، ما أثار موجة حزن واستنكار من الوسط الثقافي، حيث عبّر فنانون ومثقفون عن ألمهم الشديد تجاه ما اعتبروه (مجزرة) ضد ذاكرة بغداد الفنية. وقد وثّق الراحل بنفسه، قبل وفاته، محاولاته لترميم بعض هذه الجداريات رغم معاناته من عجز كلوي منذ عام 2016، إذ كان يخرج يوميا لمتابعة أعمال الصيانة بنفسه».وتؤكد عايدة أن «والدها كان يرفض أن يوصف بأنه خزّاف فقط، بل كان فنانا شاملا عمل على الكانفاس والزجاج والسجّاد. فكانت فلسفته الجمالية قائمة على حب الحياة وتجسيد حركة الإنسان، لا الجمود. لوحاته، وبخاصة جداريات الزوراء، مليئة بالحركة، وكل شخصية فيها تملك دافعا، وروحا، وتعابير فريدة».وتتابع بحزن: «حين سمعت عن إزالة أو تهديم بعض جدارياته شعرتُ بالألم. فلو كان والدي حيا وشاهد ذلك بعينيه لتحطم نفسيا، لأنه كان يعتبر الجداريات لغة وجودية، ومصدرا لتوثيق روح العراق».‏وفي ذات السياق، يقول الخزاف والخطاط رعد فالح حسن إن «الراحل اختزل رؤيته الجمالية والفنية في مجموعة من الجداريات التي تمثل علامة فارقة في فن الخزف العراقي المعاصر». ويضيف أن «تلك الجداريات لم تكن مجرد أعمال فنية، بل مشاهد توثيقية نابضة تجسد تراث بغداد العريق وتاريـخها الغني، وقد رسمها بعين الخزاف وبصيرة الفنان، فجعل منها مرايا بصرية لروح المدينة».‏ويبيّن حسن أن «السعودي ابتكر أسلوبا خزفيا فريدا، مستلهما تقنية الفسيفساء المغربية، وهي تقنية نادرا ما استخدمت في الجداريات الخزفية داخل العراق، ما أضفى على أعماله لمسة من التميز الفني والفرادة الإبداعية».
‏ويعبّر عن أسفه لما آلت إليه حال هذه الجداريات، قائلا: «رغم أنها لا تزال شامخة بجمالها، إلا أن الإهمال الثقافي الذي ساد في فترات مظلمة من تاريخ البلاد، تركها تواجه خطر الاندثار، تأكلها الرطوبة والتعفن، من دون أي التفاتة رسمية لإنقاذها». خاتما حديثه بدعوة الجهات المعنية إلى «ترميم هذه الأعمال وإحياء المواقع التي نُفِّذَتْ فيها، باعتبارها معالم ثقافية وفنية مهمة، تمثل ذاكرة بغداد وروحها الإبداعية».من جهته، يوضح الفنان التشكيلي دهام بدر، أن «السعودي لم يكن مجرد فنان تشكيلي عابر، بل كان مجددا في رؤاه، مبدعا في منجزه، وصانعا لذاكرة جدارية لا تزال تُزيِّن شوارع بغداد وتروي حكاية حضارة وادي الرافدين».
‏ويضيف: لقد أعاد السعودي الاعتبار للجداريات بوصفها فنا بصريا نابضا بروح الأرض والمكان، مستلهما التراث الشعبي والتاريخ الحضاري للعراق، فحوّل الجدار إلى حكاية بصرية متقنة، تحمل في طياتها مزيجا من الحِسّ الشعبي والوعي الجمالي العميق. ويشير إلى أن «فن الجداريات الذي برع فيه السعودي ليس فنا اعتياديا، بل هو حرفة بصرية تتطلب وعيا تاريخيا ومهارة تصميمية عالية». مؤكدا على أن «هذا التنوع الأكاديمي منح السعودي خلفية معرفية رصينة، ومكنه من صوغ جداريات مدعومة بجوهر عراقي أصيل، مزيج من التاريخ والحضارة والموروث، ما جعل من منجزه علامة بارزة في ذاكرة بغداد».‏خاتما حديثه بحسرة: «بعد رحيل السعودي، أصبح حضور الجداريات في العراق باهتا وخجولا، فالرجل لم يكن فنانا فقط، بل كان معلما ومهندسا بصريا من طراز رفيع».بدوره يصف النحات والأكاديمي د. حسين الكَرعاوي، السعودي، بـ»الخزّاف البارز الذي ترك بصمة عميقة في المشهد التشكيلي العراقي المعاصر». ويؤكد أن «ترؤسه لقسم الجداريات ساهم في ترسيخ قيم الفن لدى أجيال من الفنانين، لا سيما في مجال الخزف».
ويبيّن الكرعاوي أنه «تفرّد بالتركيز على فن الجداريات دون غيره من التشكيلات الخزفية، ونجح في دمج الموروث العراقي بالنمنمات بأسلوب فني رصين، مما منحه مكانة ريادية متميزة».
ويشير إلى أن «جداريات الزوراء والمتحف البغدادي وكلية الطب، وكنائس بغداد، أثّرت في الذائقة العامة وأسست لحضور الخزف في الفضاءات العامة». وختم بالقول: «أصبح اسم السعودي ثقيلا فنيا في العراق، لما قدّمه من إضافة نوعية في فن الجداريات الخزفية». وفي خطوة أثارت استياء الأوساط الثقافية والفنية؛ أقدمت إدارة أحد فنادق بغداد على إزالة جدارية خزفية من أعمال الراحل؟! وقد أعربت دائرة الفنون العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار، في بيان صدر بتاريخ 7 أيار 2025، عن رفضها الشديد لهذا الإجراء، مؤكدة أن «الجدارية تمثل جزءا من الإرث الفني العراقي، ودعت إلى الحفاظ على مثل هذه الأعمال التي توثق تاريخ الفن التشكيلي في البلاد». مشددة على «ضرورة التنسيق مع الجهات المختصة قبل اتخاذ أي إجراء يطال الجداريات الفنية، حفاظا على هوية العراق البصرية وتاريخه الثقافي».
ويقول مدير عام دائرة الفنون العامة د. قاسم محسن حسان إنه «يرتبط مع الراحل بعلاقة تلميذ وأستاذ، وله فضل كبير في تنمية قدراتي الفنية، وله ذكرى خالدة في مخيلتي ووجداني».‏ويضيف أن «يشعر بالألم والحزن الشديدين لما آلت إليه وضعية جدارية الفندق»، مستدركا بالقول: «أن القائمين على الفندق لو أعلمونا قبل إزالة الجدارية لكانت دائرتنا اتخذت خطوات جادة بنقلها إلى مكان آخر». مؤكدا أنهم «قاموا بهذا الفعل دون استشارة وزارة الثقافة أو دائرتنا تحديدا».‏ويشير محسن، إلى أن «الدائرة لا تستطيع محاججتهم أو مقاضاتهم قانونيا في فعل الإزالة، كون الجدارية (حقا خاصا) وتعتبر من الممتلكات الشخصية لمالكي الفندق، وهي ليست (حقا عاما) كبقية الجداريات التي صممها الراحل “.

اقرأ ايضا

داريات غازي السَّعودي مشاهد بانورامية لبغداد، للحضارة، للجمال

عاصم عبد الأميريمثل غازي السعودي قطب الرحى في الفن الجداري، وهو الذي درس في إيطاليا …