الشاعر الزهاوي في مقهاه

شهاب الحسني البغدادي
يعود تاريخ تأسيس المقهى الواقع في بداية شارع الرشيد من جهة الباب المعظم بين الميدان والحيدرخانة الى ما قبل 1917 بسنوات عديدة قبل فتح شارع الرشيد.ايام الوالي. (ناظم باشا).
اذ كان على شكل سقيفة بسيطة تولى ادارته كثيرون منهم: احمد الخطيب، سلمان الكندير، واخرهم قيس عبد الجبار، في البدء سميت المقهى باسم صاحبها”امين اغا ” قبل ان يتحول الى اسم الزهاوي الشاعر جميل صدقي . . ويعد المقهى من أشهر المقاهي البغدادية، فضلاً عن مقهى (حسن عجمي) و(البرلمان) و(عارف اغا) و(البلدية) و(الشابندر) .
سبب تسميتها بمقهى الزهاوي:
دعا يوما نوري السعيد الشاعر الزهاوي للالتقاء به. فلم تكن هناك نواد او فنادق محترمة فسأله الزهاوي ، وين نلتقي؟؟؟؟.قال له رئيس الوزراء في قهوة امين. التقيا هناك . رئيس الحكومة و الشاعر الفيلسوف.
ليس فيها من متاع الدنيا غير بضعة مصطبات و كراسي قديمة و(فونوغراف) ابو الزمبرك. نعم رئيس الحكومة، نوري السعيد، يجتمع في مثل هذه المقهى.وعندها اعجب الزهاوي بها فاتخذها مقاما له. وسرعان ما تحولت الى منتدى للادباء و المفكرين.واصبح اسمها (مقهى الزهاوي).
رواد المقهى:
يقولون العراق مهد الشعراء و ملاذهم. و له يدين الادباء العرب بميلاد الشعر الحديث الذي شاع على السنة بدر شاكر السياب و نازك الملائكة و عبد الوهاب البياتي. بيد ان هذه الاسماء مثلت الجيل الثاني من شعراء العراق في العصر الحديث . سبقهم فحول اوائل، الزهاوي و الرصافي و الشبيبي .فهناك عدة أجيال أدبية وثقافية وسياسية وصحفية ارتادت هذا المقهى.. كان الزهاوي يدبّج فيها ردوده الشهيرة على عباس محمود العقاد ،تلك الردود التي نشرتها صحف بغداد والقاهرة في الثلاثينيات.. وفيها أيضاً استقبل الزهاوي شاعر الهند الكبير (طاغور) عام 1932م.
وكان للزهاوي عاداته المعروفة في المقهى، فاذا أبدى أحد الجالسين اعجابه بشعره، صاح الزهاوي على صاحب المقهى: أمين ـ لا تأخذ فلوس الچاي ـ ويروى ان المناقشات الحادة بينه وبين منافسه الشاعر الرصافي جرت على تخوت المقهى التي كانت بتحريك من المرحوم أحمد حامد الصراف حين اطلع الزهاوي على ملاحظات وهوامش الرصافي المدوّنة بخط يده على صفحات ديوان الزهاوي، كما ان الدكتور أحمد سوسة كتب مباحثه عن محلات بغداد القديمة..
ضم المقهى طائفة كبيرة من الشعراء والمثقفين والمفكرين من نخبة المجتمع خلال تاريخه واحتضن على مر السنين الادباء والسياسيين كونه منتدى لمختلف الافكار السياسية والشعرية وملاذا فكريا وادبيا تطرح فيه الآراء واخبار السياسة والثقافة والادب، وملتقى من لعبوا دورا وطنيا في تاريخ البلاد.
من اجمل طرائف الزهاوي في المقهى
كان بينه وبين الشاعر معروف الرصافي خلاف مستحكم،لايتفقان على شيء ويصح فيهما المثل البغدادي(الحية والبطنج).ففي احد الايام انطلق الرصافي لانشاد قصيدة طويلة فأخذ الزهاوي يتضايق منها و من صاحبها. متربصا لفكرة كيف يستطيع اسكاته وعدم مواصلته الانشاد. وحالف الحظ الزهاوي حين دخل المقهى صبي يبيع الحب. فقاطع زميله الرصافي متوجها الى بياع الحب”يا ولد عندك قميص شبابي على كدي؟” استغرق الحاضرون بالضحك. و ضاعت القصيدة على الرصافي فخرج غاضبا و لم يعد الى ذلك المقهى ابدا. وعندئذ تربع الزهاوي في جلسته وقد نصب من نفسه اميرا على المقهى.
ذهب الرصافي، واذا بمحله يأخذه شاعرآخر في مقتبل العمراسمه (الجواهري) فاراد ان يجرب حظه العاثر ليتلو شيئا من شعره في المقهى هو حتى قاطعه الزهاوي ” افندم تتراهن؟” استغرب الشاعر الشاب . كان عمره سبعا و عشرين سنة، استغرب من هذا السوآل. أعاد الكرة :” نتراهن على أي شيء استاذ؟”
قال على ان اقطع نفسي و انت تقطع نفسك، و خلي نشوف منو يخلص نفسه بالأول!
ولكن الجواهري الشاب لم يشأ ان يعترض على سيده وهو في السبعين. فمسك نفسه. و فعل مثله الزهاوي. بعد برهة من الوقت استسلم الجواهري. ” يا استاذنا كفاية!” فكسب الزهاوي الرهان و حق على الجواهري ان يدفع عنه اجرة المقهى .
هكذا كان مقهى الزهاوي ، واحة من واحات الفكر والادب ارتبط باسماء مشاهير تلك الحقبة. يوسف عز الدين، عبد الرزاق الهلالي، ماهر حسن فهمي، عبد الحميد الرشودي. انضم اليهم عبد القادر المميز صاحب جريدة ابو حمد. فاستقبله الزهاوي بهذين البيتين:
قد جاءنا ابوحمد – يمشـي كمشـية الاســد
قد طابت القهوة لي – صب يا ولد!صب يا ولد!
وفيما كان يوما محلقا بأفكاره الفلسفية ، اقتحم المقهى رجل يتطاير الغضب من عينيه، وتوجه فورا الى الزهاوي قائلا: كلب ! كافر! زنديق! تنكر خلقة الخالق؟ تقول اصل الانسان قرد! آني ابويه قرد؟!
مسك به الزهاوي و قال له : لا، ابني. انا ما قلت ابوك انت كان قرد. حاشا. انا قلت، ثم كشف الشاعر عن رأسه الاصلع و وجهه المكرمش و اسنانه المنخورة ، و مسك ذقنه بيده و قال: انا قلت ، آني ابويه كان قرد! فضج الجالسون بالضحك.

اقرأ ايضا

رجال وقفوا وراء إكتشاف أسرار الحضارة الآشورية

دانيال سيلاس آدامسونظلت مدينتان قديمتان، تحويان كنوز الحضارة الآشورية، مدفونتين لنحو 2500 عام، إلى أن …