ياسين النصير
1-1
ثمة اعتقاد نقدي سائد هوأن القصيدة هي الشاعر، وأن الشاعر هو القصيدة، وأن ثقافة القصيدة هي ثقافة الشاعر، ولذلك بقي الكثير من الشعراء أسرى قصائد معينة يكررونها في تجاربهم اللاحقة، وبقيت الكثيرمن القصائد مغلقة على شعرائها، دون أن تنفتح على غيرهم..وبقي النقد يدور في حلقة القصيدة/ الشاعر والقصيدة/المرجع.. في حين أن القصيدة لما تمتلكه من مرجعيات، لن تكون هي نفسها في كل قراءة جديدة لها، ولن يكون الشاعر هو نفسه في كل قراءة لقصائده، وبمثل ما خرج النقد عن دائرة القصيدة/ الشاعر، إلى دائرة أعم هي الشعرية، خرجت القصيدة من أطرها القديمة وخرج الشاعر من سياقته السابقة، إذن ثمة حركة دائرية ترسمها القراءات للقصيدة وللشاعرمعا، فالشاعر يخرج بعد كل قصيدة إلى غيرها برداء جديد، وتخرج القصيدة من ثقافة الشاعر المفرد إلى ثقافة المجتمع برؤية جديدة.. لذا لا تستوعب قصيدة واحدة ثقافة الشاعر،ولا تجد الشاعر في قصيدة دون أخرى، فهما تيار من الخطوط المتعرجة الدائرية، هكذا أرى الشعروالشاعرلا انفصال بينمها ولا اتحاد، لأنهما معا تكوين من تيارثقافي جدلي،وممارسة ذاتية/جماعية،وطريقة متعرجة دائرية التواريخ والأمكنة والحالات والشخصيات، ثمة شيء ما موجود يغير دائما من سياق أية طريقة للوصول اليهما..فالكتابة كفعل مادي لا تستدعي اللسان المفرد للشاعر، بل تستبطن ألسنة الشاعر والشعر، لأن العلاقة بين الشاعر وقصيدته بنية في مكنون اللعب البشري كله، في ذلك الداخل المدفون في الرؤيا الكونية، في أعماق النفس البشرية، في بنية التداعي الحر، في التماثل مع التجارب عبر الجغرافيات، في بنية الشبيه الذي لا يعرف جنسا أو زمنا، في جدلية الحوار، في المستدعى من الذاكرة الجمعية.. وكل هذه المفردات ليست ذاتية، وإن بدت مفترقة، وليست جماعية وأن بدت متجمعة، فالشعرية آتية إلينا من هنا ومن هناك، وستنتقل إلى هنالك دون أن تؤلفها مرحلة..
هذه الجملة الاستهلالية لا تخض الشاعر ياسين طه خافظ وحده، بل الشعراء كلهم، والشعر كله، شخصيا اقرأ القصيدة دون أن اقرأ الشاعر، وأحيانا أقرأ الشاعر وفصيدته معا،دون أن يعني إنتمائي لهما، ولم يحدث أن قرأت الشاعر بلا الفصيدة، ولكني قد أقرأ القصيدة دون شاعرها، فجنس القصيدة لا يحدده قائلها بل مرجعياتها وتأويلاتها، هذا يعني بالنسبة لي، أن الفصيدة محملة بالثقافة، بالتاريخ الأعم، بدلالة الموضوعات، وبتأويل أشمل، إنها وحدها التي تقرأ مرتبطة بمرجعيات، ووحدها التي تحيلني إلى…، بعد أن تجعل قراءتي جزءا من مرجعياتها..
1-2
ساجد في تجربة ياسين طه حافظ شيئا من هذا التداخل، هو يكتب قصيدته التي هي فكرة في رحم الماقبل ولكن بحروف أخرى، وبموضوعات أخرى، وسيكتب قصيدة بفكرة في المابعد، وستكون ناقصة بالضرورة وبحاجة لمن يكملها.. فشعر ياسين طه حافظ ليس له كله، بل لكل التجارب الشعرية التي سبقته، كما تكون مرجعية لمن يقتفي آثره بعده، لأنه قد أدخل مفهوم الشعر ضمن نطاقه الكوني، فعندما أنهض قيم المحلية وأمكنتها المختلطة بين القرية والبلدة والمدينة، من مصاف المهمل إلى مشاريع المؤمل،فكر بأن يخلق من هذا الخليط اسطورة شعبية بمواصفات مغايرة لمفهوم الأسطورة القديم… لذلك تجد في شعره نبرة قصائد الهايكواليابانية،تلك البساطة العميقة، البساطة التي تستدعي مفردتها صورها دون إحالات، وتجد فيها نبرة الشعراء الإنجليز، وتجد فيها نبرة شعراء حركة الحداثة الأولى في العراق خاصة البياتي الذي حاول خلق أساطيره ورموزه ومدنه الخاصة به،محاذيا الأساطير والمدن القديمة والنساء الرمز، وتجد فيها قصائد ستينة بمناخها الإشكالي التجريبي، تلك القصيدة التي ما أن نهضت حتى احتوتها الحرب فلجأت للتجريب والترميز للدوران حول الشعرية، وتجد فيها قصائد منفتحة على هذا وعلى ذاك.. ومن هنا فقصيدته تحيلك إلى مرجعيات وتدخلك في الوقت نفسه بيت لمرجعيات جديدة، لتترك نافذة لم تغلق درفاتها بعد..
ستكون قراءتنا لشعر ياسين طه حافظ دورانا في اتجاهات مختلفة أحاول في هذه القراءة – والتي أحسب أنها ليست الأخيرة- أن أقف على الخطوط العامة لتجربة شعرية تلاصق الوقائع حد المباشرة، وتبني صورها عن طريق استثمارالعقل الواقعي، وتحاول ترميز وقائعها الحياتية بطريقة البنية الخيالية للصورة، ثم بعد هذا وذاك، يرسم ياسين طه حافظ خطوطا عريضة لصياغة أسطورته الشعبية المتشظية في قصائد عديدة، فالشعرية عنده ليست موضوعات فقط، بل هي صياغات فنية لا تحملها إلا رؤية تراجيدية تنقلها من وهج الوقائع اليومية الباردة إلى سيرورة الفكرة الاسطورية، وأؤكد على بنية الفكرة الأسطورية..
عتبة العنوان
وابتداء يدخلنا عنوان المقالة” تراجيديا الشعر” في اشكالية الإلتباس بين القصائد وقائلها، بين الشعر ومرجعياته، بين الواقع وتخيلاته، فالشاعر ياسين طه حافظ، ممتلئ بصور لواقع صاخب، وفي الوقت نفسه تبدو فنيته هادئة جداً، هل لأن القصائد قيلت بصوت ذاتي / غنائي عال عن واقع صاخب؟ بينما لا تحيلك قصائده فنيا على غيرموضوعها المباشر والحياتي واليومي والمشترك؟. فهل يختلف تلقي الشعر بين ذات تتحدث بهدوء عن الواقع، وموضوع جماعي مباشرومشترك يقال بفنية سردية ومغايرة؟، الملاحظة التي نستخلصها من القراءة أن الشاعروالقصيدة، مشبعان معا بالواقعية حدّ التخمة، لكن هذه الواقعية ليست صورا عيانية مباشرة، بل مدخلا لقاع التجربة، لتلك البقع المجهولة التي تشترك فيها عشتار وصوت “الحياة” في قصيدة “الحرب”.لذا فالشعريةعنده ليست بما نقرأه من صور القصيدة بل بما تختزنه القصيدة من احالات ومرجعيات وتصورات أبعد من الوقائع اليومية نفسها، فالوقائع ليست إلا مدخلا، أنه هناك في الأعماق لصياغة تراجيديا من نوع خاص..
لذا لا يعطي العنوان” تراجيديا الشعر “ إلا تصورا مخاتلا، ومتلبسا بالرمزعن حال غائرة تجمع بين الذات وغموض الوقائع، فمفردتا الذات والواقع ليستا على وفاق دائم، ثمة ما يغير من سياق الاثنين تبعا لتغيير الرؤية، هذه الجدلية بين ذات رائية مشككة، وواقع مخاتل ملتبس،لابد لها أن تنتج صورا مغايرة للسياق العام لصورالواقع كي يستمربانتاج الصورالمألوفة.. تراجيديا الشعر، مفردتان تحيلان القارئ على ميدانين كبيرين، هما: الفلسفة “ تراجيديا” والعمارة الفنية” الشعر”، الفلسفة حوارلا ينقطع، والشعر أحتمالية تأويلية لا تقف إحالاتها، فتصبح القصيدة مدخلا لهذا الآتي المجهول، ويصبح الشاعرعرابا لوقائع مبهمة، وهو ما نحاول الوصول إليه..
وقد يكون العنوان” تراجيديا الشعر” حياديا يعايش فكرة صراعات المدينة المتخيلة دون حقائقها وواقعيتها وتاريخها اليومي،وعندئذ ستغطى القصائد بالعادي والثانوي، وتفقد مشروعها ومجساتها التي تكشف عن الأعماق المختبئة في التواريخ والأمكنة.. ونحن لا نمتلك مقومات نقدية مجربة للكشف العميق عن العلاقة بين التراجيديا/ الشعر، والمدينة الواقعية أو المتخيلة، دون أن تكون التراجيديا / الشعر،معا في مدينة حديثة.. فلا المدينة ولا الشعر وحدهما ينتجان التراجيديا، بل تنتج التراجيديا عندما يكون الشعر بمصاف تشكلات المدينة،فكيف إذا كانت المدينة هي المدينة العربية؟، والشعر هو الشعر العربي المشبع بالغنائية والبعيد عن الدراما ومركبات الفكر؟ فمدينتا لا تمتلك أدوات الحداثة ولا تنتجها، بقدرما تكون أرضية مسطحة لاستعارتها من غيرها..ولذلك فأية مفردات مثل التراجيديا والشعروغيرهما، لا نعرف حقيقة من أين تجيء وتنشأ،سوى معلوماتنا الثقافية عنهما، لأننا لم نحسن صناعة أرضية مدينية لهما،كما لم نحسن توظيف الاستعارة الأسطورية في المدينة الحديثة، كي نعرق معنى تناقض القديم مع الحديث..فما تزال الرؤية الأسطورية القديمة مهيمنة في المدينة العربية من خلال الدين والتقاليد والثقافة، ولذلك نحن ما نزال حتى ونحن في المدينة، نعيش زمن الأسطورة القديم وتفكيرها.. دون أي بعد فلسفي تفرضه حياة المدينة وتناقضاتها الاقتصادية والثقافية والمتغيرات الجذرية في نظم التعليم والعمارة والمواصلات والأسواق والتداخل الثقافي بين منتجات الأسواق وغيرها على القصيدة..وهكذا نبقى نراقب نتائج الصراع فقط، وعندئذ لا تمنحها الحيادية في المدينة غير التعميم..سنجد في قصائد الشاعر ياسين طه حافظ الكثير من الشعر الذي يقال ويعني بقوله مدينة، لكنها غير المدينة الشاحبة الفقيرة، التي تتعرى يوميا دون أن يكون لها رداء في الغد.. ومن هنا فالعنوان هو بحث عن تراجيديا من نوع آخر، وليست تلك التي قرأنا عنها وتعرفنا على مدلولها، تراجيديا قد تصنعها حياة مدينة ما تزال تعيش تحت، زمنها الاسطوري القديم، معتقدة أنها قادرة على الدخول في حروب عصرية بعدة من كلمات قديمة، هذه التراجيديا ماساة من نوع آخر، الشاعر ياسين طه عثر على مفرداتها مبعثرة في الطرقات والأسواق وفي القرى والمزارات والمقابر والعشاق والشعراء الشباب، فادخلهم كلهم خيمة”الحرب” بعد أن مهد لهم “النشيد” السير في طرقات المدينة المتربة..
وقد يكون العنوان حصاة بيد طفل يلقي بها في بحر القصائد، كي تكشف شيئا عن محار التجربة وأبعادها،حصاة ذاهبة باتجاه الشعر وبعد أن تغور في مياه التجربة تستفز كائنات الأعماق وتغير من أمكنتها فتزيح الأشياء واحدة عن أخرى بحثا عن تشكلات جديدة وعن مواضعة بين الاشياء جديدة أيضا، هذه الحصاة ستزيح بقدر حجمها سائلا من التجربة وتلقي به خارج السياق، فالشعر اختصار وتكثيف لملايين الصور النثرية الراكدة والتي بحاجة إلى من يخرجها من السياق السابق لتشكلاتها..أما التراجيديا فهي الطريقة التي يلقي بها الطفل حصاه،والطريقة هنا هي رؤية الناقد..وهذه الاحالة الثالثة للعنوان وحدها، تفتح بابا لتأويل تجربة كل مفرداتها واقعية ومعاشة ومألوفة، وكل صورها مدركة، مشبعة بالإحساس، حد أن الأشياء في قصائد الشاعر ياسين طه حافظ تلامس ألسنتا وأيدينا وأعيننا، بحيث لا يظهر جوهر التجربة فيها إلا متى ما اصطدمت بها وغيرت في أمكنتها، لابد إذن من حجر يوقظ سبات الشعرية..
2-2
إلا أن للعنوان، في جانب منه، – وهو ما يعمق فكرة الحصاة- متعلقات أخر، بعض هذه المتعلقات يخص المرحلة التي مرّت على العراق في الأربعين سنة الأخيرة، والتي جعلت القصائد غير بريئة من التورط بما هو سياسي أو أيديولوجي، حين استجابت القصيدة ببنيتها ودلالاتها ومعانيها، إلى مثل هذه الضغوط، فطبعت الشعرية العراقية، حتى تلك القصائد الضد، بطابع ومناخ ايديولوجي معين.. فالحرب لا تُعَلّمْ بقصائدها فقط، بل بالقصائد الضد أيضاً، ومن هنا يكون عنوان المقال أقرب لتلك الصرخة المنطلقة في فضاء المدينة دون أن تعني أنها صرخة الموتى..كما أن المدينة، وأخص بالذكر منها بغداد، شهدت اضطرابات في بنيتها واقتصادها وسياستها ونظمها وخططها العمرانية والإيديولوجية بحيث أبقت على الكثير من قيم وحياة الريف فيها، وهو جانب مهم واساسي في تجربة شاعر يعتمد الرؤية والمعايشة اليومية لحركة الشارع في مدينته القديمة بعقوبة، وفي مدينته الحياتية المعاصرة بغداد،.. وكان من نتيجة هذه الاستجابة لاضطراب بنية المدينة، أن أصبحت القصيدة- مهما كان شكلها ومعناها- غير بريئة من هذه الحمحمة المربكة.. ياسين طه حافظ أحد الشعراء الرائين للمرحلة، الذين عايشوا منعطفاتها كلها دون أن يسلم من تمزيق ردائه….إذن كيف يتأتى لنا أن نكتشف قيمة الصخب في صمت الذات والقصيدة معاً ونحن في بلد، لكثرة ما تداخلت حروبه بعضها ببعض أملت على القصائد لغتها وأجواءها؟ وكيف يتأتى لنا أن نكتشف أن شعرية شاعر، نأى بقصيدته بعيدا عن السقوط في المباشرة السياسية؟وفي الوقت نفسه عالج موضوعات سياسية؟.. وكيف لنا أن نقيم تجربة تبدو من الخارج أنها ببناء عقلي صارم، وبتصميم هندسي داخلي منضبط، وبهيمنة الحكاية على متن القصيدة؟ونحن لا نعرف عن الشاعر غير ما يكتبه؟ ثم كيف لنا أن نميز تجربة شاعر عن سواه وهو يعايش هيمنة ثقافة الآخر، الثقافة الأجنبية، وهي الثقافة التي ضغطت على الشعر والرواية والنقد فأحتذى الكثير منا نتاجها المترجم، لسهولة اختراقها لمنظوماتنا المعرفية والثقافية والاجتماعية؟.وياسين يقول عن ترجماته أنه يترجم ما يراه ملائما لنفسه..
ضمن سياقين كبيرين: ضرورات المرحلة السياسية والأيديولوجية، وضرورات التأثر بثقافة الآخر، لم ينتج المثقفون العراقيون خطابا جديدا مميزا،إلاماندر، والنادرهذا يقع معظمه ضمن نطاق الشعر..ياسين طه حافظ أحد الأصوات الشعرية التي تعاملت بحيادية تجمع بين البساطة والتعقيد مع مفردات وصورهذه الخطاب المشتبك، فبنى شعريته على أرضية واقعية مشبعة بالمخيلة والمعلومة، مكونا صورة كبيرة ومباشرة يجمع فيها القرية بالبلدة بالمدينة، باحثا خلال هذه الخلطة عن تراجيديا بأثواب معاصرة وجد فيها إمكانية أن يؤلف نصا عن معاناة فقراء المدينة العراقية، وفقراءالمدن العراقية لهم خصوصيتهم السايكولوجية، فهم ليسو فلاحين أو من سكنة الريف ولكنهم ليسو أيضا من سكان المدينة، بل من سكنتها، لذا فالفقر وحياة البساطة التي يتشكلون بها هي جزء من سايكولوجية الوفرة والشحة، وهما مفهومان اقتصاديان غير طبقيين،فهم في كل الأحوال ضحية الصراعات الاقتصادية ووجه بارز لثقافة الشارع، وصوت عال لميكرفون الوضع، الشاعر ياسين وجد في هذه الشريحة نموذجا لشخصية تراجيدية دون أن يكونوا ابطالا بالفعل كما هم عليه أبطال التراجيديا..
من يطرد الشر الذي يدخل في الخبزوفي
الكتاب والهواء والكلام والأجساد؟
تنتشر الخرافة،
تنزعهم من الحياة والزمان، تحرق الحاضر
في عيونهم،
قشاً وناراً صارت الحياة.
(ص 28 المجموعة الشعرية)
اقرأ ايضا
ياسين طه حافظ اضافة نوعیة للقصیدة الحداثیة
فاضل ثامرسعید انا بمشاركتي في هذه الاحتفالیة الثقافیة المتمیزة التي یحتفي فیها الحزب الشیوعي العراقي، …