سالي روني: أيها العالم أين اختفيت ولماذا؟

تغريد عبد العال
في رؤية المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي للثقافة الشعبية أنها ترفض الهيمنة، وهي في الوقت نفسه تكشفها وتضع إصبعها على مظاهرها. والمثقف أيضًا كما يراه غرامشي في جميع أعماله بدءًا من “دفاتر السجن” إلى كتابه الشهير حول المثقف العضوي، هو أيضًا يكشف الزيف والتضليل، وهذا دوره الأساسي بين الناس.
وحين يعلو صوت نعرفه في الأدب والكتابة ليقول موقفه، نثق أكثر بأن الأدب له صوته وعالمه بين البشر وهمومهم بكل أشكالها وأهمها قضاياهم مع المستعمرين والمستبدين والمهيمنين، وخصوصًا حين يمتلكون إنتاجًا معرفيًا مذهلًا من الذي يجعلنا ندرك أن هنالك رادارات خاصة تحرك الأمور التي ركدت في العمق، وعلى السطح طويلًا.
فليس من السهل أبدًا أن تخرج مواقف حقيقية وهي ترتبط بفكر تحرري حقيقي، غير مهزوم، ولديه أفق ثقافي في البحث عن المعنى.
والروائية الأيرلندية سالي روني، والتي تعد رواياتها الأكثر مبيعًا، هي من أبرز الكاتبات المعاصرات حاليًا في العالم، ولعل الإعجاب بلغتها وأسلوبها الجديد هو بصمة أخرى لها في هذا العالم، إضافة إلى موقفها الإنساني والسياسي أيضًا تجاه فلسطين، والعدالة، ومعاداتها للصهيونية، ورفضها بيع الحقوق لدار نشر إسرائيلية لترجمة روايتها: “أيها العالم الجميل أين أنت”، والتي ترجمتها دار الآداب إلى اللغة العربية.
قاطعت روني مع مجموعة من المثقفين إسرائيل ثقافيًا واقتصاديًا، بعد انضمام حوالي سبعين مثقفًا وكاتبًا ومسرحيًا وشاعرًا من العالم إليها تأكيدًا على قرارها الحكيم والمهم، ووقعوا على الرسالة التي كتبتها ووقعتها روني، وشاركوا في مهرجان فلسطين للأدب، وقد وقع الرسالة أيضًا مؤسسا المهرجان بريجيت كنعان، وأهداف سويف.
وقبل أيام معدودة، هددت الحكومة البريطانية الروائية الأيرلندية لدعمها لمنظمة اسمها “بالستاين آكشن”، وهي تعد “إرهابية” في المملكة المتحدة، لأن لها أنشطة متنوعة من الاحتجاجات على دعم بريطانيا لإسرائيل عسكريًا وسياسيًا على حد سواء. وقد اعتقل المئات لدعمهم لهذه المنظمة.
وأعلنت روني أنها ستساعد وتدعم هذه المنظمة ماديًا من عائدات مبيعات كتبها، وقالت في جريدة “آيريش تايمز” إنها ستدعم المنظمة، وإذا اعتبر هذا الفعل إرهابيًا… فليكن.
وانتقدت روني بشدة الحكومة الأيرلندية، لعدم دعمها لهؤلاء الناشطين الأيرلنديين من أجل فلسطين، بينما ترتكب إسرائيل الجرائم في غزة وتجوّع البشر وتبيدهم.
“هددت الحكومة البريطانية الروائية الأيرلندية لدعمها لمنظمة اسمها “بالستاين آكشن”، وهي تعد “إرهابية” في المملكة المتحدة، لأن لها أنشطة متنوعة من الاحتجاجات على دعم بريطانيا لإسرائيل عسكريًا وسياسيًا على حد سواء”
واللافت الحقيقي في أدب سالي ورواياتها التي تستند على ركيزة هي الحب والعلاقات الإنسانية هو أن روني، التي تنتقد العالم الرأسمالي المزيف، لا تبوح بهذه القناعات في الرواية، فهي واعية جدًا أن الرواية فن، ولذلك تغيب الأحداث الكبيرة في رواياتها.
لكن روني هي فنانة الشخصيات التي تتطور وتتغير رؤيتها للعالم، وهذا ما يجعل معاصرتها الفنية تدعم اهتمامها بهذا العالم وتشوهه ومظاهره أيضًا. وفي حوار معها، سألها أحد الصحافيين: “هنالك جملة في روايتك لافتة: البطريركية بلا بطريرك”، فأجابت روني أنها هنا “كانت تفكر بغرامشي، العالم القديم يموت، والجديد يناضل من أجل أن يولد، وهنا أتأمل شكل حياتنا الاجتماعية وثقل الرأسمالية على حياتنا والتي تفقدها المعنى أحيانًا. وأنا أرى أننا ما زلنا عالقين في تركيبات كثيرة قديمة، ومنها البطريركية. نحن في حاجة إلى أن نتجاوز ذلك، ولكننا للأسف مكبلون في لحظة اجتماعية وثقافية صعبة. ودوري كروائية هو أن ألقي الضوء على مشاعر الناس في ظل هذا النظام القاهر، وأيضًا أي نوع من الضغط يلقيه على مهنة العيش”.
في إلقائها ذلك الضوء على مشاعر الشخصيات، تركز روني على الفرد الذي اخترعته الرأسمالية، وما هي رؤيته لعالم يقمع هويته الجماعية لتتولد عنده حالات سايكولوجية متعددة. ترى روني دائمًا أن مهمة المبدع ليس حل هذه التناقضات، بل الكشف عنها، وترك مهمة ذلك لكل قارئ متبصر ليرى الأشياء كما يشعر بها. وهي تؤمن أن على الكاتب في هذا الزمن أن يكون معاصرًا لكل الأساليب الذكية، من دون إهمال ذلك الأفق التاريخي، ومن دون حشره بشكل مباشر، أو مبتذل.
كتابها الأخير “إنترميسو” (أي فاصلة بالعربية)، أتى من تأثرها برواية الكاتب الأيرلندي المعروف جيمس جويس. وهي محاولة للكتابة كرد على أسئلته.
ولروني أيضًا رواية بعنوان “ناس عاديون”، وفيها تتأمل العلاقات التي تجعل هؤلاء الناس غير متوازنين أبدًا. وفي هذا اللاتوازن تقع الإشكاليات الصعبة والأسئلة المهمة عادة.
ومن تلك الأسئلة، هنالك كثير لم يجد إجابته، مثل أين هو الله؟ وكما هم الناس جميعًا في هذا العالم، فهم أيضًا يحتاجون إلى أن يؤمنوا بشيء ما، وخاصة في أوج معاناتهم.
تأخذنا سالي روني إلى العوالم الداخلية لهؤلاء الناس، وكيف هي فلسفتهم تجاه الأشياء، متخذة من موضوع الحب ركيزة أساسية ومشتركة بين الناس لتنطلق منها في رسم هذه الهواجس التي يعيشونها في أيرلندا، وفي كل مكان.
وفي رواية “محادثات مع الأصدقاء”، نرى أن روني تصف هذا التحول من الكاثوليكية إلى الرأسمالية في أيرلندا، حيث أصبحت الأسواق حرة. وأيضًا وربما الأهم أن روني تجعلنا نرى أن القيم أيضًا قد تغيرت واندثرت.
إن سالي روني لا تقف بعيدًا عن المشهد كي تراقبه من بعيد، فهي على العكس تمامًا، لديها مجهر خفي ليدخل إلى تفاصيل صغيرة ويعاينها. فرؤية المشاهد من بعيد على أهميتها أحيانًا ليس من خصوصية أدب روني، التي تعمل كما يعمل غرامشي في فهم ما آلت اليه الثقافة الشعبية في زمن الهيمنة.
وفي روايتها الصادرة ترجمتها عن دار الآداب بالعربية “أيها العالم الجميل أين أنت؟”، والتي ترجمها جمال سعد الدين، تبدو سالي روني وكأنها تحفر على أرض عالم تود الوصول إليه بـ”سؤالها”. عالم لا يمكن أن يبدأ إذا تجاهلنا كل هذا اللاتوازن والخلل والرفاهية التي تسأل عن جدوى كل شيء، فكل شخوص الرواية تائهون وهم يبحثون عن الحب، أو يدخلون في علاقات ويخرجون منها، وكما تقول سالي: شباب في مقتبل أعمارهم يشعرون بالخوف من العالم الذي يعيشون فيه، هل سيشهدون هذه الحضارة التي تنهار كل يوم؟…
أما اللغة التي تكتبها روني فقد تصل الى عمق لا نراه أحيانًا، رغم بساطتها وتلقائيتها، لتأخذ في بعض الأمور صورة مكثفة لهذا العالم، فتقول مثلًا في الرواية:
“أشاح فيليكس بوجهه موجهًا نظره من ناحية النافذة، شوارع روما تكشف نفسها واحدًا تلو الآخر، ثم تختفي يسحبها الظلام إلى الخلف”.
أو مثلًا تلك الجملة التي تبدأ سالي روني فيها روايتها، وتقول: “تفتح ماريان الباب، بينما يقرع كونيه الجرس”.
لا شك في أن روني تذهب في اتجاه آخر، حيث تعبر عن زمنها هي والمرحلة الشبابية التي توحي وتعكس أسئلة المستقبل، ولكنها في الوقت نفسه تظلّ منتبهة ومتيقظة لسياقها التاريخي. وهي التي تقول إننا سنناضل كروائيين أيضًا لنكون منتمين إلى عصرنا، ومعاصرين في الوقت نفسه، وأن نكون منخرطين في سياقنا التاريخي. وربما في هذا تأكيد أن العالم الذي تتحدث عنه سالي في رواياتها هو نفسه العالم الذي تنتقده.
ولأن سالي روني تنتمي إلى إرث كبير وسلالة لها جذورها العميقة في الأدب الأيرلندي، تعترف دائمًا بأن كل رواية لها تأتي تحت تأثير رواية قرأتها، وربما تكون أحيانًا إجابة لها.
وهنا أيضًا، نتذكر شاعرًا أيرلنديًا كانت لغته تتجه نحو مناهضة الاستعمار باستعادة التاريخ الوطني وذاكرة أيرلندا، وهو وليم بتلر ييتس، الذي يقول في إحدى قصائده:
أكيدٌ أنّ كشْفةَ غيبٍ وشيكةٌ
أكيدٌ أنّ المجيء الثاني يقتربُ.
المجيءُ الثاني! وما كادت هذه الكلمات تُلفَظ،
حتّى صورة جسيمة، خارجةً من (أعماق) رُوحِ العالم
أخذتْ تشوّش بصري؛ في مكان ما على رمال الصّحراء
شكلٌ له جِسمُ أسدٍ، ورأسُ إنسان…
والغريب أني أرى سالي روني في كشفها لتشوش العالم لا تسأل فقط أين هو العالم الجميل، بل أين هو العالم أصلًا، ولماذا اختفى؟
· عن الضفة الثالثة

اقرأ ايضا

سالي روني: كيف تبدو الحياة في بداية الثلاثين

أمل السعيديلم أتخيل أن تعجبني رواية لسالي روني. حاولتُ قراءة عملها الأشهر “ناس عاديون” بعد …