15 عامًا على رحيله: الأُسطى محيي الدين اللبَّاد يقدِّم نفسه إلى القراء

محيي الدين اللبَّاد (1940 – 2010) واحد من أبرز صُنَّاع هوية الكُتب البصريّة في العالم العربيّ. عمل بعد تخرجه – في كلية الفنون الجميلة – في الصحافة المطبوعة داخل مصر وخارجها. نال العديد من الجوائز المرموقة وأصدر كتبًا عديدة تمزج بين المعلومة وخفّة الظلّ والرسم.
كان أحد الذين شاركوا في تأسيس “دار الفتى العربي” عام 1974، وبات أسلوبه في صناعة الكتب وتصميم الأغلفة والرسم، بمثابة بصمة بصرية. كُتبت حول تجربته الثريّة العديد من المقالات والأبحاث، لكنّنا اخترنا هُنا أن نعيد نشر حوار كاشف؛ أجراه معه المؤرخ صلاح عيسى ونُشر على صفحات مجلة “أدب ونقد” (العدد 52، تشرين الثاني/نوفمبر 1989). وفيه يجيب اللبَّاد على مجموعة من الأسئلة التي أظهرت جوانب عدة من شخصيته ومسيرته المهنية، وفلسفته الفنية.
قبل أن نبدأ الحوار نريد أن نعرف منك متى ولدت؟
ولدت عام 1940 وانتهيت من دراسة كلية الفنون الجميلة قسم التصوير عام1962 وبدأت الرسم في المرحلة الثانوية في جرائد التحرير والهدف وغيرها من المجلات. وكنت في هذه الفترة أكتب كهاوٍ في مجلة “سندباد».
وفى سن السابعة عشر بدأت محترفًا مع «سندباد» وصممت كتبًا للأطفال وأنا في التاسعة عشرة عن دار المعارف مثل سلسلة «صندوق الدنيا».
ما السبب الذي دفعك إلى هذا الاتجاه؟
السبب الذي دفعني إلى هذا الاتجاه أنني كنت أساسًا قارئًا لهذه المجلات مثل “بابا شارو” و”بابا صادق” وغيرها من المجلات التي أتذكرها بدقة. أتذكرها ذهنيًّا وبصريًّا، لأنها كانت صُدفة جميلة. وهذ ما اعتمدت عليه وأسست عليه هذا الاتجاه، وهناك سببان آخران: أنه لم يكن هُناك في هذه المجلات رسام مصري، وكان العمل متخلفًا، وحين اشتغلت بهذه المهنة ودرست اكتشفت جانبًا لم يكن معروفًا في هذا الوقت، وهو شكل الكتابة والتناول بشكل عام والخلط بين الكاتب والرسام، وكان هذا اكتشافًا بولنديًّا. ثم اكتشفت بعد ذلك أن شكل العمل كله وحدة واحدة، وهو ما يُسمى “تناول الشيء بصريًّا” ولم يكن أحدٌ من جيلنا مهتمًا بهذا أبدًّا.
أريد أن أقف عند صحافة الأطفال – في الفترة التي تكوَّن فيها جيلك –هل ترى أن سندباد أول محاولة لما يمكن أن نسميه صحافة أطفال عربية؟
«سندباد” مع كونها محافظة ولكنها بالقطع كانت عربية.
وكان بالنسبة لي هناك عاملان من هذا الوقت قد تأثرت بهمها. عامل عربي فتذكر المجلة مثلًا شيئًا عن فاس وشيئًا عن المغرب وعن دمشق وكانت المجلة تغطي كل هذا وتوزع في كل هذه الدول.
العامل الثاني أن أبي كان شيخًا وحين أتى إلى القاهرة تربى في “المغربلين” فأثّر فيّ شكل الناس والعائلات في مناسباتهم المختلفة، فهذان عاملان كنت اكتشفهما من خلال المجلة – فرغم محافظتها كانت أول مجلة عربية وساهمت في خلق وحدة عربية ما. وكان فيها قدر من الجِدية وقدر من الاهتمام باللغة فكان بها سعيد العريان وأمين دويدار ومحمود زهران، فكانت أول مجلة تهتم باللغة العربية كلغةٍ وأول مجلة يمسكها أديب. مع الإشارة أن مجلة “بابا شارو” التي خرجت قبل “سندباد” كان يكتبها بيرم التونسي ولكنها استمرت عدة أعداد وتوقفت وأيضًا ظهرت مجلات قبل “سندباد” مثل “الكتكوت” و”على بابا».
وحين طُرحت «سندباد» كانت حدثًا مازال يذكره كل من عاصر المجلة واستمرت من كانون الثاني/يناير 1952 حتى 1972.
كان أحد الذين شاركوا في تأسيس “دار الفتى العربي” عام 1974، وبات أسلوبه في صناعة الكتب وتصميم الأغلفة والرسم، بمثابة بصمة بصرية
هل تجربة مجلة “كروان” – في هذا الوقت – خرجت لتحل محل سندباد؟
لا. ضمن الأسباب التي أدت إلى القضاء على “سندباد” ظهور مجلة “سمير” في عام 1956، ومجلة “ميكي” في عام 1959 تقريبًا. وكانتا امتدادًا لنوع من الثقافة التابع للثقافة الغربية والتحول الاجتماعي، فاكتسحا “سندباد” بما فيهما من صحافة على عكس “سندباد” التي كانت أساسًا مجلة دار نشر. وبعدما أغلقت “سندباد” استمرت “سمير” وكانت مجلة مترجمة، وفى أحسن الأحوال كانت “تمصر”. ثم بدأت هجمة المجلات اللبنانية. عندئذ فكرنا في مجلة “كروان” كردٍ على هذه النوعية من المجلات في مصر. ولم يكن من الوارد أن تقوم بدور عربي مثل الدور الذي قامت به “سندباد”. ومن الممكن أن تكويننا في هذه الفترة لم يكن مستعدًا لأداء هذا الدور. فكان شعارها مجلة مصرية مائة في المائة، ولم يكن فيها أي مادة مترجمة وفى هذه الأيام خرجت إشاعة ظريفة تقول إن عبد الناصر “طلعها” لأولاده مثل “نادى الشمس” الذي قيل إنه بناه لأولاده. ولم يكن هذا بالطبع صحيحًا.
هل أنتم الذين قدمتم فكرة هذه المجلة؟
نعم. واقترحنا أن يكون نعمان عاشور رئيسًا للتحرير. وكان أغلبها شكليًّا وبصريًّا. وبالطبع كانت بها عيوب فطباعتها فقيرة ماعدا الغلاف. وكانت هناك صراعات في إدارة التحرير أدت إلى إغلاق المجلة قبل أن تسلم إلى حلمي سلام.
هل مجلة “كروان” لم تكن رابحة تجاريًّا؟
لا أعتقد أن هناك مجلة لها هذا الطابع تحقق ربحًا تجاريًّا.
ما تقييمك لدور مجلة “كروان ” على مستوى التوجه، وعلى مستوى تقديم جيل جديد من الكتاب؟
مجلة كروان فتحت الباب لجيلنا. ولفتت الأنظار الى أن واقعنا الذي بإمكانه أن يخرج أعمالًا تُقدم للأطفال، بعدما سيطرت الأعمال الغربية مثل “والت ديزني” وغيرها. بداية لفتت النظر إلى أن الامكانيات المحلية من الممكن أن تقدم شيئًا، وأن الناس بإمكانهم أن يفعلوا شيئًا من الناحية الحرفية، ولأول مرة من مجلة كهذه يكتب شعر، فكتب فيها سيد حجاب وصلاح جاهين وعبد الرحيم منصور وغيرهم. ولكي لانتهم بأننا ضد كل ما هو أجنبي كنا أحيانًا نترجم. فترجمنا قصصًا لكتاب كبار مثل “أوسكار وايلد” وغيره. وكنا نرسم هذه القصص. وفى هذه المجلة حاولنا أن نشرح التاريخ بشكل علمي. وكان تبويب المجلة دائمًا خاضعًا لوجهة النظر.
هل في اعتقادك أن هذه المجلة أثرت على توجيه المجلات الأخرى؟
أعتقد هذا. حتى أن المسئولين في “سمير وميكي” استدعوني لأشرف على مجلة “سمير” ولكنني لم أذهب لأنني وجدت أن هذه المسألة لن “تنفع”. وبعد فترة تم هذا التغيير! لأن هذا الاتجاه شكل موقفًا ضاغطًا وكان مطلوبًا: سياسيًّا وثقافيًّا حتى أن التليفزيون تأثر بهذا الاتجاه وعدّل من برامجهليناسب هذا التوجه.
نشرت لك بعض “البوسترات” التي تسخر فيها من بعض الشخصيات الأجنبية كسوبرمان وغيرها من الشخصيات. ما هي الخطورة التي تستشعرها عمومًا على تكوين الطفل وشخصيته والتي دفعتك إلى التحذير والسخرية منها؟
مجموعة البوسترات هذه توضح بتحليل تاریخي وسیاسي تاريخ هذه الشخصيات: كيف نشأت؟ ومتى؟ وما معنى هذا؟ وما ارتباط هذه الشخصيات بفكرة الاستعمار مثل شخصية “طرزان” وما علاقة شخصية مثل “سوبرمان” بأمريكا مثلًا. وهذه الكتب ليست خطيرة في مجتمعاتنا فقط، ولكنها أيضا خطيرة في مناطقها الأصلية وتحارب على أساس أنها تصدر مجموعة من القيم مثل شخصية “السوبر” المتميزة عن بقية البشر، وهذا يؤدى إلى أن كل المشاكل التي تعترضنا لا يحلها إلا هذا السوبر.
وهذا توجه خطير يجب التحذير منه. وحين نمسك تسلسل هذه الشخصيات تتضح لنا أمور هامة، فطرزان مثلًا ظهرت تقريبا سنة 1918 أو 1921 تقريبًا، أي في الفترة التي استعمر فيها الأوربيون أفريقيا، وكان طرزان ابنًا لأحد اللوردات وتاه في غابات أفريقيا، فتجد طرزان ملكًا للغابة، ويحل كل مشاكل الأفريقيين، ويحميهم من الحيوانات المتوحشة ويؤدب الأشرار، وغيرها من المشكلات التي تواجههم. وتصل الأمور إلى نهب الثروات والكنوز الأثرية التي كانت من حق المكتشف الذي يعرف قيمتها ويقدرها!!
هل تعتقد أن تقديم المغامرة – بالنسبة إلى الطفل – مسألة احتياج؟
طبعا، ففيها تحدٍ للواقع وتخيل لإمكانية تجاوز الإنسان لنفسه من خلال طاقة فعلية كامنة تحتاج لاستنفار، أما تقديمها كمغامرة خرافية فهي توقع الطفل في تفاهات تؤثر عليه سلبيًّا. من الواضح أن هناك مأزقًا في إصدارات الأطفال. بشكل عام نحن في حاجة إلى نظرة شاملة.
كيف يمكن أن نخرج من هذا المأزق بمعنى: هل نحن في حاجةٍ إلى صياغة رؤية قومية لإصدارات الأطفال، وهل نحن بالتالي في حاجةٍ إلى نوع من التنسيق أو التعاون العربي بين وزارات الثقافة والإعلام والمؤسسات الخاصة العربية في مجال الأطفال من أجل أن تتكامل كل هذه الجهود وتصب في عمل مؤثر يتخطى الحدود القُطرية؟
عمليًّا ومن بداية دار المعارف لا يوجد نشر محلى إقليمي للأطفال، ولم يكن بالإمكان أن يحدث هذا. وأصبحنا حتى نتيجة ظروف الطباعة وتقنياتها الجديدة لا نستطيع أن نصدر كتابًا لبلد واحد.
زكريا تامر بدأ الكتابة للأطفال كلعبة “قلبت بجد”. واستعار فورم كتب الأطفال كشكل فني لتمرير أفكار وهموم الكبار التي لا يمكن تناولها بصراحة
من يستلفت نظرك من كتاب الأطفال الآن؟ زكريا تامر مثلًا؟
زكريا تامر بدأ الكتابة للأطفال كلعبة “قلبت بجد”. واستعار فورم كتب الأطفال كشكل فني لتمرير أفكار وهموم الكبار التي لا يمكن تناولها بصراحة، وبدأت بشكل كان ينشره كمسلسلٍ في صحيفة يومية، فاعتبر كاتب أطفال.
فكل قصة من قصصه بداخلها رمز يعبر عن همّ من هموم الكبار وبالتحديد الهم الخاص بحرية الإنسان والاستغلال والوطن – إلخ بمعنى أنه رمز يجد معادلًا له قد يكون قطة، كلب. وخلق زكريا كثيرًا من المقلدين له في هذا الاتجاه.
وهل ترى أن هذا الشكل ليس بالضروري؟
أرى أنه شكل خاطئ. لأنه من الممكن أن ينقل رسالة أخرى. لأن الرمز عند الإنسان البالغ معتمد على رصيد من الأشياء التي تحدث إسقاطًا على وضع معين وموضوعات معينة وعلى فهم هذا الواقع. وبهذه الطريقة تصل الرسالة. أما بالنسبة للطفل الذي لا يمتلك مثل هذا الفهم أو الخبرة فلا تصل مثل هذه الرسالة إليه، أو تكون شيئًا سخيفًا. وزكريا تامر أوجد مدرسة رمزية وأصبحت تعجب الناس والنقّاد المفسرين الذين يصنفون الأعمال على أساس أن هذا كتاب تقدمي أو وطني.. إلخ.
وهناك مقال رائع لـكاتيا سرور تتساءل فيه: لماذا نسقط كل همومنا وإحباطاتنا وهمنا السياسي والوطني في ذهن الأطفال؟ وهذه نقطة هامة بصرف النظر عن زكريا أو غيره.
أريد أن أثير موضوع الأصالة في الكتابة للأطفال؟
الأصالة والمعاصرة واحد. فعندنا سمات يجب تمثلها، فمثلًا نحن نبدأ القراءة والرؤية من اليمين للشمال، فمدخل رسوماتنا أن الشمال يمثل أهمية قصوى لأننا نبدأ باليمين بداية سريعة ونستقر بعد ذلك على الشمال، فلتكن هذه أول خصوصية لنا، وهناك قيمنا الروحية ووجداننا الخاص. كل هذه سمات أساسية. فمن ناحية يجب علينا أن نعرّف الأجيال الجديدة بتراثنا في محاولة لاستيعابه جيدًا. ومن ناحية أخرى هناك العلم والتكنيك وأحدث النظريات العلمية التي يجب علينا هضمها، فمن الخطأ أن نعيد أشكال الماضي وأن نظل أسرى له، ومن الخطأ أيضًا النقل عن الأجنبي بلا هوية.
عن مجلة ادب ونقد

اقرأ ايضا

(كامي) و(النزهة) مقارنة مونيه بمونيه

عبود عطيةلو كان كلود مونيه (1840 – 1926) رسامًا مغمورًا ووجد خبراء فن الرسم أنفسهم …