إستذكار وفاة اجاثا كريستي في 12 يناير 1976من ذكرياتها في العراق

شذى القيسي
قامت الكاتبة المولعة بالمغامرة أجاثا كريستي، بأول رحلة لها إلى العراق عام 1928م.
كانت تعتبر من الرحلات المثيرة حيث ركبت القطار من محطة فكتوريا في لندن إلى مدينة ” دوفر ” على الشاطيء الجنوبي لبريطانيا،ثم عبرت المانش بمركب إلى الشاطيء الفرنسي ومن ثم أخذت قطار يسمى ” سيمبلون ” لتتوجه إلى اسطنبول في تركيا في رحلة تدوم لثلاثة أيام عندما وصلت الكاتبة إلى اسطنبول استقلت القارب الذي أقلها للجانب الأسيوي من تركيا لتركب بعد ذلك القطار الذي أخذها من حلب إلى بغداد.
في بغداد أرادت الكاتبة زيارة آثار مدينة أور ولكن ذلك تعذر عليها ولكنها قررت العودة مرة أخرى.
في عام 1930 م عادت أجاثا إلى أور في شهر مارس في الفترة التي كانت تهب فيها عاصفة رملية قوية استمرت خمسة أيام لم تتمكن فيها كاترين زوجة رئيس البعثة البريطانية للتنقيب عن الآثار من الإعتناء بالضيفة فأوكلت تلك المهمة إلى عالم الآثار البريطاني البروفيسور “ماكس مالوان» الذي رحب بالمهمة.
اصطحبها ماكس مالوان اولاً الى نفر ثم كربلاء ثم بغداد، وكان (فندق مود) لصاحبه (ميخائيل زيا) محط رحالهم في بغداد، وفي أثناء ذلك وردت رسالة لأجاثا تخبرها بمرض “روزالندا» ابنتها من زوجها السابق الضابط ارشيبالد كريستي فغادرت على عجل بمساعدة ماكس مالوان الذي مال قلبه لأجاثا على الرغم من أنها كانت تكبره بخمسة عشر عاماً..توجها بعد ذلك الى انكلترا بعد ان توثقت العلاقة بينهما فتزوجا في 11 ايلول 1930.
رجع ماكس مالوان عام 1932 ليبدأ في الكشف عن الاثار في نينوى، وكانت اجاثا ترافقه، فهي مصورة فوتوغرافية وتنظف اللقى الاثارية وتسجلها فضلاً عن استمرارها في كتابة القصص والروايات، وكان نصيب العراق في قصصها هي (جريمة في شارع الرشيد) و(جريمة قتل في بلاد الرافدين) و(عائد في الربيع) تلك القصص التي تجد فيها الفهم العميق لشخصية منحرفة سنحت لها فرصة التحول الى الخير فاختارت سبيل الشر..
ان الدراسة الضمنية للخير والشر لاتغيب عن معظم كتب اجاثا مع فهم اصيل وبديهي للدراسة النفسية المرافقة له.
تترك اجاثا وزوجها العراق سنة 1934 لتعود اليه سنة 1947 وتنشغل في اثار نينوى ونمرود لغاية عام 1949، وقد اكتسبت خبرة في معاملة العمال العراقيين الذين كانوا يشيرون اليها على انها (عمتهم) لحنانها وطيبتها في التعامل معهم، بالاضافة الى عملها في الآثار مما جعل الاستغناء عنها صعباً.
إنتقلت بعد ذلك الى اشور وبقيت حتى سنة 1951، وهو الموسم الاثاري الثالث لبعثة ماكس مالوان زوجها، وكذلك الموسم الرابع عام 1952 والموسم الخامس والاخير عام 1953، وكانت هذه المواسم الاخيرة مختصة بالاثار الاشورية التي اكسبت اجاثا خبرة كبيرة في حضارات العراق، وقد وظفت بعض ذلك في قصصها الرائعة التي لازالت تطبع والتي استحوذت على اهتمام مئات الملايين من القراء ومشاهدي الافلام والمسرحيات لما تتمتع هذه الاعمال بالتحليل النفسي الدقيق ونفاذ بصيرة في الطبيعة البشرية المرسومة من غير تعقيد والحكم عليها من غير مبالغة.
إن عددا من الاثاريين العراقيين عملوا مع ماكس مالوان وتعرفوا على أجاثا كريستي ورافقوها في معظم المواقع الاثرية، ومن بينهم الدكتور بهنام أبو الصوف، والدكتور طارق مظلوم.
ويذكر أبو الصوف أن أجاثا كريستي كانت تكبر مالوان بـ (16) عاما وأنها كانت معجبة باحترام العراقيين للمرأة.. وعندما اكتشف زوجها تمثالاً نفيسا من العاج سنة 1952، وكان لامرأة جميلة أصرت (أجاثا كريستي) أن تطلق على التمثال: (موناليزا نمرود) ويرجع التمثال في تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد.
وقد اذهلت “مقبرة اور الملكية” المرأة الانكليزية وما عثر فيها من اللقى من الخنجر المشهور الى القيثارة السومرية والحلي النسائية الملكية فشدت هذه الآثار اجاثا كريستي ومنحتها تصوراً جديداً وبعداً اخراً اضفى على كتابتها نوع من السحر والغموض كونت اجوائها مصدر وحي والهام لتكتب قصصاً تشد القارئ بروعة الشرق ولغز الجريمة.
وفي الاعوام القليلة الماضية اقيم في المتحف البريطاني معرض خاص عن اجاثا كريستي ومقتنياتها وعملها في العراق ليروي بعضاً من قصة حياتها بعد ان تعلمت من زوجها بعداً مهماً من ابعاد صنعة التنقيب وصيانة وحفظ الآثار..
فبعد الاستدلال على الموقع وغالباً ما يكون مكاناً مرتفعاً تبدأ عمليات الحفر بشكل بطيء وممل وبادوات يدوية بسيطة تتطلب الصبر والاناة والدقة والتأني التي يقوم بها اهالي «الشرقاط» بكل جدارة.. فهم بالفطرة يعدون من احسن المنقبين عن الآثار في العراق.. فكانت اجاثا كريستي تتلقف اللقى المطمورة بين طيات التراب منذ آلاف السنين وتلفها بقطعة قماش مبللة لتمنع ملامستها للهواء الذي يعرضها للتهشم ثم تتركها لتتعود تتأقلم تدريجياً على الجو فوق سطح الارض بعدها تقوم بترميم هذه اللقى وتضع لها وصفاً دقيقاً ورسمها أو تصويرها في سجل خاص..
كما كانت تعمل على جمع الاجزاء المكسورة مع بعضها البعض لتعيدها الى شكلها الاصلي.. اما زوجها فكان يقرر نسبها وتاريخها ونمطها واسلوبها ومكان العثور عليها والطبقة التي استخرجت منها وكانت توليها أجاثا أهتماماً خاصاً وصل إلى درجة تنظيفها بمستحضرات العناية بالبشرة.
وفي موقع “النمرود” الذي يقع بالقرب من مدينة الموصل استعملت اجاثا كريستي آلة التصوير السينمائية في تصوير لقطات عن الناس والبيئة في تلك الاماكن فوجد في البوماتها صوراً عن الراعي الكردي يقطع الطريق عابراً بمعزاته ورهبان فرنسيكان بملابسهم التقليدية.. وعبر النهر صورت راعي عربي بغترته وعقاله وفلاحاً يحرث الارض واخر يبذر البذور ودولاب الهواء وبائع الحلاوة وشاب ببدلة اوروبية عصرية بربطة عنق.
وفي “الاربجية» وهي اليوم من إحياء مدينة الموصل (حي القادسية الثاني) سكنت «اجاثا كريستي” في بيت بسيط وواصلت عملها الدؤوب وكتابة قصصها البوليسية وتسجيل الوقائع بآلة تصويرها السينمائية الا انها كانت تنتقل بشكل دائم بين المواقع الآثارية لتعود الى بغداد بين حين واخر طلباً للراحة.. فتجلس في شرفة تطل على نهر دجلة في الصباح تتناول فطوراً انكليزياً أوقيمراً عراقياً مع خبز تنور لذيذ.
لو اردنا ان نقتفي اثار كاتبتنا التي سكنت العراق اواخر الاربعينات من القرن المنفرط وذهبنا الى حي الوزيرية ونشدنا البيت الذي قطنته مع زوجها (مالوان) وفيه استقبلت (جبرا ابراهيم جبرا) وقدمت له الشاي الحار والكعك اللذيذ دون أن يعلم هوية مضيفته الى ان اكد له (ديزموند ستيوارت) الكاتب الانكليزي الذي يقطن في بغداد هو الاخر تلك الايام هذه الحقيقة..حقيقة المرأة التي جالسها واحتسى شايها اللذيذ وهي تحيك لزوجها بلوزة، هي كاتبة الروايات البوليسية الشهيرة بلحمها ودمها.
وقد سألت أجاثا “جبرا” عن عدد الروايات التي كتبها فخجل أن يقول أن العدد لايتجاوز الروايتين أمام عمالقة الروايات ألبوليسية فسكت على مضض.
وكانت زيارتها الأخيرة للعراق سنة 1960، حين حضرت مؤتمرا اثاريا عقد فيه..
استمرت حياتها الزوجية خمساً وأربعون سنة حتى وفاتها سنة 1976..
رحم الله الجميع بما فيهم أثارنا..
منقول صفحة شذى القيسي.

اقرأ ايضا

سنة على رحيله..من مذكراته.. نشأة هشام المدفعي وأسرته

نشأت في أسرة عراقية بغدادية عريقة، لقبت بأسرة المدفعي، اذ كان جدي ومن بعده والدي …