في ذكرى رحيلها..عندما زارت ام كلثوم بغداد سنة 1932

رفعت عبد الرزاق محمد
في تشرين الثاني 1932، جاءت المطربة الكبيرة ام كلثوم الى بغداد والتقت اهل المدينة الطيبين، وكان مجيئها مناسبة فنية وادبية طريفة، اذ احيت على خشبة مسرح (الهلال) في محلة الميدان عدة حفلات من غنائها الماتع والتقت جمعا كبيرا من الادباء والصحفيين والفنانين، تاركة ذكريات عزيزة على بغداد، تستأهل الجمع والتسجيل.
والمقال الذي بين يديك محاولة اولية ومختصرة بهذا الصدد، بعد الاطلاع على جملة من الاخطاء التي وردت في مقالات عديدة، سنشير اليها في مقال قادم، وقد اعتمدت اولا على ما نشرته الصحف البغدادية الصادرة سنة 1932، وبالاخص جريدة (الاستقلال) لصاحبها المرحوم عبد الغفور البدري الذي كان ـ على ما يظهر ـ على صلة وطيدة بصاحب ملهى (الهلال) المرحوم عبد الجبار سبع!
منيره المهدية سبقتها
ولم تكن ام كلثوم اول مطربة مصرية تحيي حفلاتها في بغداد، فقد سبقتها (منيرة المهدية) التي جاءت بغداد في مستهل سنة 1919 واحيت حفلاتها على صالة سينما (سنترال)، اما ام كلثوم فقد سبقتها شهرتها، فقد كان البغداديون على علم تام بالانجازات الفنية التي حققتها والاعلان الملحق بهذا المقال يبين ذلك. فقد علقت صورته على اعمدة شارع الرشيد ونشرته الصحف يومذاك.
وفي 17 تشرين الثاني نشرت جريدة (الاستقلال) الخبر التالي: «ستصل العاصمة اليوم زعيمة الغناء العربي المطربة النابغة الفذة الانسة ام كلثوم» وهكذا فقد نشرت الصحف خبر حفلات ام كلثوم قبل اكثر من عشرة ايام من وصولها،
وفي هذه الايام كانت جريدة الاستقلال تنشر الاعلان تلو الاعلان عن استعدادات ملهى ـ الهلال ـ لهذه المناسبة، ففي 8 تشرين الثاني نشرت اعلانا جاء فيه: «ابتداء من يوم الاربعاء الموافق 9 تشرين الثاني 1932 ستباع بطاقات هذه الحفلة في شباك الاوتيل.
اسعار البطاقات كما يلي:
موقع ممتاز في صحن الصالة 500 فلس
موقع ممتاز في البلكونات 500 فلس
موقع اول في صحن الصالة 375 فلسا
موقع ثان في صحن الصالة 250 فلسا عدا قيمة الطابع
1ـ جميع الكراسي منمرة وعلى ذلك عدد البطاقات محدودة.
2ـ خصص (بلكون) منفرد عن باقي البلكونات ومدخل خاص للسيدات فقط.
وفي اليوم التالي اوضحت ادارة الملهى ان محل السيدات الخاص له مدخل من اول سوق الهرج تجاه دائرة التقاعد، وانه خدمة لراحة السيدات ستقوم بخدمتهن نساء.
ووصلت ام كلثوم الى بغداد يوم 17 تشرين الثاني مع جوقها الموسيقي المكون من
1ـ محمد القصبجي (العود)
2ـ ابراهيم العريان (القانون)
3ـ كريم حلمي (الكمان)
4ـ يوسف متولي (الفيونسيل)
5ـ جرجيس سعد علي (الناي)
6ـ ابراهيم عفيفي (الدف)
7ـ صالح محمد (مساعد)
8ـ عبد العزيز عبد الوهاب (مساعد)
12 حفلة غنائية
احيت ام كلثوم اثنتي عشرة حفلة غنائية عند حلولها في بغداد، وجميعها على ملهى (الهلال)، ويذكر ان هذا الملهى (الهلال) كان قد ا سس في بدء الاحتلال البريطاني بأسم ملهى (ماجستيك) في محلة الميدان ـ مقابل ساحة وقوف السيارات حاليا ـ واول من اشتغلت فيه (ماريكة ديمتري) والدة المطربة الكبيرة عفيفة اسكندر، غير انه اصبح فيما بعد مقرا للمطربة الكبيرة سليمة مراد.
بدأت المطربة اولى حفلاتها يوم 18 تشرين الثاني وفي يوم 20 منه نشرت جريدة الاستقلال الخبر التالي: «الانسة ام كلثوم، ستشجي الجمهور بصوتها الملائكي بأوتيل الهلال، ستلقي ادوارا وطقاطيق ومنلوجات وقصائد جديدة بصوتها الذي سحر كل من حضر حفلاتها الاولى، ادارة الهلال.
وفي العدد نفسه من الجريدة اجرى احد محرريها لقاءا مع ام كلثوم في القصر الذي اعد لسكناها في طريق الاعظمية، وقد اشادت بالجمهور في بغداد وقالت انه يحترم الفنانين وانها تشكره للحفاوة التي وجدتها بينهم.
وقد كتب اكثر من واحد في الصحف الصادرة يومذاك بان ام كلثوم لا تظهر على حقيقتها الا بالسماع المباشر لها،
فقد كتب (م. ع) مقالا في جريدة الاستقلال ليوم 27 تشرين الثاني تحت عنوان (عاطفة اخاء نحو الانسة ام كلثوم) قال فيه ((… ادعيت ولا ازال ادعي انه لا يستطيع احد ان يفهم ولا يعرف اجادتها الا اذا رأها من قرب واصغى اليها… وهي تتأثر بغنائها قبل ان تحمله الى نفوس السامعين وهذا هو سر امتلاكها قلوبهم وتلاعبها بعواطفهم)).
كما كتب احدهم مقالا طريفا يوم 24 تشرين الثاني بعنوان (سحر بابل وفرعون في اوتيل الهلال) وكتب المرحوم نوري ثابت في جريدته (حبزبوز) ليوم 22 تشرين الثاني مقالا طريفا بعنوان «في استقبال ام كلثوم» وصف فيه استقبالها في (مطار الوشاش) ـ ويقصد مطار المثنى حاليا ـ وقال انه ركب مع معروف الرصافي الشاعر وعلي محمود الشيخ علي المحامي في سيارة، وانتظروا ثلاث ساعات في المطار حتى ظهرت الطائرة التي تقل المطربة.
وعندما نزلت من الطائرة قدمها مدير ادارتها الى المستقبلين، ويصفها حبزبوز بقوله: «سمراء وقد تعصبت بعصابة بنية (قهوائية) وسترت النصف الاسفل من وجهها بشاشة رقيقة سوداء، ثم غطت جسمها من الكتف الى الكعبين بمعطف (مانغو) بني ولفت على رقبتها فروا ثمينا (بووا) بني اللون ايضا كما كست قدميها الصغيرتين بحذاء بني اللون ايضا، اذن فهي من رأسها الى قدمها (كهوة شكرلية) (اى (قهوه سكر زيادة باللهجة المصرية)
فرصة نادرة
كما نشرت جريدة (حبزبوز) اعلانا طريفا يوم 29 تشرين الثاني 1932 جاء فيه «فرصة نادرة… وجود الانسة ام كلثوم في عاصمة الرشيد، فيجب الا تفوت هذه الفرصة النادرة التي قد لا تصادفك في حياتك مرة اخرى! انك لاشك سمعتها في الاسطوانات، ولكن هل يجوز التيمم مع وجود الماء، وهل الخبر كالعيان؟ اذن فاسرع وعجل بالذهاب الى اوتيل الهلال…» (اوتيل) الهلال يعلن قدومها!
واشيع في تلك الايام عن عزم ام كلثوم احياء بعض الحفلات في اماكن اخرى، فقد نشرت جريدة الاستقلال يوم 25 تشرين الثاني بيان ادارة ملهى الهلال الذي يكذب اقامة الحفلات النهارية لام كلثوم على صالة (رويال سينما)،
كما نشرت الجريدة يوم 30 تشرين الثاني بيان كتبته ام كلثوم جاء فيه: بيان الى الشعب العراقي الكريم قدمت هذه البلاد وفي نفسي كل الشوق اليكم والى بلادكم المحبوبة وبناء على الضرورة الحاصلة لوجودي في مصر في الخامس عشر من كانون الاول 1932 سأترك هذه البلاد وفي نفسي ذكرى جميلة لما لاقيته منكم من عاطفة وشعور سام يدل على حسن ضيافتكم وعنصركم الطيب وبهذه المناسبة اتأسف بأن اعلن لكم بأني لا اتمكن من احياء اي حفلة عامة كانت ام خاصة الا في الليالي التي متفق عليها مع ادارة اوتيل الهلال والتي ستعلن عنها الادارة في حينه.
ام كلثوم وفي اليوم التالي نشرت جريدة الاستقلال ما يلي: جاء ادارة هذه الجريدة لفيف من طلبة المدارس الثانوية والعالية يحملون رجاء الى حضرة مليكة الغناء الآنسة ام كلثوم من جهة وادارة اوتيل الهلال من جهة اخرى يتلخص في اقامة حفلة خاصة لهم.
ونحن بدورنا نقدم هذا الرجاء الى اوتيل الهلال نفسه التماسا قدمه البعض الى ام كلثوم باعادة غناء القطعتين (يا غائبا… ويا اسي الحي) في حفلاتها المقبلة.
واقامت الاوساط الادبية والفنية في بغداد بعض حفلات التكريم لام كلثوم فقد اقام ادباء بغداد حفلة في فندق (الهلال) يوم 3 كانون الاول 1932، وقد القى فيها المرحوم عبد المسيح وزير كلمة الادباء في تكريمها، ثم القى الشاعر الخالد معروف الرصافي قصيدته الذائعة، التي نشرتها معظم صحف بغداد في اليوم التالي، وقد ردت ام كلثوم على شاعرنا الكبير بانها ستغني ابياته:
اسمعي لي قبل الرحيل كلاما
ودعيني اموت فيك غراما
هاك صبري خذيه تذكرة لي
وامنحي جسمي الضنى والسقاما
ويذكر هنا ان المطربة العراقية الكبيرة سليمة مراد كانت قد حضرت الحفلة المذكورة، وبدافع المجاملة غنت ام كلثوم اغنية سليمة (باشا) «كلبك صخر جلمود» ولكنها لم تجد لفظ الكلمات البغدادية!!!.
وقد جمعت ما قيل في هذه الحفلة وغيرها من كلمات وقصائد وطرائف وربما سانشرها مستقبلا.
وفي يوم 11 كانون الاول اقام جمع من الصحفيين حفلة تكريمية للمطربة في القصر الذي تقيم فيه. ومن بين الصحافيين الذين حضروا الحفلة: ابراهيم صالح شكر، عبد الغفور البدري، ابراهيم حلمي العمر، عبد الجليل الراوي، محمود جلال المحامي، رفائيل بطي، عبد المسيح وزير.
ويقول محرر جريدة الاستقلال الذي وصف الحفلة ان حديث الصحفيين كان حول بطاقات الدعوة للحفلات وما يراه عبد الجبار سبع متعهد الحفلات من جشع وبخل بعض الرجال في التوسل الى البطاقات المجانية.
ويقول المحرر المذكور ان خالد ابراهيم شقيق المطربة والسيد العدوي سكرتيرها كانا يقدمان واجب الاستقبال وجاءت ام كلثوم متأخرة بعض الوقت لزيارتها دار المعلمات فقدمت اعتذارها.
وصف رائع
وقد كتب المرحوم ابراهيم صالح شكر رسالة وصف فيها ام كلثوم وصفا رائعا بعد حفلة الصحفيين فقال: «قصيرة القامة، صغيرة الوجه، سمراء، ليست بالمليحة الفاتنة ولا بالقبيحة الممقوتة، وانما هي عدال بين ذلك ولكنها اذا غنت تركت الناس سكارى عما في صوتها من نبرات ساحرة تذهب بوقار السامع و تصنع الحكمة، تظهر على المسرح في الاسبوع مرة واحدة، بلباس اسود يستر عنقها وذراعيها وفوقه رداء اسود ايضا شبيه برداء الراهبات الاسود الذي يلبسنه فوق الجلباب، وهكذا تجد من ام كلثوم وجهها الصغير المدور فحسب، وتلبس في رأسها الكوفية البيضاء والعقال المقصب.»
ومن الحفلات التي اقيمت لام كلثوم في بغداد تكريما لها، حفلة القنصلية المصرية بدعوة من القنصل (محمد سعيد بك) وقد حضرها الشيخ سالم الخيون ونجله الصغير. وقد زارت ام كلثوم بعد هذه الحفلة (سلمان باك) برفقة قنصل مصر.

اقرأ ايضا

أماكن وشخوص .. من الذاكرة

باسم عبد الحميد حموديفي مدخل إعدادية الكرخ للبنين ينتصب مبنى مهيب هو مرقد رجل الدين …