بلقيس شرارة
سافرنا في الخريف إلى أوربا و كان بصحبتنا الرسام محمود صبري و زوجته برسيا، و قضينا وقتاً ممتعاً في جميع الأقطار التي مررنا بها. كنا عائدين في طريقنا من النمسا إلى بغداد عندما علاصوت الراديو معلناً أن القوات البريطانية و الفرنسية و الإسرائيلية قد احتلت قناة السويس بعد أن أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم القناة. التصقت آذاننا بالراديو طيلة المدة، التي قطعنا فيها الطريق الصحراوي الشاق بين دمشق و بغداد. وصلنا بغداد، و شعرت أنه سيكون عاماً صاخباً كعام 1948.
كان أبو رفعة في مصر آنذاك، قضى ثلاثة أسابيع و التقى بالرئيس جمال عبد الناصر. كنا ننتظر عودته إلى بغداد بحماس. نرغب في سماع المزيد عن مآثر الجيش المصري و أعمالهالبطولية أثناء العدوان الثلاثي على مصر، استناداً إلى ما كنا نسمعه من إذاعة صوت العرب، و ما كان يبثه أحمد سعيد من خطب شعبوية حماسية يلهب بها عواطف الناس. أجاب أبو رفعة بنوع من السخرية:»أي صمود! لولا تهديد خروشيف و تأييد الولايات المتحدة للانسحاب الفوري، لكانت مصر محتلة الآن! لقد سحق الجيش المصري بساعات عندما نزلت الجيوش الفرنسية و البريطانية و الإسرائيلية»! شعرنا بخيبة أمل تبدد ثقتنا بقوة الجيش المصري الذي كنا نسمع عنه الكثير، و كانت الشعوب العربية تنظر له كجيش تحرير! و قد أطلق الرئيس عبد الناصر خطبة طويلة رنانة، و استعمل بها جملة و «نرميهم فيالبحر»، أي أن له القدرة في تصفية إسرائيل و سكانها من الوجود، بالتخلص منهم. فاستغلت إسرائيل و الصحافة الموالية لها في الغرب هذا الشعار، لعقود تلت.
عاد أبو رفعة ليجد نفسه أمام حاكم و محكمة، كان الاعتقال أمراً مألوفابين أفراد العائلة. اعتادت على الباب و هو يطرق بعد منتصف الليل منذ أكثر من عقدين من قبل حفنة من رجال الأمن، خلال الأزمات و الهزات السياسية التي كان يمر بها البلد!
حكم الجادرجي بالسجن لمدة ثلاثة سنوات على التصريحات التي أدلى بها في مصر.* و لم يستطع محامي الدفاع د. حسن زكريا الحيولة دون إدانته.
زج به في غرفة ينز من سقفها الماء، يتساقط في سطل على الأرض. و لكن نقل إلى غرفة أخرى و سمح له بتغطية جدرانها الرطبة بالسجاد، و يقوم على خدمته أحد السجناء. كما سمح له بالزيارة مرتين في الإسبوع. فخصص يوم الجمعة لزيارة العائلة، و الأربعاء لأصدقائه و لأعضاء الحزب الوطني الديمقراطي.
كنا رفعة و أنا، نزوره في السجن مرتين في الأسبوع.يوم الجمعة المخصص للعائلة، و يوم الأربعاء المخصص لأصدقائه. كانت أحاديث الأربعاء تشدني و توسع مداركي، كنت مستمعة طيلة الوقت، أنصت إلى أحاديث قادة الأحزاب يبحثون تطورات الوضع السياسي، و ما يجب عليهم أن يقوموا به في مثل تلكالفترة الحرجة التي كان يمر بها البلد. و لأول مرة أسمع خلال تلك الاجتماعات أن الوضع وصل لدرجة من التردي بحيث لم يبق أمام الأحزاب إلا المشاركة بالثورة على الأوضاع القائمة. و استغربت من ذكر هذه الكلمة (الثورة) بصورة علنية.
كان من بين الزوار الدائمين محمد حديد و حسين جميل و صديق شنشل و خدوري خدوري الذي كانت ترافقه أحياناً زوجته الدكتورة روز خدوري، التي اصبحت عميدة كلية البنات بعد عام 1958.
إطلاق سراح أبو رفعة من السجن
أطلق سراح أبو رفعة من السجن في شهر حزيران عام 1958، أي قبل انتهاء مدة المحكومية ببضعة أسابيع، و عادت معه بوابة الدار المؤدية للجناح الخاص به إلى نشاطها السابق. تفتح صباحاً و لا تغلق إلا ليلاً، و توالت زيارة الناس له بانتماءاتهم المختلفة، و عاد «سلمان» موظف الأمن إلى تواجده في شارع طه، يقوم بواجبه اليومي، مسجلاً أرقام السيارات الواقفة أمام باب الدار، ليبعث بها تقريراً يومياً إلى مديرية الأمن!
كانت مديرية التحقيقات الجنائية في العهد الملكي تقوم بحملة واسعة لتجنيد رجال شرطة الأمن السريين، من بين الطبقة الفقيرة العاطلة عن العمل، و التي لها معرفة و لو بسيطة بالكتابة و القراءة لمراقبة المعارضة في البلد. فجندت عدداً كبيراً منهم لمراقبة الناس و كتابة التقارير اليومية، و بثت عيونها عنهم في كل مكان، فلم تقتصر على مراقبة أعضاء الحزب الشيوعي الذين كانوا دائماً من المطاردين و المشردين، و إنما شملت جميع القوى المعارضة لسياسة النظام الملكي، من الديمقراطيين و اليساريين و البعثيين و القوميين. و قد وقع الاختيار بالصدفة على شخص اسمه سلمان لمراقبة دار كامل الجادرجي.
كان سلمان قميء المظهر، رث الثياب، يتجلى الذل على قسماته، و بؤس الفئة التي جند منها.امتهن هذا العمل البائس الذي يدر عليه راتباً بسيطاً، يقيه و عائلته من شظف العيش و الجوع التي تعاني منه تلك الطبقة التي ينحدر منها. نظرات الاحتقار لم تكن تُخفى عليه، من قبل أهالي الشارع لقيامه بهذا العمل الوضيع! فوظيفته تحتم عليه الوقوف في مدخل شارع طه، من الساعة التاسعة صباحاً حتى المساء، يتطلب واجبه اليومي تسجيل أرقام السيارات و أسماء الأشخاص الذين يزورون دار كامل الجادرجي. يقف على مقربة من الدار، يراقب الداخلين و الخارجين منها، صباحاً و مساءً، يضيف أسماء جديدة إلى قائمته، كلما شاهد وجوهاً جديدة!
تعامل معه أفراد العائلة باهمال، فالتجسس علنا كان أو سراً، لم يكن في يوم من الأيام عملاً محترماً في العراق.
و لكن اختفى سلمان فجأة من الشارع، عندما صدر الحكم بالسجن ثلاثة أعوام على أبي رفعة في عام 1956، و عاد ثانية عندما أفرج عنه في شهر حزيران من عام 1958، فاحتل سلمان ثانية مكانه المعين في الشارع، مواظباً في وظيفته، يسجل يومياً أرقام السيارات و أسماء أصحابها، ليضيفها إلى ملف مديرية التحقيقات! يكتب يومياً نفس التقارير، التي تضاف إلى ملف الجادرجي.
و دارت عجلة التاريخ دورتها المفاجئة، و جاء سلمان في صبيحة 14 تموز 1958، للقيام بعمله المعتاد، و وجد الشارع يموج بالناس، و يعج بوفود داخلة و أخرى خارجة، و تمر التظاهرات في الشارع لتحي أبو رفعة الذي أصبح رمز تلك الثورة،فاختفى سلمان عن الأنظار.
عن كتاب ( هكذا مرت الايام ) الصادر عن دار المدى .
- قائلاً، نقلاً عن إحدى الصحف العربية، بأن الحكومة العراقية استمرت في ضخ النفط إلى حيفا، حسب إدعائها.