مدام عادل المرأة الحديدية ومدرستها

في العراق القديم المزدهر كان هناك سيدة لبنانية الأصل زوجة أستاذ تربوي فاضل اسمه أنيس عادل عرفت عراقيا بإسم (مدام عادل) واسمها الست زهورة وشقيقتها المربية الفاضلة فيكتوريا هذا الثلاثي التربوي اللامع قام بتأسيس مدرسة أهلية في بغداد عرفت باسم (مدرسة عادل الأهلية) سنة 1932 واتخذت المدرسة من قطعة أرض شاسعة المساحة بحسابات ذلك الزمان تقع في منطقة العلوية المقابلة تماما لمنطقة بارك السعدون مقابل كنيسة السبتيين.
المدرسة كانت مكونة من 3 بنايات واحدة تحتوي على صفوف وقاعة كبيرة لألعاب مخصصة لصفوف الروضة والتمهيدي ومكاتب الإدارة والمطعم الذي كان يقدم وجبة الغذاء للطلاب وبنايتين أخريين لصفوف المرحلة الإبتدائية من الأول إلى السادس وكانت المدرسة تحتوي على حديقة خلابة كبيرة المساحة تحتوي على مسرح صيفي وخلف الحديقة مشتملات لسكن الحراس والعمال والطباخين وكان هناك قسم داخلي لبعض الطلاب وساحة للرياضة وكان للمدرسة باصات صفراء كبيرة تنقل الطلاب من وإلى المدرسة في ذلك الزمان.
كانت مديرة المدرسة مدام عادل تساعدها أختها فيكتوريا في الادارة لكن لمدام عادل شخصية فريدة وكانت بكل معنى الكلمة مربية فاضلة ومخلصة ورفيعة الخلق ومثقفة جدا ومتفانية وكانت تتمتع بشخصية المرأة الحديدية كانت شديدة مع الطلاب والكادر التدريسي والعاملين في المدرسة على حد سواء كان طلاب المدرسة من أبناء خيرة عوائل بغداد وأكثرهم شهرة وأيضا من أذكياء بغداد لأن المستوى الدراسي كان عاليا جدا كذلك الأجور الدراسية.
هذه المرأة جعلت من المدرسة الإبتدائية جامعة وليست مدرسة بقوانين عسكرية صارمة ومستوى دراسي عالي جدا حيث كانت تعامل الجميع معاملة واحدة ابن الوزير حاله حال ابن أبسط موظف داخل المدرسة له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات ولا استثناء لأي كان مهما حدث الدوام يبدأ في تمام الساعة 8 صباحا ومن يتأخر دقيقة عليه أن يعود للبيت فورا فلن يقبل منه أي عذر أو تبرير ولن تجدي تشفعات الأهل كانت المسطرة التي تحملها مدام عادل من الخشب طولها 50 سم وياويل الطالب المشاكس عندما يقف أمامها كان يتمنى أن تنشق الأرض وتبلعه بدلا من الوقوف أمام تلك المرأة الحديدية.
كانت الكتب المنهجية تستورد بالطائرة من خارج العراق وكان كتاب اللغة الإنجليزية للصف الأول الإبتدائي في تلك المدرسة نفس كتاب طلبة الصف الخامس الابتدائي في المدارس الحكومية ولكم أن تتخيلوا الفارق الكبير في المستوى الدراسي بين طلاب مدرسة مدام عادل وطلاب المدراس الحكومية وكان أغلب خريجين هذه المدرسة يكملون دراستهم المتوسطة والإعدادية في كلية بغداد في الصليخ لتقارب المستوى العلمي ونظام التدريس والإنضباط في كليهما كانت مدام عادل تعاقب الطلاب المتراجعين دراسيا والكسالى بدروس إضافية للتقوية بعد الدوام وتمنع الأهل من اصطحاب ابنهم المشاكس أو الكسول أو المقصر بعد انتهاء الدوام إلى البيت إلا بعد أن تحجزه لثلاث ساعات يؤدي خلالها مختلف أنواع الفرائض والواجبات الإضافية إجباريا بعد الدوام.
كانت تشرف بنفسها على نوعية وكمية ونظافة الطعام الذي يقدم في مطعم المدرسة لجميع الطلاب وكان هناك عاملان لتقديم الطعام واحد اسمه بطرس والآخر اسمه خوشابا.
في تلك المدرسة كانت الدروس اللامنهجية مثل الرياضة والفن والموسيقى تحضى بنفس الأهمية لدى الإدارة والمعلمين وكانت هناك حفلة سنوية فنية للطلاب تقام على حدائق المدرسة ومسرحها الصيفي يقدم من خلاله الطلاب فعالياتهم ومواهبهم الفنية والشعرية والمسرحية.
والموسيقية أمام الأهالي والشخصيات البارزة التي كانت تحضر الحفل السنوي بصورة دورية وتقدم الهدايا التقديرية والتشجيعية للطلبة المتميزون في تلك الفعاليات.
كانت مدام عادل مربية محنكة بشخصية قوية صارمة وكانت تعامل ابنتها التي تعمل ادارية بالمدرسة بنفس الصرامة التي تعامل بها المعلمات والعاملات كان الطلاب يكرهونها أحيانا لحرصها الشديد وتفانيها العالي ولكنهم اليوم يترحمون على أيامها والساعات والسنوات التي قضوها معها واليوم فقط عرفوا قيمة أفضالها على جميع من تخرج من تحت يديها هذه المرأة الحديدية خرجت عظماء وعلماء ونوابغ وفنانون و 99% ممن تخرج من مدرستها احتلوا أرفع وأرقى الوظائف والمناصب الإدارية والعلمية والفنية في أنحاء العالم فتجد كل من تخرج من مدرسة عادل الأهلية بارزا وناجحا ومتميزا في مجال عمله اليوم لأنه حمل أساسا علميا راسخا قويا منهجيا دوليا فتح له أصعب الطرق والأبواب ليدخلها وهو متسلح بعقلية علمية تجعله يخترق كل الصعوبات وبسهولة تامة مدام عادل كانت مثل ورائد من رواد التعليم في العراق منذ ذلك الزمان المشرق الزاهي والبهي والذي لن يعود أبدا وبعد إنقلاب 1958 المشؤوم أصبحت مدرسة حكومية إسمها (العهد الجديد) بعد إلغاء المدارس الأهلية وتم مصادرة المدرسة مع جميع أبنيتها وممتلكاتها والعبث بقوانينها وتغيير كوادرها وبالتالي تراجع مستواها العلمي والتربوي وتحولت الى مدرسة عادية جدا بل رديئة بفضل عقول الضباط الفاشلين الذين عملوا على عسكرة المجتمع واهمال العلم وادواته!!!
عن صفحة (معرض صور تاريخية)

اقرأ ايضا

زيارة للشاعر الزهاوي في الثلاثينيات

أحمد حسن الزياتمن حق الزهاوي على (الرسالة) وهي ديوان العرب وسجل الأدب أن تقف على …