رفضت ان تطبع كتبها في اسرائيل وتبرعت لمنظمة تناصر فلسطين..سالي روني ..صوت أدبي متمرد

علي حسين
باتت الايرلندية سالي روني أصغر الادباء الذين تتربع كتاباتهم على قائمة الأكثر مبيعاً ، الروائية البلغة من العمر ” 34 ” عاماً ، وصفتها الصحافة بـ ” فتاة الادب الذهببة ” ، عندما صدرت اولى روايتها ” المحادثات مع الاصدقاء ” عام 2017 كتبت صحيفة التايمز بأنها ” أول كاتبة عظيمة من جيل الألفية “، تقول انها لا تستطيع التخلص من لقب “سالينجر جيل سناب شات” الذي لحق بها عندما نشرت روايتها الأولى ( محادثات مع الأصدقاء) :” لم أكن أعرف حتى ما هو سناب شات في ذلك الوقت ” ، اثارت الر واية اهتمام القراء ونقاد الادب ، اشادت بها زادي سميث، باعتبارها أحد تلك ” الروايات الأولى التي لا يمكنك تصديق أنها كانت أول مرة ” .
كتبت روايتها الأولى على طاولة المطبخ ، واحياناً على سريرها، وهي تتنقل بين الشقق المستأجرة، حصلت الرواية على منحة من مجلس الفنون الأيرلندي ، ورغم انها تمتلك اليوم شقة فارهة ومكتب انيق ، إلا انها لا تزال تكتب في أي مكان :” احياناً تحت بطانية، منحنية على حاسوبي المحمول في وضعية غير مريحة على الإطلاق”. الحياة المثالية بالنسبة لها ، هي أن تتمكن من الكتابة، ثم تترك عملها ينطلق إلى العالم دون أي تدخل منها، تقول: “أنا محظوظة بحب الكتابة ” .
تعترف بأن الفضل الاول في نجاحها يعود لزوجها ، تقول: “تجربة الوقوع في الحب في صغري، مع شخص غيّر حياتي تماماً، ويغيّرها كل يوم، أتاحت لي كتابة قصص عن أشخاص غَّير الحب حياتهم، لولا ذلك، لا أعتقد أن أعمالي كانت لتحظى بالتقدير. مجرد وجوده في حياتي مكّنني من الكتابة ” .
تشعر سالي روني أن تصوير وسائل الإعلام لها كمؤلفة كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بشبابها، :” تجربة كونك امرأة شابة في نظر الجمهور ليست دائماً تجربة ممتعة أو سهلة تماماً. ، هناك الكثير مما يمكن قوله والتفكير فيه والجدال حوله عندما يتعلق الأمر بدور الشابات في ثقافتنا”، وتتابع : ” لقد كرّست حياتي لكتابة الروايات. لا أعرف إن كانت جيدة، ولكن حتى لو كانت جيدة حقًا، فلن تنقذ الكوكب،” ، لكنها تدرك أن للممثقفين والكتاب والفنانيين دورٌ ما، وهو ” منح الناس سبباً للاستمرار في وقتٍ تبدو فيه هذه الأسباب أحياناً وكأنها على وشك النفاد.” تقول انها تعلمت من والدتها ان تدافع عن ارائها ، حتى وان جلبت لها هذه الاراء متاعب من السلطات وهذا ما حصل عندما قررت قبل ايام ان تتبرع ببعائدات مسلسلين اقتبستهما هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) من روايتين لها لفصالح منظمة “فلسطين أكشن” التي حظرتها المملكة المتحدة بموجب “قانون الإرهاب”، وقد ادانت روني هذا الحظر واعتبرته يمثل “هجوما مقلقا على حرية التعبير”. . كانت سالي روني قد رفضت عام 2021، رفضت طلبا من دار نشر إسرائيلية لترجمة روايتها “عالم جميل، أين أنت؟”، مؤكدة أن هذا الموقف يندرج ضمن مقاطعة إسرائيل احتجاجا على سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني. تشعر باليأس من نظام عالمي “يُسهّل ويُمكّن” الحرب في غزة، بينما يفشل في اتخاذ أي إجراء لمنع “انهيار كامل للأنظمة البيئية الكوكبية خلال حياتنا”. مستشهدةً بمقولة غرامشي القديمة عن تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة، تشعر بواجب أخلاقي يُلزمها بعدم التخلي عن إيمانها بعالم أفضل. ويعتمد هذا جزئيًا على التزامها بعالم جميل، حيث يجعل الفن الحياة جديرة بالعيش.
ولدت سالي روني في الـعشرين من شباط عام 1991، في مقاطعة مايو الإيرلندية، وهي الابنة الثانية لأب يعمل في مجال الاتصالات، وأم تعمل مديرة مركز فنون. كانت العائلة حريصة على نقل قيم الاشتراكية الى ابنائها ، كان مبدأ كارل ماركس ” من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب حاجته” هو المبدأ الأساسي في حياة الأب ، الذي ترك الوظيفة خلال الأزمة المالية التي عصفت بالاقتصاد الأيرلندي. تتذكر روني انها كانت طفلة سريعة الإحباط ، وإن هذه السمة لا تزال مستمرة معها ، تسميها “الكسل المفرط في أي شيء لا أجيده”.، اكملت الدراسة ، في مدرسة سانت جوزيف ، وهي مؤسسة للبنات فقط ، حيث كان على روني ارتداء : “سترة زرقاء وقميص مربعات وتنورة رمادية ، وهو ما كنت أكرهه”، كانت تقضي ساعات مع القراءة:”كنتُ شخصًا متعطشاً للمعرفة، بطريقةٍ عشوائيةٍ للغاية.كنتُ أحبُّ الوصول إلى أي شيءٍ أريد معرفته” .
بدأت سالي روني كتابة القصص القصيرة في سن المراهقة، تعترف إنها كانت قق سيئة للغاية :” ربما لم يكن فهمي للبشر بتلك الدرجة من التطور. في الثامنة عشرة من عمرها، نشرت قصيدتين في مجلة أدبية تصدر في دبلن .
عام ٢٠٠٩، انتقلت إلى دبلن للدراسة الجامعية ، كانت ترغب بدراسة علم الاجتماع واللغة الإنكليزية، ، وجدت نفسها في بيئة اجتماعية لم تكن تعلم بوجودها: ” زملاء الدراسة الذين يرتدون سترات صيد مشمعة وسراويل قطنية أرجوانية”، كما كتبت في كتابها “أناس عاديون”، والذين تسبب آباؤهم في الأزمة المالية التي أودت بمستقبل والدها ت، قول في حوار مع باريس ريفيو :” كان لدي شعور، من ناحية، بالفزع، ومن ناحية أخرى، رغبة حقيقية في إثبات ذاتي للناس، وإثبات أنني على نفس قدر كفاءتهم. لا أعرف السبب – كان من الأفضل لو تركتهم وشأنهم – لكنه انبهار وليس مجرد اشمئزاز”.
في عامها الثالث في الجامعة ، وقعت في حب جون براسيفكا، الذي يعمل مدرساً للرياضيات تعترف انها لم تكتب أي رواية جيدة حتى التقت بشريك حياتها ، فازت بمنحة دراسية أتاحت لها أربع سنوات من الدراسة والسكن والطعام في نيويورك ، قضت وقتًا طويلًا في كتابة أطروحة ماجستير عن ” أمريكا وسياسات ما بعد 11 ايلول ” لكنها تركتها وأكملت دراسة الأدب الانكليزي، لتحصل عام 2013 على شهادة الماجستير ، وفي الوقت نفسه تفرغت لإعادة صياغة روايتها الاولى التي ستصبح فيما بعد بعنوان “محادثات مع الأصدقاء” ، تقول في حوار باريس ريفيو أن كتابة الروايات بالنسبة لها وسيلة لمنع مرور الوقت أو إنكاره:” لقد مضت السنوات التي قضيتها في كتابة هذا الكتاب، ولن أتمكن من استعادتها أبداً، لكن الكتاب معي. أشعر وكأنني خزنت ذلك الوقت في جرة، وكأنه لا يمكن أن يفلت مني أبدًا، لأنه موجود بداخلي. أشعر وكأنني أسكب الحياة في الروايات وأشعر وكأنني أعيش حياة شخصياتي. يمنحني هذا منفذاً للخروج من عالم يمر فيه الوقت، كما هو الحال بالنسبة لنا جميعًا، إلى عالم أتحكم فيه بمرور الوقت ” .
تدور أعمال روني في أجواء عادية، كما نستدل من العناوين – ترجمت لها الى العربية رواية أناس عاديون ، ورواية أيها العالم الجميل أين أنت – ، انها حكايات عن الحب والكره والغيرة، والسفر وكل وسائل التواصل المختلفة في زمن يفتقر إلى المعنى،مما يجعل من هذه الروايات قريبة جداً لدى القراء الذين لا تبتعد تفاصيل حياتهم كثيراً عما ترويه روني .
نجاح روايتها ، وخصوصا بعد تحويلها الى اعمال تلفزيونية ، حوّل الماركسية الخجولة المولودة في مقاطعة مايو إلى تايلور سويفت عالم الكتب. تقول: “أشعر حقًا أنني لا أكذب عندما أقول إنني حريصة جدًا على ترك كل ذلك خلفي.. لم أكن أرغب في الواقع في أن أكون (الروائية النجمة) “، أردت فقط أن أكون جيدة .. أشعر أنه كلما تقدمت في العمر، زادت حريتي في الكتابة عن تجارب حياتية أوسع. لأنني عشت أكثر بقليل، ليس أكثر بكثير، بل بضع سنوات إضافية ” .
حكايات روني عن الأصدقاء المقربين كانت نقطة انطلاقها الحقيقية، وأصبح مألوفاً جداً أن تلمح العنوان مدرجاً في قوائم الجوائز المرموقة فازت بجائزة “التايمز” وجائزة “الكتاب الإيرلندي”، وجائزة “كوستا” وجائزة “أنكور”. وترشحت الىقوائم البوكر .
في روايتها “أناس عاديون “- ترجمها الى العربية مصطفى بنعمي- نتابع حكاية كونيل وماريان، بدءا من علاقتهما القصيرة خلال أيام دراستهما في الثانوية حيث كان لاعب كرة قدم مشهورا يخجل من الظهور مع الفتاة “الأغرب” في المدرسة ، وصولًا إلى دراستهما في كلية ترينيتي في دبلن، حيث تتمتع ماريان ،الغنية دائمًا، والجميلة والمشهورة بالتفوق الاجتماعي. ” أناس عاديون ” قصة حب تتناول بعمق ما يمكن أن يفعله شخصان لبعضهما البعض، ومدى رغبة كل منا في إيذاء الآخر أو التعرض للأذى..في الرواية تستعرض روني المشهد السياسي المعاصر ، الانكسارات التي يمر بها الإنسان ، الصراعات الدولية واحتجاجات الإجهاض واندلاع الحروب كلها تظهر كحواشي لعلاقة الحب بين ماريان وكونيل ، وفي في مقال نشرته صحيفة الغارديان ، تحدثت روني عن رواياتها، إلى جانب الروايات الأيرلندية في العقد الماضي، باعتبارها مرتبطة بما أسمته “الظروف الثقافية التي أحدثتها الأزمات المالية والسياسية ” . أشارت معظم النقاد أن السلطة، هي محور ” أناس عاديون ” أنها “تأمل في السلطة: كيف أن الجمال والذكاء والطبقة الاجتماعية عملات تتقلب بشكل غير متوقع كتقلب اليورو والدولار”.
روايتها الثالثة ” أيها العالم الجميل، أين أنت”- ترجمها الى العربية احمد جمال – تخبرنا انها استلهمتها من قصيدة للالماني فريدريش شيلر. ومن خلال أربعة أبطال، تشيد سالي روني شبكة من القنوات لشباب في أواخر العشرينيات ، أوائل الثلاثينيات، يدخلون في علاقات حب، وهم يشقون طريقهم بحثاً عن الجمال في الحياة. الحياة التي رضخنا لمرورها ، واقتصر رد فعلنا على الشعور المنغص بالخديعة، ونحن ندرك تماماً أن لا شيء مهما اجتهدنا، بوسعه أن يسترد زمناً مفقوداً. هذه الحياة لم تنتظر روني أن تراها كغيرها في عداد المفقودين، تكتفي بالجلوس والتحسر، واختارت أن تتشبث باللحظة الراهنة، تمددها على طاولة التشريح، عسى يكون بوسع جيلها “الأذكى” أن يفهم درسه مبكراً.
البيئة الاجتماعية في رواية ” عالم جميل، أين أنت؟” هي نفسها روايتيها الأوليين: جيل الألفية المتعلم في مدرسة ترينيتي والذي يعيش في أيرلندا بعد الأزمة، والذي يذهب إلى قراءات شعرية في دبلن، ويزور المتاحف في رحلاته إلى أوروبا، ويرتدي حقائب مزينة بشعارات المجلات الأدبية اللندنية، ويقرأ الكتاب المقدس، وشكسبير، وكيتس، ودوستويفسكي، وهنري جيمس، وجيمس بالدوين، وأودري لورد للمتعة. إنهم يريدون إنهاء النظام الأبوي، وهم مناهضون للرأسمالية، ويشعرون بالفزع من عدم المساواة العالمية. .
بصفتها كاتبة تتناول الحب المعاصر، تشعر أن عدم الكتابة عن أيٍّ من ذلك، والقول: “عليكِ فقط أن تتخيليه في مخيلتكِ”، يُعدّ “تهرباً من المسؤولية”..
في رواية “عالم جميل”، تكتب أليس لصديقتها إيلين: “أليس من سوء حظنا أن نولد في زمن نهاية العالم؟” تشعر المرأتان اللتان على مشارف الثلاثين بالقلق حيال إنجاب الأطفال في ظلّ التدهور البيئي. تقول روني: “إنه أمرٌ يؤرقني بشدة. من الواضح أنني لستُ وحدي من يشعر بهذا الشعور. التزامي هو بناء عالمٍ تستطيع فيه النساء إنجاب الأطفال، سواءً كنتُ واحدةً منهن أم لا ” .

اقرأ ايضا

سالي روني: أيها العالم أين اختفيت ولماذا؟

تغريد عبد العالفي رؤية المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي للثقافة الشعبية أنها ترفض الهيمنة، وهي في …