عبد المنعم تقي الطباطبائي
مهمــــا اختلف الباحثون في حقيقة مدينة الكوت تسمية وتأريخاً فمما تجدر الاشارة اليه ان معنــى كلمة الكوت جاءت من التكييت أي التجهيز وان العمارة معنى القبيلة التي كانـت تسكـــن المنطقة وهـــــي عشائر بني لام او ربما جاءت لفظة العمارة او ( الامارة ) لـغير الناطقين بالظاد من العمارة التي انشأها الاتراك في الجهة الشرقية مــــــن نهر دجلـــة مقابل شط الحي ( الغراف ) ولا علاقة لها بمعنى كلمة (الامارة) المـــأخوذة من الامرة او الامير والتي تعني اليوم عندنا مشايخ ربيعة والتي سكنت واستــوطنة منـــطقة الاحرار وما يحيط بمنطقة الكوت بعد ان كنا قد سمعنا لفــــظة ( كـــــوت العمـــارة ) اذ ان مـن الؤكدأن عشيرة الامارة وافخاذها قد سكنت منطقـة الحسينية ( الاحرار ) حاليا مــــن زمن قريب وبالتحديد ايام الوالي مدحت باشا سنة 1869 م او بمدينة العمــــارةالتـــــي يثبت تاريخها انها قد اسست بعد مدينة الكوت بسنين ومع كل الاختلاف فـــي التسمية ودلالتها وما يفسره البعض من الباحثين في تاريخها فالحقيقة تقول ان مـــدينة جميلة غفت بين احضان دجلة يضمها من جهات ثلاث ويمدها من جماله ســحرا وعذوبة وخصبا سكنتها باديء ذي بدء عشائر بني لام ثم قضت عليها الفتن والـمحن والفيضانات والامراض الفتاكة وقامت مقامها بعد حين مدينة صغيرة عرفنا اولــها على انها قضاء ارتبطت ادارياً بلواء بدرة وجصان وكان فيها قائــمقام اسمه ( فكــرت بك ) وفيها قاضي من اهل مدينة استانبول وذلك في حدود سنة 1253 هـ – 1837 م وقد كــان فكرت بك هذاشرس الأخلاق عصبي المزاج وقد اصطدم عدة مرات مع ( بزون بن شـــاوي )من شيوخ البو بدر فأشتكى عليه في بغداد فعزلوه وقد توالى من بعده قائمقامـون منهم الخامل الذكر ومنهم من ترك ذكراً حسناً وفعلاً طيباً فقد جاء في اخبار سنـة 1271 هـ – 1854 م يوجد في مدينة كوت الامارة جامع الشيعة وجامع السنـــة الذي اسسه عبد العزيز بك قائمقام كوت الامارة ( العمارة ) ويوجد فيها اربع خانات للمكارية وعشرة مضائف لوجهاء المدينة وسبعة بساتين خارج الســـور وتعداد بيوتها ( 275 ) بيتاً والمدينة مسورة بسور له اربعة ابواب هي باب الشيــوخ – باب الولاية – باب السوق – باب القشلة وفيها سوق صغير مــــن عشــــرة دكاكين ومسقف بجذوع النخل ولا يوجد اكثر من تسعة بيوت مبنيــــة بالطـــــابوق وباللبن وفي هذه السنة جاء شخصان الى المدينة وابتنيا كورتين لفخــــــر الطــــابوق وصنعه وليس في الكوت حمام وبيوتهم اكثرها مسورة مـن الطوف العــــالي ومسيج بالصريم ( الصريم نوع من النبات فيه اشواك حادة وقويــــة يصـــعب اختراقه) وواسعة وداخلها غرف من الطين ليس فيها منافذ وعموم البيوت فيهــا اسطبلات لحيواناتهم واكثر السقوف من جذوع النخل وبعضها من القصب والبواري وفي سنة 1273 هـ – 1856م ابتنت الحكومة العثمانية مذخر للحطب والفحم شمال عمارة ( لنج ) واصبح في كوت الامارة مذخران للحطب والفحم للوقود وتجهيز البواخر المارة بها .
كانت البواخر ترسو امام مديــنة الكوت فيخرج الرجال والنساء والاطفال للتفرج على هذى المخترع العجيب ( مــــن المعلوم ان اول استعمال للسفن البخارية كان في زمن مدحت باشا)(1) وكان الكثيرمن الاهالي يبيعون علىالركاب المسافرين ما تيسر عندهم من الخبز والدجاج والبــــيض وما اشبه ذلك وكان تعداد الكوت في هذا الزمان يقارب الالف وسبعمائة ( 1700 ) نسمـــة ومــــــن الجدير بالذكر ان اول باخرة رست على ضفاف مدينة الكوت هي الباخرة ( دجلة ) وشــــاهدهـــا الاهلون باعجاب وذهول في شباط من سنة 1252 هـ – 1836 م وقد قيل انه حينمــا صرخ اول مركب رســـا في الكوت صعق الناس حتى ظن البعض انه نفخ في الصور(1)
وفـــــي اخبار سنــــة 1277هـ – 1860 م عين احمد بك قائمقام لكوت الامارة وفي عهده تم بنـــاء ثلاث عمـــارات للحكومة منها تجديد سراي الحكومة بالاجر المفخور وثانيتها بناء مركز للجندرمــة وثالثها بنــاء مذخر للوقود لتجهيز المراكب وتم بناؤه بالطابوق ايضا وكـــان موقع سراي الحكومــة هو موقع المدرسة المركزية الابتدائية للبنين حاليًا ويمتد جــنوباً علـــــى طول نهر دجلة ويأتي جنوبه مركز الجندرمة الذي اصبح فيما بعد خان الحاج عباس العلــــي ثم تمــلكه علوان عبداللة اما مذخر الوقود فموقعه بيت ( الشيخ هادي اسد الله عالم الكــوت رحمه الله ) والذي ابتاعه بعد وفاته الحاج كاظم ابدير ومـن الجدير بالذكر ان هـــــذه الدار كانت لورثة يوسف الامير والد فرحان وابتاعها من فرحان في العهد العثماني عبود وحسن شبوط وفضولي ونصبوا بها ماكنة للطحين والثلج .2
وجاء فـــــــي اخبار سنــــة 1278 هـ – 1861 م ان الكوت اصبحت متصلة بخطوط التلغراف والبريد المنظم وفي العام نفسه ربط الخط مع جصان وبدرة ومندلي ومن ثم ربط الخط مع مدينة العمارة ولايفوتنا هنا ان نذكر ان قضاء الكوت كان مرتبطاً اداريا بلواء بدرة وجصـــان وفــي فترات ربط بلواء البصرة او العمارة واخرها بلواء بغداد ويذكر انه في 28 محرم سنــة 1285 هـ – 1868 م قدمت باخرة عسكرية من لواء العمارة تحمل متصرفهــا واعضاء ادارته ونزلوا في سراي الحكومة واستقبلهم احمد بك قائمقام كوت الامارة وطلب المتصرف فورا تشكيل وفد والسفر الى بغداد لاستقبال الوالي الجديد للــعراق ( مدحت باشا ) وفي اليوم نفسه سافر الوفد عصرا وكان يضم
كل مــــن السادة احمد بك واعضاء الادارة وعلي ال بزون وهو والد المرحوم عباس العلـــي وحســــن بن علي افندي البغدادي وجاسم اللامي الجصاني وهو والد عبداللة الريس وانصــيف بن درويش امير ربيعة وتشرف الوفد بمقابلة الوالي وسلموا عليه وواعدهــم خيرا بمطــاليبهم وقد قام الوالي مدحت باشا بزيارتين لمدينة كوت الامارة الاولى سنــة 1286هـ- 1869م والثانية في شهر شعبان سنة 1288هـ – 1871 م
ومما يذكر هنــــا انه بعدما ازدادت حركة المراكب والسفن في نهر دجلة جعلت مدينة الكوت بلدا تجاريا مهمـــا وكانت شركة ستيفن لنج لها امتياز بتسيير السفن التجارية بين الـبصرة وبغداد وقد اتخـــذت بلدة الكوت ميناء رئيسيا لها وكان وكيل شركة لنج في الكوت ( حنا النصراني ) ومـــــن بعده ( استيفان ) ومن بعده ( نعيم خمو ) ومن بعده ( ساسون اليهودي ) وكانت الكــوت في هذا العهد وهو عهد الوالي مدحت باشا قضاء يتبع لواء بدرة وجصان ومن الجدير بالذكر انه في سنة 1286 هـ – 1869 م وفــي جمــــادى الاخرة روت جـــــريدت الزوراء في عددها المرقم( 13 ) ان( 35 ) شخصـــا مــــن قبيلة ملكشاه هجم على مزارع قرية زرباطية وسلبوا ونهبوا ومن ثم تعقبوهم فقتل منهــــم اثنان وجرح البعض واستردت الاموال المنهوبة وهؤلاء مضوا هاربين الى الحدود فنجوا .
ومن حوادث هذه الـسنة ايضا ما جاء في جريدة الزوراء ان بعض الحوادث والوقائع والتجاوزات حدثت علــــى اراضـــي باقسايا واراضي اغريبة التابعتين لقضاء الكوت من قبل الايرانين الاشقياء فارسل الوالي قوة الى هناك لتأديبهم .
عن ( منتديات درر العراق ) ـ مستل من كتاب ( واسط بين الماضي والحاضر )
اقرأ ايضا
من أحداث العراق في منتصف عام 1931
إعداد : ذكرة عراقيةنشرت مجلة لغة العرب التي اصدرها الاب انستاس ماري الكرملي في عددها …