بديع خيرى شيخ المبدعين ورائد الكتابة المسرحية

زينب عبداللاه
شخصيات ورموز مصرية كانت وما زالت مؤثرة، ولها صيت كبير، سواء على المستوى المحلى أو العربى والعالمى، أثرت وتؤثر فينا، فى مجالات كثيرة ومتنوعة سواء فنية أو علمية أو دينية أو اقتصادية أو سياسية وغيرها الكثير والكثير.
ويحرص «اليوم السابع» على إعادة حكايات تلك الرموز وتاريخها المُضىء، وفى إطار حرص الدولة وتوجُهها بإحياء الهوية المصرية ورموزها، حفاظا على تاريخنا العريق وللاستفادة من تلك القصص المُلهمة، وتقديم القدوة الحسنة للشباب والأجيال القادمة، وذلك من خلال تناول بروفايل لأبرز الشخصيات المُتميزة فى مصر، أسبوعيا على صفحات «اليوم السابع».
له من اسمه نصيب كبير فهو البديع المبدع الذى أبدع فى حياته ليعيش بعد موته ويؤثر فى الملايين، ولتبقى إبداعاته كالنهر المتجدد ينهل منه كل عاشق للفن أو راغب فى تعلم أصوله، له رصيد فى وجدان الملايين من مختلف الأجيال حتى هؤلاء الذين لم يرونه ولا يعرفون اسمه، ستجده حاضرًا فى أذهانهم وهم يرددون إبداعاته ويرون أو يسمعون أعماله التى رددها وأعاد إنتاجها فنانون من مختلف الأجيال: «أهه ده اللى صار، يا بلح زغلول، قوم يا مصرى، دنجى دنجى، شد الحزام على وسطك، الحلوة دى قامت تعجن، البحر بيضحك ليه، هز الهلال يا سيد، وغيرها، ومسرحياته وأوبريتاته التى لا زالت يعاد إنتاجها وتقديمها، منها السكرتير الفنى، والدنيا لما تضحك، والشايب لما يدلع، إلا خمسة، الشاطر حسن، الفلوس، الجنيه المصرى، وغيرها، فهو رائد المسرح وفن الأوبريت الذى تعلم منه ونهل من عطائه الكثيرون، وهو الكاتب والأديب الذى كتب مئات الأغانى والأفلام والمسرحيات، ليس هذا فقط بل كانت لديه مواهب لم تستثمر فى التمثيل والتلحين وأيضًا فى الغناء، وفضلًا عن كل هذا كان مناضلاً بالفن والكلمة حيث أصدر العديد من المجلات التى حاربت الاستعمار.
إنه المبدع الكبير شيخ المبدعين ومعلمهم بديع خيرى أحد كبار رواد الفنون فى مجالات عديدة وأحد كبار المؤثرين فى تاريخ الفن والوجدان المصرى والعربى.
نهر الإبداع.. بديع خيرى أحد صناع ثورة 1919، وكاتب أهم أغانيها، العبقرى متعدد المواهب، فهو رائد المسرح، الشاعر والمؤلف وكاتب سيناريو، شريك وصانع مسرح الريحانى ورفيق عمره، وصديق وصانع روائع فنان الشعب سيد درويش الذى جسّد كل معانى التعايش، معبّرا عن الانصهار بين أبناء الشعب المصرى وأبناء الشعوب التى انصهرت معه، فكتب الزجل والأغانى بلسان المصرى والسودانى والإيجريجى «دنجى.. دنجى»، «مخسوبكو أنداس»، وغنى بلسان الموظف والشيال والصعيدى والفلاح والجرسون والصحفى «شد الحزام على وسطك، يا حلاوة أم إسماعيل، هز الهلال يا سيد، الحلوة دى قامت تعجن، البحر بيضحك ليه، اقرا يا شيخ فقاعة تلغراف آخر ساعة، أهو دا اللى صار»، وتنوّعت إبداعاته فكتب أجمل أغانى محمد فوزى «شحات الغرام، وليا عشم وياك يا جميل»، ولأسمهان «عليك صلاة الله وسلامه»، وأغنية بطلوا ده واسمعوا ده الشهيرة لعزيز عثمان فى فيلم لعبة الست، كما كتب سيناريو أول فيلم عربى يتحدث عن الحارة المصرية وهو فيلم «العزيمة»، وكتب سيناريو أول فيلم كارتون مصرى فى الثلاثينات ونفذ الفيلم الأخوة فرنكل، وناقش هموما وقضايا مصرية فى سلسلة حلقات حملت اسم «مشمش أفندى»، وكانت تعرض فى السينما وتحدثت عنه الصحافة العالمية وقتها تحت عنوان: «ميكى ماوس أصبح له أخ مصرى»، ووضع هذا الكرتون فى سجلات التطور التاريخى لفن الكرتون فى العالم، وفضلًا عن كل هذه المواهب أصدر عددًا من الصحف والمجلات، وما زال إبداعه منبعا ملهما لعشرات الفنانين الذين أعادوا تقديم روائعه الصالحة لكل زمان ومكان، وهو المؤثر الذى تتلمذ على يديه عدد من كبار المبدعين ومنهم أبو السعود الإبيارى.
ياما فى الجراب يا بديع.. ولد بديع عمر خيرى فى 18 أغسطس 1893، ونشأ فى مناطق شعبية منها روض الفرج والمغربلين، وتمتد جذوره إلى عائلة الأمير محمد كتخدا الخربوطلى، وكان واسع الثقافة والاطلاع وحفظ القرآن، هو ما ساعده فى إتقان اللغة العربية، ومنذ طفولته بدأت موهبته فى كتابة الزجل.
تخرّج بديع خيرى من مدرسة المعلمين العليا فى فترة لم يكن فيها التعليم منتشرًا فى مصر، وتعلم اللغات وعمل مدرسًا للغة الإنجليزية، تشير بعض المصادر إلى أنه ينتمى إلى أبٍ من أصول تركية، كان يعمل مديرًا لحسابات «الوالدة باشا» أمّ الخديوى عباس، ووالدته «كولفدان هانم» ابنة الشيخ الليثى أشهر تجار الغورية.
كان بديع يحلم فى بداياته أن يكون ممثلا ومارس هوايته مع فرق الهواة، وبدأت علاقته بالمسرح عام 1914، فكان يقدم مونولوجات ويؤلف لزملائه الهواة، وفى إحدى المرات طلبت منه المطربة فاطمة قدرى أن يؤلف لها مونولوجا فكتب لها مونولوج: ليلة العيد كنت مخدر، فمنحته أول أجر حصل عليه من الكتابة وكان مبلغ 50 قرشا.
بداية الرحلة مع الريحانى.. وفى لقاء نادر مع المبدع الكبير بديع خيرى تحدث عن بداية علاقته برفيق رحلة إبداعه نجيب الريحانى، مشيرًا إلى أنه أنشأ مع مجموعة من شباب الهواة تجمعًا أطلقوا عليه «نادى التمثيل العصرى» وكتب أول مسرحية فى حياته بعنوان «أما حتة ورطة»، فنالت إعجاب الجمهور، لأنها اختلفت عما كان يعرض من مسرحيات مترجمة، حيث كانت المسرحية تتحدث عن المجتمع المصرى.
وكان نجيب الريحانى يسكن أعلى المسرح الذى تعرض فيه الفرقة، وجاء فى أحد الأيام ليشاهد المسرحية فأعجبته وسأل عن مؤلفها، ثم أرسل لبديع خيرى وعرض عليه العمل معه والتأليف لفرقته مقابل مرتب كبير، لكن بديع خيرى خاف من المجازفة بترك وظيفته فى التدريس واقترح على الريحانى أن يجرب أولًا، ولو حقق نجاحًا ترك التدريس، وكان أول تعاون بينهما مسرحية «على كيفك» ومسرحية «كله من ده».
نجحت هذه المسرحيات، وقرر بديع خيرى العمل مع الريحانى، وكانت المصادفة التى تفائل لها خيرى أن يوم كتابة العقد بينه وبين الريحانى، وافق نفس تاريخ ميلاده حيث تمّ تحرير العقد فى 18 أغسطس عام 1918.
ومع بداية تعاونه مع الريحانى تخلى بديع خيرى عن موهبته فى التمثيل ليركز اهتمامه فى التأليف والكتابة، ورغم ذلك مثّل فى بعض الأعمال، حيث أشار فى أحد لقاءاته قائلا: «كنت أمثل للضرورة، ومثلت فى المسرح والسينما مع الريحانى، وشاركت فى فيلم بسلامته عاوز يتجوز».
كان المسرح والفن المصرى قبل تعاون بديع خيرى ونجيب الريحانى يعتمد على النقل والترجمة من المسرح الأوربى، ويرجع الفضل للريحانى ورفيق عمره بديع خيرى فى تمصير الفن والمسرح وربطه بالواقع والحياة اليومية ورجل الشارع المصرى.
«عايزين مسرح مصرى، مسرح ابن بلد، فيه ريحة الطعمية والملوخية، مسرح نتكلَّم عليه اللُغة التى يفهمها الفلَّاح والعامل ورجل الشارع»، كان هذا هو المبدأ الذى تعاهد عليه الريحانى وبديع خيرى الذين اشتركا فى كتابة الأعمال المسرحية والسينمائية التى قدماها معًا.
جمعت الريحانى وبديع خيرى علاقة صداقة وأخوة كبيرة ولم يختلفا أبدًا، حتى أن نجيب الريحانى سمّى ابن شقيقه بديع على اسم صديقه، وكان يعتبر أبناء بديع أولاده ووعد عادل خيرى ابن بديع أن يتبنى موهبته ويرسله لتعلم الإخراج فى الخارج ولكن الريحانى رحل قبل أن ينفذ هذا الوعد.
قام بديع خيرى ونجيب الريحانى بتمصير عدد من الروايات والقصص الأجنبية وتقديمها على المسرح، وقال بديع خيرى فى أحد لقاءاته: «اقتبسنا مسرحية السكرتير الفنى من مسرحية فرنسية، وعملناها على طريقتنا وأضفنا إليها شخصيات مثل المعلم بائع السمك والشيخ خميس، وجاءت فرقة من فرنسا وشاهدت المسرحية وطلبت ترجمتها حتى يقدموها على مسارحهم فضحكت أنا والريحانى واندهشت الفرقة عندما علمت أنها بالأساس مسرحية فرنسية».
تعرض بديع خيرى والريحانى لبعض الخسائر خلال مسيرتهما الفنية، فبعض المسرحيات التى توقعا نجاحها لم تنجح ومنها مسرحية السكرتير الفنى عندما قدماها لأول مرة.
عن (اليوم السابع)

اقرأ ايضا

المسرح العربي بين النقل الغربي والتأصيل الشرقي: تجربة جورج أبيض

مصطفى عطية جمعةمن الأهمية بمكان إلقاء الضوء على تجربتي رائدين من رواد المسرح العربي، ونعني …