الياس أبو شبكة: “شو في يَعمِلْ عَصفورْ زغير”؟

ميشال معيكي
«القامة الممشوقة… العصا السوداء… رزمةُ الصحف والمجلّات في يده… يزرع قدمَيه الخفيفتَين على الطريق، هازًّا كتفَيه بعصبيّة، عيناه حالمتان، مع مدى البحر إلى الأفق… واقفًا على المحطة، منتظرًا القطار، من الذوق إلى بيروت…”، هكذا وصفه صديقُه الأديب رئيف خوري.
شكّلَ الياس أبو شبكة في شعره ومع جيله من شعراء لبنان، لحظة ترميزية كبرى، لهويّة لبنان الشعرية باللغة العربية… هذه الشلّةُ من الشعراء، منحت لبنان واحةَ صفاءٍ إبداعي، وحلمًا للأرض العربية وكتّابها وشعرائها! الذاتيّة اللبنانيّة، مع هؤلاء الروّاد، لم تشكّل إنعزالًا بل تأمُّلًا وانفتاحًا وكثيرًا من الاستشراف. اطلاعاتهم على آداب الغرب الأوروبي ومشاركاتهم أغراضَ ومناحي الشعر العربي، استفادوا منها، ثراءً وشموليةَ ثقافةٍ، وأفادوا الفكر العربي والترجمات العالمية.
يذكر فؤاد حبيش، صاحب “دار المكشوف” في أربعينات القرن الماضي، نقلًا عن صديقه الشاعر الياس أبو شبكة:
«وُلدت في نيويورك عام 1903 أثناء سياحة والديَّ هناك. زرتُ باريس صيفًا. كان والدي غنيًّا. اغتاله لصوص سنة 1914 بين بور سعيد والخرطوم وكان يتفقّد مشاريعه. درست في عينطورة بين عامَي 1911 و 1914. انقطعتُ عن الدراسة فترة الحرب العالمية الأولى، ثم عدت إلى “معهد الإخوة المريميّين” في جونية. ثم إلى عينطورة وكنت تلميذًا مشاكسًا!».
اهتمّ أبو شبكة بالناحية الاجتماعية – السياسية في زمانه. في كتابه “العمّال الصالحون” الصادر عام 1927، نقرأ لُمحًا من تفكيره. فهو يمجّد الطبقة العاملة عبر استيعابه التفاوت الطبقي، وهمومَ الحرمان والفقر. ورأى في المجتمع طبقةً مُستِفلَّة وأخرى مُستَفَلّة.
وعى أبو شبكة مأساة الهمّ الاجتماعي وخطورته، لكن طروحاته بقيت طوباويةً رومانسية في الدعوة إلى الإصلاح.
في كتابه”الرسوم”، المتضمن مقالاتٍ نشرها في العام 1931 في مجلّة “المعرض” بتوقيع “رسّام”، تناول شخصيات سياسية لبنانية في زمانه، بنقدٍ لاذع ودلّ على الفساد والنفاق… ففي فهمه للسياسة، أنها وسيلة لتكوين أمّةٍ والمحافظة على شعبها.
في كتابه “روابط الفكر والروح بين الغرب والفرنجة”، الصادر في العام 1945، حدّد العلاقة الفكريّة بين الشرق والغرب. قال: “لعدّة قرون خلت، بدأ الأوروبيّ يؤمن بسلطة العقل، متأثرًا بالفلسفة العربية، التي أحلَّت العقل فوق السُّلطة، للفصل بين الحق والباطل. لكن خروج الحضارة العربية في أوروبا، أبقى الباطل هناك، حتى في عهد الانبعاث والنهضة!”. ويستشهد أبو شبكة بالكاتب الفرنسي بول فاليري: “أقوام البحر المتوسط هي التي مشت الخطوات الأولى الواثقة، في البحث عن الظواهر، باستخدام قوى الفكر والتطوّر البشري…».
في مقدّمة مجموعته “أفاعي الفردوس” قال أبو شبكة: “ليس للفكر حدٌّ ولا تخوم… كيف نضع للحياة حدودًا ونحمي هدف الفكر؟».
في كتاب “الياس أبو شبكة – دراسات وذكريات” الصادر عن “دار المكشوف” نهاية خمسينات القرن الماضي، يذكر أبو شبكة في مقالة له نُشرت أول مرّة في مجلة “المعرض” بتاريخ 21 حزيران 1931، كيف كان يعيش في البيت وعن نمط حياته يقول: “أنهض من الفراش في الساعة الخامسة صباحًا، فأتناول قليلًا من الطعام، ثم أشعل النارجيلة وأضع أمامي ركوة قهوة كبيرة وأنصرف إلى الكتابة. أما الموضوع فأكون قد فكّرت به في الليلة الفائتة… عندما أنتهي، افتح النافذة وأضع قدميّ الإثنَتين على منضدتي بين الأوراق والمحابر والأقلام، وأسند ظهري إلى الحائط وأنطلق في قراءة ما كتبت بصوت مرتفع جدًّا جدًّا، حتى أنّ عابري الطريق يقفون تحت النافذة ليتسمّعوا إلى صراخي، أو يتسلّقون أغراس التوت المنتشرة حول البيت ليَروا جيِّدًا من النافذة، ما يحدث في الغرفة.».
منذ بداياته الشعرية، لم يكتفِ أبو شبكة بالقصيدة التقليدية التي تتغنى بالجمال عن بعد، بل اقترب من عواطفه وجرّب أن يقول الحقيقة كما هي: الحب بكل نشوته، والخطيئة بكل وجعها.
في ديوانه الشهير “غلواء” كتب عن المرأة كملهمة وساحرة، وفي “الألحان” تناول موضوع الخطيئة بشجاعة نادرة في زمانه، فحوّل الجسد إلى رمز للصراع بين الرغبة والضمير.
حياته العاطفية كانت امتدادًا لشعره: سلسلة من الانفعالات والخيبات، لم يسلم منها قلبه ولا ضميره. أحبّ بشغف، وتألّم حتى الإدمان، اذ يُروى أنه لجأ أحيانًا إلى الكحول هربًا من قسوة واقعه ومن فواجع عاطفيّة تركت ندوبًا في نفسه.
الياس ابو شبكة لم يكن شاعرًا عاديًّا يعبّر عن الحب والجمال فقط، بل كان يواجه العالم بقلب مفتوح وروح متمرّدة. شخصيّته في الشعر تنبض بالإباء والاعتداد بالنفس. وهذا الإباء ليس غرورًا، بل ثقة جذريّة في الحقائق الإنسانية التي يعيشها ويراها.
لم يختبئ أبو شبكة خلف الرموز التقليدية أو الكلمات الرقيقة التي تخفي حقيقة الشعور. في قصائده “أرجع لنا ما كان”، يظهر حبّه للماضي والحاضر معًا، لكنه يرفض التنازل عن نفسه أو القبول بالحبّ البارد أو المراوغة. الإباء كثيف في جرأته على الاعتراف بالحبّ والجرح في آن واحد!!
رفض أبو شبكة الشعرَ الآمن الذي يُرضي الجميع. فعرض مشاعره بوضوح، حتى لو كانت صادمة، مستخدمًا صورًا قاسية: “الدم والريح والخمر».
«إجرح القلب واسقي شعرك منه فدم القلب خمرة الأقلام”، معلنًا رفضه للتزيّف والمواربة، وأنَّ الشعر الحقيقي يولد من الألم والصدق الداخلي!
إلى جرأته العاطفية، كان أبو شبكة يحمل إباء شعريًا واضحًا. لم يخشَ مواجهة الحب والألم معًا، ولم يرضَ بالمواربة أو التنازل عن مشاعره، فحوّل الألم والحنين الى نصوص صادقة، صادمة أحيانًا، لكنها دائمًا حقيقية. هو شاعر يكتب من قلبه مباشرة، يجعل القارئ يشعر بأنّ كل كلمة هي جزء من حياته، وأنّ الألم والحب والحنين ليست مجرّد صور شعرية، بل تجربة إنسانية حقيقية.
حروف أخيرة:
في المستشفى الفرنسي، ذلك السبت 27 كانون الثاني 1947، دخل عليه صديقه، صاحب “دار المكشوف” فؤاد حبيش، وكان في الزفرات الأخيرة. تطلّع أبو شبكة صوب صديقه، تمتم مُوّدعًا:
«عصفور زغير…طار وغطّ! شوفي يعمل عصفور زغير”؟!
عن (نداء الوطن)

اقرأ ايضا

أفاعي إلياس أبو شبكة وأزهار بودلير

نمر سعديإلياس أبو شبكة شاعِرٌ رومانسيٌّ مبدع وأَدِيبٌ ومترجم لبنانِي كبير، ولد في 3 مايو …