غازي السَّعودي، واحد من أهم الفنانين العراقيين

صلاح عباس
يعد الفنان الراحل غازي السَّعودي، واحد من أهم الفنانين العراقيين من حقبة الستينات، أي من الرعيل الثاني بعد جيل الرواد، ولقد عرف عنه تخصصه الدقيق في مجال الفن الجداري، وأسهم بقسط وافر من الابداع الفني وانجاز الكثير من الجداريات الكبيرة التي تزين جدران المطارات العراقية في مختلف المدن والكثير من واجهات القصور والشوارع والساحات العامة وبوابات الحدائق والمتنزهات العامة وبخاصة بوابات حدائق الزوراء في قلب مدينة بغداد، والى جانب ذلك فانه انشغل بفنون الرسم تخطيطاً وتلويناً وزاول مختلف أفرع الفنون التشكيلية كالنحت والخزف وفنون الطباعة اليدوية وأعمال السجاد والحلي ومختلف أنواع التصاميم الفنية والمعمارية، حتى أنه ترك وراءه أعداداً كبيرة جداً، من الأعمال الفنية القيمة في أغلب أفرع الفنون التشكيلية، محققا إنتاج آلاف القطع الفنية المميزة بطابعها البغدادي وروحها العراقية الأصيلة.
أن عمليات تتبع مساراته الفنية واقتفاء أثره ليست صعبة، بل إنها في غاية السهولة لان كل أوليات تاريخه الشخصي وسيرته الذاتية متوافرة ومحفوظة لدى عائلته بمنتهى الحرص وهذا السفر الشخصي يتوزع على صور ووثائق وملفات عديدة تضم أدلة المعارض الشخصية والجماعية التي شارك بها الفنان على مدى مسيرته الفنية وكذلك تضم الملصقات والشهادات التي نالها وأغلفة الكتب التي صممها، ناهيك عن الاعمال الفنية التي احتفظ بها منذ مراحل دراسته الأكاديمية المبكرة في روما، مروراً بكل سنوات عمره، وكما نعرف بان الاعمال الفنية تمثل إرث الفنان وذاكرته وتحولاته الاسلوبية وتوظيفه للمواد الخام المتنوعة واهتمامه بالمواضيع الفولكلورية والتراثية والتنبه لقيم المواضيع ذات الطابع الثوري والحماسي التي تعنى بتاريخ البلاد والمجتمع وعلى هذا الاساس فان الفنان غازي السعودي كرس جهودا جبارة من اجل المشاركة الوطنية وتمجيد الاحداث والوقائع المفصلية في حياة المجتمع العراقي وتجسيدها من خلال الفن على النحو الذي اشتغلت عليه جماعة بغداد للفن الحديث واستجابة للدعوة المقدمة من لدن فنان الشعب جواد سليم والتي تحث على النهل من المنابع الفنية الصافية ممثلة بالمدرسة البغدادية التي اشتغل عليها الرسام الاول يحيى بن محمود الواسطي، وذلك لإكساب الفن الهوية الوطنية المؤكدة على الأصالة.
وهكذا دأب الفنان غازي السعودي، على استلال مواضيعه من حياة المجتمع ومن سفر تاريخه وثقافته المجتمعية بما يتضمن من فيض قصصي مكرس لقصص الحب العشق والبطولة، وكان يهمه التغني ببغداد بنهرها الخالد دجلة الخير والجسور القائمة عليها وتهمه ايضا ملامح المدينة الحافلة بالمآذن والقباب والشناشيل المطلة على الفضاءات البغدادية المكتظة بالحياة، حتى تبدو أعماله الفنية وكأنها احتفال بأجواء مخملية بعيدا عن صداع الرأس ووجع الدماغ، يبدو لي من خلال معرفتي الشخصية بالفنان وتطلعي لأغلب انتاجه الفني، بأن الفنان كان متابعا قريبا لحياة المجتمع، وحيث إهتمامه بالفنون والحرف والصنائع الشعبية وحيث تركيز انتباهه للعادات والتقاليد الشعبية، فنرى في أعماله الفنية كل هذا التنوع المصحوب بالرؤى الفنية الجديدة مع الاحتفاظ بالطابع المحلي لاسيما في مجال اضفاء اللغة التعبيرية المبسطة التي يستوعبها المتلقي البسيط، وهي تكاد أن تتشابه الى حد ما مع ما جادت به فنون الرسم الشعبية التي كانت سائدة في حقبة الستينات وبخاصة الرسم على السيارات او جدران المسارح ودور السينما او رسم بنت المعيدي او الرسم الشعبي الديني الى جانب التأثر برسوم المنمنمات في بطون الكتب.
إلا أن نقاط التباين والاختلاف بين هذه الفنون ذات الاصول الشعبية وبين ما أنتجه الفنان غازي السعودي كانت نقاطا واضحة، حيث ان الفنان غازي السعودي كان جريئا في وضع الالوان والخطوط وتوظيف مختلف المواد الخام ومختلف سبل الاداء الفني والتقني على السطوح التصويرية، اسوة بما كان يفعله اساتذته الذين تعلم منهم ابجدية الفن.

اقرأ ايضا

داريات غازي السَّعودي مشاهد بانورامية لبغداد، للحضارة، للجمال

عاصم عبد الأميريمثل غازي السعودي قطب الرحى في الفن الجداري، وهو الذي درس في إيطاليا …