سرى العميدي
يقال إن كل مدينة في العالم لها حكاية خاصة بها تجمع بين ماضيها وحاضرها وتعطيها الهالة التي تميزها عن جميع المدن، وكما يقول الكاتب خالد مطلك في كتابه؛ “تصدع الجمال الأنثوي”:
وبغداد مدينة القصص حيث لا يخلو شارع أو منطقة فيها من أثر وقصة، فتقلبات الزمن والأحداث المتعاقبة التي مرت عليها جعل منها مدينة القصص التي لا تنتهي بكل ما تحمله من أساطير وموروث شعبي يعكس الهوية المتفردة لهذه المدينة العريقة.
بغداد اليوم تحكي لنا قصصها عن طريق الأدب والمعمار والفن في كل ركن من شوارعها وأماكنها العامة ومناطقها الزاخرة بشخصياتها.
من عاش في بغداد يدرك معنى الفن في نصبها وتماثيلها وجدارياتها التي قطع فنانوها شوطا كبيرا في مواكبة الحداثة، وفي نفس الوقت الحفاظ على الهوية الوطنية المستمدة من الحضور التاريخي ومخزونات الذاكرة والموروث الشعبي والعودة إلى الجذور في أعمالهم التي تزين مساحات واسعة في كل جزء فيها.
كما أن الفنان عندما يكون عراقيا يكون زاخرا بسجل حافل من الموضوعات بكل ما ولدته البيئة العراقية، وباختلاف البعد المناطقي المتنوع الذي أثرى الفن العراقي.
رغم سير موكب الحداثة في الفن في زمن الفنان غازي السعودي، فإن إبراز الهوية المحلية، وتخليد التراث العراقي أعطيا روحا لأعماله، حيث استطاع أن يمزج بين أفكاره الجمالية والعودة إلى الأصول
الفن الجداري في العراق تاريخيا
الفن الجداري في العراق له جذور ممتدة للحضارات القديمة التي كانت حاضرة في العراق حينذاك، فالفن الرافديني القديم أظهر اهتماما كبيرا في تمثيل الحياة العامة وتوثيق الإنجازات، كذلك سرد القصص البطولية والطقوس الدينية والحملات العسكرية بالجداريات والنحت البارز الذي ظهر بشكل واسع في الحضارات: السومرية والبابلية والآشورية التي كانت بمثابة سجلات مصورة لتاريخ كل حضارة.
الجداريات والنصب المنتشرة في بغداد أصبحت مرتبطة بذاكرة العراقيين وجزءا لا يتجزأ من تمثيل حياتهم وتاريخهم بكل ما يحتويه من موروث شعبي وحضاري، ولعل جداريات غازي السعودي كانت خير معبر عن الحياة العراقية، فقد انشغل في جميع أعمالة بإبراز الطابع المحلي، والمرور بمحطات التاريخ، كذلك ذهب بعيدا إلى الجذور مستلهما موضوعات تعود للحضارتين: السومرية، والبابلية.
رغم سير موكب الحداثة في الفن في زمن هذا الفنان، فإن إبراز الهوية المحلية، وتخليد التراث العراقي أعطيا روحا لأعماله، حيث استطاع أن يمزج بين أفكاره الجمالية والعودة إلى الأصول.
أنت اليوم عندما تطالع جداريات غازي السعودي بإمكانك أن تتنقل بين أزمان مختلفة أن تذهب إلى الحضارة البابلية، مرورا بالسومرية وتلتمس قصص ألف ليلة وليلة، وأنت تشاهد معالم من العصر العباسي، كذلك لا تغيب عنك مشاهد الحياة الشعبية في المقاهي البغدادية والألعاب الشعبية، وحتى السمك المسكوف على الطريقة البغدادية.
لا يمكن اليوم أن يمر شخص من أمام متنزه الزوراء دون أن يلقي نظرة على جداريات غازي السعودي التي تعود لسبعينيات القرن الماضي، تخللتها مشاهد تمزج بين جمالية اللون، وتداخل بين الموضوعات المختلفة، حيث تناولت جداريات الزوراء موضوعات مثل الحضارات: البابلية، والعباسية، والأموية، والقادسية.
جداريات الزوراء اليوم لم تعد مجرد جداريات رسمت على حائط، إنما هي جزء من ذاكرة مدينة وذاكرة كل عراقي دخل هذا المتنزه مارا بجداريات غازي السعودي، ولامست الألوان بعده البصري، وإن كان لا يفقه شيئا في الفن، فكل عمل يستطيع أن يخلد اسمه في ذاكرة الشعب يمكن أن يكون فنا مؤثرا ومرتبطا بوجدانه، وهذا هو الخطاب الجمالي الذي أسس له غازي السعودي.
في مدخل الزوراء تطالعنا مجموعة جداريات لغازي السعودي ولعل جداريات الزوراء هي الأقرب لكل بغدادي من بين كل جداريات غازي السعودي.الجدارية تروي لنا قصص ألف ليلة وليلة التي تعتبر شريان التراث العراقي بشكل عام والبغدادي بشكل خاص، متمثلة بالسندباد وعلاء الدين وشهريار وشهرزاد وكهرمانة والمارد السحري. كما تطالعنا جداريات أخرى بالألوان: الذهبي، والفيروزي، والأحمر، والأزرق.
اللون الذهبي كما يعتقد يرمز لعصر بغداد الذهبي كما يلتفت غازي السعودي لإبراز دور العلماء العرب، وهم يحملون الأباريق الطبية والتطور العلمي والطبي الذي كانت بغداد حاضنة له في عهود مضت.
ثم يأتي دور الوراقين والكتاب رمزا لبيت الحكمة أكبر مكتبة في العالم وقتها وقد حوت أكثر من 300 ألف كتاب، ومراكز ترجمة عن الصينية والهندية والإغريقية والفارسية إلى اللغة العربية.
تأتي الأحصنة العربية رمزا للعروبة، وربما لتوسع الدولة العباسية حينها، كما تم تمثيل الأسواق وقصص مختلفة تعود لإرث شعبي وحضاري مألوف في هذه المدينة.
مشاهد أخرى في الجداريات تصور لنا شهريار جالسا على عرشه مع الأبواق التي تعلن عن تفاخره بملكه والعود الذي يطرب، والمستمعين لقصصه وأخباره، كما تظهر السفينة التي ارتحل عليها السندباد البحري.
رغم جمالية وأهمية جداريات غازي السعودي الآن، فإن هذا الفنان مظلوم إعلاميا، فأكثر العراقيين اليوم لا يعرفون من هو صانع جداريات بغداد، كما أن أعماله تعاني من الإهمال.
تطالعنا في جدارياته قبة زمرد خاتون وجامع السراي بقببه المتعددة، وهذه الجوامع تعود للعهد العباسي، ويطالعنا علاء الدين محلقا ببساطه السحري الذي يضيف عمقا وعودة لجذور التراث الشعبي البغدادي.
بالإضافة لذلك تناولت الجدارية الفلاحين والحراثة رمزا إلى الأرض والزراعة اللتين كانتا لهما مكانة خاصة في مختلف الحضارات، والدفوف التي تقرع بالقرب من الفلاحين.
كما نجد مشهدا يصور لنا مجموعة نساء بأزياء مختلفة أمام شيخ يمسك مروحة كتب عليها اقرأ، وربما ذلك تشبيه لشهرزاد قبيل أن تبدأ قصص ألف ليلة وليلة.
عند اتجاهنا من سوق السراي التاريخي إلى المتحف البغدادي نطالع جدارية المتحف البغدادي من الموزاييك تطلع علينا بموضوعات من عمق الحياة البغدادية الذي لجأ فيها إلى التراث البغدادي والمهن الشعبية، كما استلهم موضوعات مرتبطة بالأساطير وحكايات ألف ليلة وليلة.
الجدارية تمثل بغداد بكل رموزها بمشاهد ومعالم تعكس روح المدينة العريقة من المهن الشعبية، حيث تضمنت الجدارية موضوعات منها بائع السمك وطريقة طهي السمك بالطريقة البغدادية (المسكوف) والشناشيل بخشبها الذي كان يزين الأزقة البغدادية العتيقة، والمقهى البغدادي الذي كان يعتبر الملتقى الأول للبغداديين والمثقفين، وموروثات شعبية، مثل بائع لعبة الفرارة للأطفال.
كما أضاف معالم بغدادية مثل بناية البنك المركزي والمحطة العالمية ونصب الجندي المجهول ومرقد الإمام الكاظم، وكذلك أبو حنيفة النعمان، ولم تغب مشاهد بغداد المدورة ببواباتها، والفترة العباسية التي كان متأثرا بها.
جاء اختيار موضوعات جدارية المتحف البغدادي مكملا لفكرة المتحف في عرض الحياة البغدادية القديمة بمجسمات تعكس الحياة بكل تفاصيلها داخل البيوت البغدادية والمهن والعادات المتوارثة بتهيئة جميع الأجواء والأزياء التي تعطي انطباعا أكثر بالموروث الشعبي البغدادي الزاخر بقصصه وموضوعاته المتشعبة.
غازي السعودي من مواليد بغداد (1935-2023) درس في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وبعدها انتقل إلى روما ضمن بعثة من الطلاب العراقيين لدراسة فن الجداريات والفريسكو ليعود متخصصا في فن الجداريات ومؤسسا فرعا له في كلية الفنون الجميلة في بغداد ليكون رائد فن الجداريات في العراق.
بلغ عدد جداريات غازي السعودي 44 جدارية موزعة في أماكن مختلفة كالمطارات والكنائس والمتنزهات، ومتاحف وفنادق وبيوت خاصة وكليات، والبعض منها للأسف تم هدمه.
جداريات غازي السعودي كما تذكر ابنته عايدة السعودي، تمتاز بتصميم وتنفيذ الفنان بنفسه للعمل، بعكس أعمال فنانين آخرين كانوا يرسلون التصاميم لإيطاليا من أجل التنفيذ، حيث كان يقوم بجلب المواد من إيطاليا وتنفيذها بنفسه داخل العراق، وبهذا يمكننا القول إن أعمال غازي السعودي، هي أعمال عراقية متكاملة تصميما وتنفيذا.
رغم جمالية وأهمية جداريات غازي السعودي الآن، فإن هذا الفنان مظلوم إعلاميا، فأكثر العراقيين اليوم لا يعرفون من هو صانع جداريات بغداد، كما أن أعماله تعاني من الإهمال، فبعضها تم إزالته والآخر يحتاج إلى عمليات ترميم مدروسة تحافظ على قيمة العمل ومكانته وارتباطه بالذاكرة العراقية، خاصة أن أعمال رواد الفن العراقي اليوم هي تحف فنية تحتضنها بغداد لأسماء لامعة أثرت الفن العراقي بأعمال لامست موضوعات من جذور العراق الحديث والقديم وهي بمثابة سجل فني مصور يربط الحاضر بالماضي.
- عن موقع الجزيرة نت