عاصف الخالدي
لا تزال المعلومات شحيحة، أو منعدمة، عن حياة الرجل الذي قيل إنه شيخ الرسامين، وسيد المنمنمات، وغيرهما من ألقاب تجسّد أهميته الفنية، لكنها تخفي غياب سيرته، إذ هو بلا تاريخ ميلاد أو موت، ولا مكان دفن، أما رسوماته فتوجد اليوم في العديد من متاحف العالم، وحظيت بالكثير من الدراسة والاهتمام، فمن يكون يحيى بن محمود الواسطي؟ الذي سجلت ريشته تفاصيل دقيقة عن عصره، فيما لم تسجل كتب التاريخ عنه أي تفاصيل.
توقيع الفنان المجهول
حين يبدأ البحث عن الواسطي وعن حياته ضمن عصره، تأخذ التناقضات بالظهور، فمن ناحية، في كتابه “فن الواسطي من خلال مقامات الحريري”، يقول الباحث والكاتب ووزير الثقافة الأسبق في مصر، ثروت عكاشة، إن عصر الخليفة العباسي الناصر (1180 – 1225)، وبدر الدين لؤلؤ ملك الموصل (1218 -1259)، شهد ازدهاراً واستقراراً أتاح “للأثرياء والتجار والملوك بتشجيع الفنانين من خلال الإقبال على اقتناء أعمالهم”. وهذا وحده، يقود للافتراض أن الاهتمام لا بد له أن يرفع من مكانة الفنان وقيمته وحضوره ضمن مجتمعه، ومن ثم لا بد أن يكون التوثيق له ولبعض مراحل حياته وفنه، حاضراً في مكان ما من تاريخ بغداد وما حولها في القرن الثالث عشر، إلا أنه ومن جانب آخر، ما دام الواسطي مجهولاً ولا تتحدث عنه سوى رسوماته، تتشكّل فرضية أخرى، وتنطلق من تصور آخر لتلك الحقبة الزمنية، مفادها أن “الفنون الشرقية، لم تنمُ فيها شخصيات الفنانين تمام النمو، ولم يشعر أكثرهم شأناً بحقّه في الافتخار بما تصنعه يداه، وتسجيل اسمه على منتجاته”، وفقاً لرؤية عالم الآثار المصري زكي محمد حسن في كتابه “التصوير وأعلام المصورين في الإسلام”.
يظهر التناقض واضحاً إذاً، فكيف لحقبة ازدهر فيها الاهتمام بالفن، أن يظلّ الفنانون خلالها متواضعين بحيث لا يكون الواحد منهم جديراً بالتوثيق في صفحات التاريخ. ولا يقف الغموض عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى أن فناناً آخر يعد من مؤسسي مدرسة بغداد للتصوير إلى جانب الواسطي، لا يوجد عنه شيء جدير بالذكر سوى ما رسمه في مخطوطة كتاب “خواص العقاقير”، وهو عبد الله بن الفضل.
ربما لا يمكن تأكيد إذا ما كانت الفرضيتان السابقتان تشكلان تناقضاً يحجب رؤية الواسطي ومدرسته، التي يشوبها بعض الغموض أيضاً، في ظل مؤسسها والفنانين التابعين لها من بعده، إذ كان الواسطي من النادرين الذين وضعوا توقيعاتهم على رسوماتهم، ولا يعد هذا الأمر تواضعاً بأي حال، بل هو دليل على رغبة الفنان في إظهار أثره وحضوره، فأين اختفت حياة الواسطي إذن؟ هذا ما قد تكشفه مقامات الحريري.
لا وجود لي ولكن هذا هو عالمي
نكتشف وفق رؤية أخرى، أن الواسطي كان يدرك قيمته الاستثنائية وحضوره الفني مقارنة بمن حوله، إذ يقول أستاذ تاريخ الفن وسيميائيات الصورة، شاكر لعيبي، في كتابه “الفن الإسلامي، سوسيولوجيا الفنان الغفل”، إن “الطريقة التي وقَّعَ بها الواسطي لا مثيل لها في تاريخ الفن الإسلامي.. فلربما نوعية رسمه هي ما جعله يستشعر أصالته بين رسامي عصره، ولا شك أن الوعي بفرادته وقيمته هو ما جعله يوقع عمله”.
إضافة إلى هذا الوعي المتقدم للفنان بذاتهِ كما رآه لعيبي، كانت مقامات الحريري قد حظيت بشهرة واسعة في زمنها، إذ تداولها الناس وأحبوها، كما حظيت باهتمام الحكام والأدباء، وقد زيّنت رسومات الواسطي صفحات مخطوط المقامات بألوانها وفرادتها عام 1237 كما يشير لعيبي، الذي يرى أيضاً أنها شكلت قطيعة مع “البيزنطية والساسانية التي كان لها تأثير في الرسم التصويري الإسلامي”. فلماذا لم يحاول الواسطي اكتساب مكانة أكبر له ربما كانت ستساهم في توثيق سيرته؟ إذ من الغريب مثلاً، أن مؤرخاً ومؤلفاً في التراجم مثل ابن خلكان، وهو ممن عاصروا الواسطي، أشاد بالمقامات وحضورها في المجتمع والثقافة، مسلطاً الضوء على لغتها وقيمتها الأدبية واللغوية الفريدة، من دون الإشارة إلى الواسطي أو رسوماته.
ربما ظلّت الكلمة تطغى على الصورة رغم أن الواسطي أبدع في تصوير الحياة والناس والمكان، كما برع في تصوير الحياة اليومية والفروق الطبقية والأدوات والتجمعات البشرية ومظاهر الطبيعة، بما يتجاوز كون عمله ينتمي إلى المنمنمات، بقدر ما يمكن اعتباره لوحات تعزز من صورة عصره وتخلدها في المستقبل.
حملت مقامات الحريري عبر الشخصيتين الرئيسيتين فيها: الحارث وأبو زيد، وصفاً وهجاءً لمختلف طبقات عصرها، وفي المقابل، أظهرت رسومات الواسطي للمقامات وعيه بما يحيطه من خير أو ظلم، ومن جهل أو ثقافة، إذ يكشف بسخرية لاذعة “فساد بعض الولاة، أو بخلهم، أو جهلهم، ومثال ذلك ما صوره في المقامة الثالثة والعشرين” وفق كتاب ثروت عكاشة، كما يصوّر موضوع الكُدية (الاحتيال)، وموضوع البحث عن العدالة، عبر تفاصيل تضمنتها رسوماته التي “ترجمت المعاني التي ضمنها الحريري… سواء كانت مباشرة أو تحتاج إلى معجم… كما استطاع الواسطي تحويل الصورة الذهنية المتراكمة من النص إلى صورة بصرية ناطقة”، وفقاً للباحثين نور الرماحي وضياء العبودي.
يساهم هذا كله في بناء تصور عن الواسطي، الذي لا يملك قصة حياة معروفة، سوى تلك التي صوّرها من حوله، فناناً يعيش بين الناس، استطاع أن يترك توقيعه على رسوماته ليخلد حضوره شاهداً على زمنه، مؤرخاً من نوع مختلف، وقارئاً حاذقاً نجح في تحويل نصوص الحريري إلى مرئيات لا ينقصها الجمال والإبداع، وقد أضاف إليها هويته الفنية التي تعكس التزامه بهموم مجتمعه والناس من حوله، وإن كان هذا لا يتضح تمام الوضوح، في حال افترضنا أن الواسطي اتبع مقامات الحريري واستفاد من شهرتها، أو كان قد تلقى أمراً بتصويرها ورسمها، أو أنه اكتفى فقط بتحويل رسوماته للمقامات إلى سيرة بصرية لم تتسع لها كتب التاريخ، وبالنظر إليها، فإنها تسرد من سيرته ما يغني عن الكلمات.
· عن العربي الجديد
اقرأ ايضا
(كامي) و(النزهة) مقارنة مونيه بمونيه
عبود عطيةلو كان كلود مونيه (1840 – 1926) رسامًا مغمورًا ووجد خبراء فن الرسم أنفسهم …