من ارشيف الراحل حسين قاسم العزيز

لينين الملهـم
في نيسان 1956م كان المشحوف ينساب بنا هادئا في مياه (أم كعيدة) نحو مدرسة السلمانية الابتدائية، حيث أنوي زيارتها ضمن جولتي التفتيشية الثالثة لها، وكان حسين فراش مدرسة الطويل (الشعب حاليا) الواقف في مؤخرة المشحوف وهـو متنكب بندقيته البرنو يدفع بمرديه لينزلق بنـا الزورق المطلي بالقار (المشحوف) وكأنه ثعبان أسود مخترقا البردي الطـويل النامي على أطراف الكاهن (مسلك مائي وسط البردي أو القصب)، وكان حسين يردد أغنية ريفية حزينة، كأكثر أغاني الريف المعبرة عن توجعهم من مختلف الويلات والألام والمصائب، وبين الفينة والاخرى تبرز من بين ثلمات البردي هياكل بيوت قصب مبعثرة مهجورة، يثير منظرها الكئيب الصامت، وسط ذلك السكون الشامل، الاسىى والشجون، وتتردد على الشفاه أسئلة وجـلة متحيرة، غير ان حسين لا ينتظر حتى يسأل عن مصير هذه الطلول اذ يبادر، بعد أن يكف عن ترديد أغنيته الحزينة، والعبرة تكـاد ان تخنقه، ليخبرنا بأن هذه كانت لفلاحين مسالمين طيبين بسطاء، ويمسح دموعه ويضيف بأنهم قد رحلوا بعيدا، ولكنهم يا أستاذ لن يرجعوا، لقد قتلوا برصاص الغدر والنذالة، ويعود فيكفكف دموعه ليشيد بصلابة هؤلاء الفلاحين الابـاة، الذين قاوموا تعسف الاقطاعيين من آل مطلق السلمان ورفضوا الانصياع لأوامر الاسياد بمغادرة الارض التي ولدوا وأفنوا زهرة شبابهم فيها، فأعلنوها انتفاضة فلاحية عارمة التهبت في أم كعيدة وام العظام ورددت أصداءها البتيرة (أنهر ومسطحات مائية في ناحية الميمونة بمحافظة العمارة)، تلك الانتفاضة العظيمة لفلاحينا التي خلدها تأريخ كفاح شعبنا باسم انتفاضة ال ازيرج، والتـي لـم يخمد اوارها الا بعد أن استنجد الاقطاعيون بجلاوزة سلطة العهد الملكي حيث تظافرت قوى البغي والعدوان وصبت جام غضبهـا برصاص رشاشاتها على الفلاحين الصامدين الشجعان. وسقط ابطال الهور صرعى وساح دمهم النقي مع الماء ليستقر على الارض المعطاء التي ضحوا من أجلها. ويتعالى صوت حسين متهدجــا بأهزوجة شعبية (هاي الكاع ومانطيه، وسبع سنين نحارب بيه) من بندقيته البرنو تبدد سكون الهور الشامل، وتصرخ الطيور المذعورة وهي تبتعد طائرة بعد تعكير صفوها. وبخفـوت صوت تتخلله العبرات المتكسرة، يخبرنا حسين بأن الرصـاص كان ينهمر على المنتفضين كالمطر من كل الجهات، حيث طوقت القوات المرسلة من بغداد المنتفضين من كل ناحية، ولكن الابطـال كانوا لا يهابون الموت من أجل حقهم بالحياة الكريمة ويهزجـون، وهم يتساقطون برصاص أعدائهم الطبقيين من الاقطاعيين وحلفائهم السلطة الملكية العميلة، هوسة فلاحي سوق الشيوخ في انتفاضتهم بعكيكة (كل حي واله موته).
صدرت في مطلع عام 1970 عن المحكمة الفيدرالية بشيك بالولايات المتحدة الأمريكية إحكاما جائزة ضد مواطنين أمريكيين شرفاء هالتهم الاعمال البربرية التي تقترفها الجيوش الامريكيـة في فيتنام فنظموا مسيرات السلام التي تطالب بإيقاف الحـرب اللصوصية الامبريالية في فيتنام ليعود الزوج الى زوجـه والاب الى أولاده وبيته والابن الى أحضان أمه ويعود الامن والاطمئنـان لأهل فيتنـام. وكان المواطنون الامريكان الذين صدرت بحقهم الاحكـام تهم باطلة هم من مختلف فئات المجتمع الأمريكي ضمت خليطا من الاساتذة والطلاب والكتاب والعمال والمثقفين وحتى عضوا من مجلس النواب وكانوا بيضا وملونين. ولم يسلم أحد من العقوبة حتى محامـى الدفاع بتهمة اهانة المحكمة بالتنديد بأحكامها الجائرة، ومع ذلك فان المظاهرات والمسيرات ومختلف صور الاحتجاج لم تنقطع بعد صدور الأحكام بل ازدادت وهي أكثر حنقا وتنديدا لتسخير القضاء الامريكي في خدمة الاحتكارات والكار تلات الامبريالية بخنق أصوات الامريكان الشرفاء الذين ينادون بالسلام ويناشدون ايقاف الحروب والقصاص من مشعليها ومقتر في الجرائم البربرية حيث انكشف للعالم أجمع سكوت القضاء الامريكي وتغاضيه عن أعمال مجرمـي الحرب ومديري المجازر الوحشية من القادة الامريكان ومن ورأوهم ضد السكان المسالمين في فيتنام . انتقلت مسيرات السلام والدعوة لإيقاف الحروب وتحريم الاسلحة النووية، التي تعم جميع أرجاء المعمورة، والتي شهدنا واحدة من أضخمها في أعراس جمهورية 14 تموز الفتية في عـام 1959م، انتقلت تلك المسيرات الى عرين الامبريالية في المانيـا الغربية وفرنسا وانكلترا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية وهـذا ما يذهل الامبرياليين، من مأمنه يؤتى الحذر؟ ويقلق بالهم ويربك مخططاتهم الاشعبية في اشعال نيران الحروب وتوسيعها .
لا ريب أن الاستعماريين لا يستغربون تعالي أصوات الخـير المنادية بالسلام من شعوب البلدان الاشتراكية والمتحررة والمحبة للسلام في كل مكان ، اما أن يكون رأيها منددا بالحـروب داعيا للسلام في بلدانهم فهذا ولا شك أمر لم يكن بالحسبان ان صرخات الامهات والاباء والابناء الامريكان بعودة ذويهـم من ساحات الحروب ، وفرار الجنود الامريكان من ميادين القتال وعقدهم المؤتمرات الصحفية في السويد ، وحتى في كندا المجاورة لبلدهم ، للتنديد بالحرب الاجرامية التي تشنها أمريكا مع حليفات وصنائع لها في فيتنام، وتهرب الشبان من الجندية، ومسيرات السلام في مختلف الولايات المتحدة وانكلترا والمانيا الغربية واليابان واستراليا وكل البلدان تلاقي انعطافا متزايدا، وهذا مع موقف الاتحاد السوفيتي وباقي البلدان الاشتراكية الصلب من قضايا السلم وتحريم استخدام الاسلحة النووية ومنع العدوان يرغــم الامبرياليين على كبح جماح مطامعهم ويجعل رجال الحكومـة الامريكية في الكونجرس والقصر الابيض والبنتاغون، ممثلي اساطين المال في وول ستريت والكار تلات الضخمة والشركات الرأسمالية، مشعلي نيران الحروب، يحجمون كثيرا عن التورط في حرب جديدة ويكفون عن مساعي توسيع رقعة الحرب بل يعمدون الى التظاهر بتقليصها وحتى انهم لا يسفرون عن اعتداءاتهم بصراحة في كثير الاحيان بل يلجؤون الى التضليل فيدفعون صنائعهم (الكوريين الجنوبيين والفيتناميين والصهاينة) في الاول للاعتداء كما يفعل الصهاينة في الارض العربية المغتصبة فلسطين، لكيلا توجه أصابع الاتهام نحوهم (الامريكان) مباشرة .
اتيح لي في صيف عام 1960م زيارة الاتحاد السوفيتي ضمن وفد نقابة المعلمين في الجمهورية العراقية فزرنا متحف لينيـن ومتحف الثورة في موسكو واطلعنا على كامل حياة ونشـاط (فلاديمير ايليتش اولیانوف) لينين وأعماله ومؤلفاته وآثاره وعرض لنا شريط سينمائي ناطق شاهدنا فيه لينين وسمعناه وهو يخطب في شغيلة العاصمة في الساحة الحمراء بموسكو بمناسبة أول احتفال في العهد السوفيتي بعيد اول ايار 1919. وفي عام ١٩٦٢ حينما كنت أدرس التأريخ لنيل الدكتوراه في جامعة موسكو دعيت مع رهط من زملائي من قبل جمعية الصداقة السوفيتية – العراقيـة بموسكو الى حفلة في قصر الصداقة الواقع في شارع كالينيـن مكرسة لذكرى الشاعر العراقي معروف الرصافي وكان من ضمن فعاليات الحفلة عرض فلم (لينين في اكتوبر) وكان ان اطلعنا على صور حية لميلاد الثورة الاشتراكية ودور القائد العملاق المهـــم واللجنة المركزية للحزب البولشفي في نجاح الثورة واستـلام السلطة، وكان من أبرز الاحداث فور استلام السوفييت السلطة هو اقرار مرسوم السلام والانسحاب من الحرب العالمية الاولى الاستعمارية ومرسوم الارض الذي حررت بموجبه جميع أراضي الاتحاد السوفيتي من ربقة العقاريين ملاك الاراضي الكبـار (كان الكثير منهم اعضاء في حكومة كير نسكي البرجوازية) وأصبحت ملكا للدولة يستغلها الفلاحون ولا سلطة لاحد لمنع أي كان مـن فلاحة الارض التي كان يتفلح بها. كان هذان المرسومان من أبرز الهدايا التي قدمها الحزب للشعب السوفيتي ومن ثم أصبحا نبراسا لكل الشعوب، لقد عاد الجنود الروس من خنادق الحرب واغلبهم من الفلاحين والعمال الى بيوتهم وحقولهم ومزاولة أعمالهم واطمأن الفلاحون وتخلصوا من جور الملاكين العقاريين. ان تحريم الحروب الاستعمارية اللصوصية والدعوة الى السلام والتعايش السلمي أصبح من أبرز القواعد الاساسية للسياسة السوفيتية والتي لها الفضل الكبير في تخليص الشعوب من اخطار الحروب التي يسعى لإيقادها عملاء الاحتكارات والكار تلات في البنتاغون في واشنطن. واليوم ترتفع ايدي الشعوب المحبة للسلام في كل مكان لتتقابل وتصد مشاريع العدوان. وتسعى الدول المتحررة والناميـة الى سن قوانين الاصلاح الزراعي من أجل تحرير الفلاح ومنحه الارض، وكان أبرز مكاسب ثورة 14 تموز المجيدة وما تلاها قوانيـن الاصلاح الزراعي التي أفرحت فلاحي آل أزيرج واخوان لهم في كافة ربوع العراق. وبفضل براعة التطبيق الثوري العلمي العملاق للنظرية الفلسفية الماركسية الثورية من قبل المعلم العبقري لينين اصبحت الاشتراكية نبراسا نيرا للشعوب وأصبح لينين بفضـل التطبيق العلمي للاشتراكية ملهما لكافة الشعوب فتحية اكبار وتمجيد الى ملهم الشعوب الانسان العملاق لينين.
عن مجلة الثقافة الجديدة العدد 12 / 1970م

اقرأ ايضا

حسين قاسم العزيز 1922 – 1995

د. سعيد عدنانكان الجيلُ الأوّل من المؤرخين ، في العراق ، يقومُ ، في منهجه …