قاريء المقام العراقي الأول احمد زيدان

خيري العمري
من المؤلم حقا الا يجد الباحث الذي يريد ان يدون سيرة قارئ المقام احمد زيدان من المراجع والمصادر ما يعينه على الكتابة ويشجعه على التدوين، اللهم الا سطورا مقتضبة سريعة كتبت على عجل فجاءت من الضحالة بيحث لا تروي غلة الباحث المتأني والا تشبع تعطش المحقق في الوقوف على حقيقة هذه الشخصية الفنية. لذلك كان سبيلنا في هذا الفصل الرجوع الى الشيوخ المتقدمين الذين أدركوا أحمد زيدان وسمعوه وعاشروه وتتلمذوا عليه. وحسب القارئ ان يعرف ان معهد الفنون الجميلة لم يقرر ادخال المقام العراقي كمادة تدرس لحد الان، ولم يكلف نفسه عناء الحصول على مقامات احمد زيدان وهي مسجلة في اسطوانات شمعية قديمة يحتفظ بها البعض بحيث تكون في متناول يد الجمهور.
من طليعة المغنيين المشهورين الذين سطع نجمهم وتألق كوكبهم في سماء الفن. رجل يصفه بعض المعاصرين له أنه قصير القامة، نحيف البنية، سريع الكلام، يرتدي الصاية والدميري لباسا، ويضع اليمنى الاحمر في رجليه حذاءً، ويحمل تحت ابطه أغلب الاوقات عباءة، ويتخذ سكناه في دار بسيطة تقع في محلة خان لاوند.
يرجع نسب أحمد زيدان الى عشيرة البيات المستوطنة جوار جبل حمرين والتي هاجر كثير من افرادها الى بغداد. ولم يكد احمد يشب عن الطوق ويشتد ساعده ويستقيم عوده حتى برز ميله الى تذوق المقام وارتياد مجالس غناء شلتاغ وأبو حميد. وقد تأثر بهما وشرع بأخد أصول المقام عليهما، وزادت صلته بالأول فلازمه، وما هي الا فترة حتى أخذ أحمد زيدان يشق طريقه ببطء في عالم الغناء فلفت الانظار اليه بحسن اداءه وضبط انغامه بعد ان بلغ الخمسين من العمر. ومرت الايام وخلا الميدان له بعد رحيل شلتاغ وابو حميد، فكانت حفلاته في مقهى الشط في المصبغة تغص بالالوف، وكان يبدأ غنائه أول الامر واطئاً ثم يرتفع شيئاً فشيئاً. وأكثر ما تتجلى براعة زيدان حين يحلق في الجوابات، ومن هنا لا احد ينازع قول الاستاذ القبنجي من أنه “متخصص بقراءة الجبوري والناري والمحمودي وجميع المقامات العالية الطبقة لأن صوته عال وليس له نم».
وسواء ان صح قول الاستاذ القبنجي من ان صوت أحمد زيدان لا يساعده على اجادة المقامات التي تحتاج الى صوت عريض ام لم يصح، فان ميزته في الانتقال من مقام الى مقام بمهارة فائقة لم تكن موضع شك، وهو اسلوب لم يستطع احد من القراء مجارته فيه. ولم تقف عبقرية هذا الفنان عند ضبط المقامات واجادة تلاوتها، وانما تجاوز ذلك الى توسيع بعض النغمات الدقيقة التي اعتبرها الاقدمون فروعا بسيطة للمقام العراقي فجعلها مقامات خاصة، واضاف اليها تحريرات، ووضع فيها قرارات ثم نظم لها تسليمات مناسبة فجاءت من التحف النادرة. ومن ذلك نغمة القرية باش، ونغمة العمر كله، فقد جعلها مقامين كاملين. ومن تصرفاته انه أدخل نغمة المستعار في مقام الاوج، وأدخل نغمة العربيون عجم في مقام الخنابات، ونغمة الآيدين في مقام الطاهر.
وتبع احمد زيدان وتتلمذ عليه العديد من قراء المقام ومضوا على طريقته، ومنهم رشيد القندرجي، والحاج جميل، وعباس الشيخلي المعروف بعباس كمبير. كانوا يجتمعون به في مقهى تقع قرب الحي الذي يسكنه تعرف بإسم مقهى مجيد كركر حيث يلقنهم أصول المقام واسلوب تلاوته، وكان رشيد القندرجي اقربهم اليه واحبهم الى نفسه. وقد تعرضت صداقة احمد زيدان مع القندرجي في بعض الفترات الى فتور بسبب المنافسة الفنية، ورغم ذلك اوصى زيدان أن يقرأ تلميذه عليه في مقام الصبا في دفنه بعد ان ينزلوه القبر ويعود المشيعون. وتوفي في بغداد في 12-5-1912 وقد انهكه المرض بعد عودته من البصرة حيث احيى حفلاته الاخيرة عند الشيخ خزعل.
بتصرف من: خيري العمري، أحمد زيدان، مجلة الأقلام، 5 كانون الثاني 1965.

اقرأ ايضا

من ظرفاء بغداد.. صادق الازدي صاحب مجلة (قرندل)

بقلم :حسين الكرخيهو صادق بن محمد بن قدوري بن خضر الازدي – بفتح الهمزة – نسبة …