في العهد العثماني..بواكير الانتخابات النيابية في العراق

د. فلاح حسن كزار
انتخابات عام 1877 (الأولى)
جاءت هذه الانتخابات تجسيدا وتطبيقا لما ورد في الدستور والنظام-المؤقت- العثمانيين الآخرين، أي جرى انتخاب أعضاء هيئة المبعوثان عن طريق المجالس الإدارية في مراكز الولايات والألوية والاقضية وليس عن طريق الشعب، وقد افتتح اول مجلس عمومي في تاريخ الدولة العثمانية في التاسع عشر من آذار عام 1877 في إحدى بلديات مدينة استانبول المعروفة باسم (سرايا بشكطاش)، وفي اليوم التالي عقد المجلس جلسته السرية الأولى في (دار الفنون) –وهي جامعة استانبول القديمة- لتنظيم الأمور التمهيدية وكان من بينها مشروعات قوانين بضمتها القانون الانتخابي الذي سيعمل به المجلس في العام القادم،وقد بلغ عدد أعضاء هيئة المبعوثان مع هيئة رئاستها مائة وسبع وعشرون عضوا مثلوا جميع الولايات العثمانية، بضمنهم أربعة أعضاء عن ولاية بغداد باعتبارهم ممثلين عن العراق.
ناقش هذا المجلس خلال شهري (ايار و حزيران)عام 1877 قانونا انتخابيا جديدا ضم ثلاث وثمانين مادة، لكنه لم يطبق بسبب الظروف التي كانت تمر بها الدولة العثمانية لاسيما الحرب القائمة بينها وبين روسيا منذ نيسان من العام ذاته، وعليه تم حل هذه الهيئة، وانتهت أعمالها في الثامن والعشرين من تموز من العام ذاته.
ثانيا:- انتخابات عام 1877 (الثانية)
جرت انتخابات الهيئة الجديدة خلال شهري أيلول وتشرين الأول عام 1877، وقد اتبع فيها النظام الانتخابي السابق الذي أقرته هيئة المبعوثان السابقة لاسيما بعد صدور إرادة سنية في السادس والعشرين من آب عام 1877 بالموافقة على طلب مجلس الوكلاء(مجلس الوزراء) باعتماد ذلك النظام الانتخابي، وفي الثالث عشر من كانون الأول عام 1877 تم افتتاح أعمال الدورة الثانية لهيئة المبعوثان والتي تزامن عقد جلساتها مع استمرار اندلاع المعارك بين الدولة العثمانية وروسيا،،
في الرابع عشر من شباط عام 1878 صدرت إرادة سنية بتعطيل العمل بالدستور وتعطيل عمل هيئة المبعوثان والإبقاء على عمل أعضاء هيئة الأعيان، وذلك بسبب كثرة الانتقادات التي وجهها أعضائها ضد الحكومة العثمانية بشكل عام وإجراءات السلطان العثماني المخالفة للدستور بشكل خاص،وتم نفي الكثير من أعضاء هذه الهيئة خارج البلاد
هكذا تم تعطيل أول تجربة لنظام الحكم (الدستوري البرلماني)في الدولة العثمانية والولايات التابعة لها، والتي لم تدم -بمجموع جلسات مجلسها العمومي- سوى خمسة أشهر وعشرون يوما، وعاد السلطان العثماني ليحكم البلاد حكما مطلقا لمدة ناهزت الثلاثون عاما، مع التنويه بان هذه التجربة يمكن عدها نقطة الانطلاق نحو تهيئة أذهان عامة الناس وتدريبهم البعض منهم على المشاركة في الحكم وان كان ذلك بصورة شكلية ومحدودة.
ثالثا:-انتخابات عام 1908 (الثالثة)
نتيجة لتدهور الأوضاع الداخلية والخارجية للدولة العثمانية، اندلعت ثورة تموز عام 1908 بقيادة (جمعية الاتحاد والترقي)، والتي أرغمت السلطان عبد الحميد الثاني على إصدار إرادة سنية بإعادة العمل بالقانون الأساسي (المشروطية الثانية)، وإعادة العمل بقانون انتخاب أعضاء هيئة المبعوثان السابق، حيث أنشأت الجمعية حزبا سياسيا خاصا بها حمل الاسم ذاته، وفتح فروعا له في مختلف الولايات العراقية بهدف تهيئة قوى انتخابية تعضد مرشحيه لعضوية هيئة المبعوثان المرتقب.
في الرابع والعشرين من تموز عام 1908 صدرت إرادة سنية تدعو الى إجراء انتخابات هيئة المبعوثان، ولما كان عدد الأهالي الذين يعرفون أصول الانتخابات قليل قياسا بعدد السكان، باشرت بعض الجرائد بنشر وشرح تلك الأصول الانتخابية، وفي العشرين من أيلول من العام ذاته أعيد نشر قانون الانتخابات السابق مع إضافة بعض التعديلات عليه، حيث اعتبر كل لواء دائرة انتخابية بنسبة تمثيل نائب واحد لكل خمسين ألفا من الذكور العثمانيين الذين يدفعون ضريبة لخزينة الدولة سواء كانت قليلة أم كثيرة.
لقد اوجب القانون الانتخابي تنظيم سجلات بأسماء الذكور العثمانيين مع ذكر تاريخ ولادتهم، على ان يبدأ تنظيمها في الأول من شهر ايار وينتهي في أواخر شهر حزيران، ومنحت دوائر البلدية و مختاري المحلات الذين يتبعونها بطبيعة الحال دورا في الإعداد لتلك الانتخابات من خلال نشر قوائم الناخبين وتبليغهم بالأوامر الصادرة عن طريق المختارين، فضلا عن ترأس مدير البلدية للهيئة التفتيشية الانتخابية التي تقوم بتدقيق القوائم الانتخابية ومراقبة سير الانتخابات، كما منح الرؤساء الروحانيين للطوائف الدينية الثلاث(الإسلامية، واليهودية، والمسيحية) دورا في عملية ضبط وتدقيق سجلات الناخبين، هذا وتقرر منح أجورا يومية لأعضاء اللجان التفتيشية.
أما الترشيح للمبعوثية فيكون وفق إحدى الطرق الآتية:-
•ان يرشح الشخص نفسه بعريضة يقدمها الى الوالي.

  • ان يتم ترشيحه من قبل جمهور من الأهالي بعريضة موقعة من قبل (300) رجل او أكثر.
    •ان يتم ترشيحه من قبل الحزب الذي ينتمي إليه.
    بموجب هذا القانون أصبحت الانتخابات تجري على مرحلتين، في الأولى يقوم الذكور المسموح لهم بالانتخاب باختيار شخصيات معينة حددت لهم من قبل الجهات الحكومية بعد ان يتم تشكيل هيئة تفتيشية انتخابية تكون تحت إشراف موظف مختص وعضوية رئيس مجلس إدارة الناحية ورؤسائها الروحانيين للإشراف على الانتخابات، و يتم تقسيم الفائزين على شكل مجموعات بحيث لا يتجاوز عدد المجموعة الواحدة ثلاثمائة شخص، ثم يحدد لهم موعد لإجراء الانتخابات حيث يقوموا بتدوين أسماء الشخصيات الراغبين بانتخابهم على ورق خاص مختوم يتم وضعه في صندوق خاص(وهؤلاء يطلق عليهم اسم المنتخبون الأولون)، بعدها يتم فرز الأصوات و يحصل الفائزون على مضبطة من الهيئة التفتيشية الانتخابية المشرفة على تلك الانتخابات تؤيد فوزهم لغرض إرسالها لنظيرتها في القضاء لتحديد موعد إجراء انتخاب الشخصيات التي ستكون أعضاء في هيئة المبعوثان (وهؤلاء الناخبون يطلق عليهم تسمية الناخبون الثانويين)، اذ سيتم منح الفائزين مضابط مصدقة من المجالس الإدارية في الأولية لغرض عرضها على هيئة المبعوثان عند عقد اجتماعها.
    بدأت الانتخابات في شهر تشرين الثاني عام 1908 وانتهت في شهر كانون الأول من السنة ذاتها في عموم ولايات الدولة العثمانية، وفي السابع عشر من كانون الأول من العام ذاته عقد المجلس العمومي أولى جلساته بحضور مائتان وستون عضوا، منهم مائة وتسعة عشر عضوا تركيا واثنان وسبعون عضوا عربيا، منهم سبعة عشر مبعوثا عن الولايات العراقية الثلاث(الموصل وبغداد والبصرة)
    وصف الشاعر معروف عبد الغني الرصافي عودة العمل بالدستور العثماني بعدد من أبيات الشعر التي جاء منها قوله:-
    يا أهل بغداد متى ينجلي هذا العمى عنكم وهذا الفتور
    قد اعلن الدستور ولكنكم لم تظفروا منه ولا بالقشور
    يقول من شاهد مبعوثكم سبحان من يبعث من في القبور
    عن مجلة كلية التربية ــ جامعة كربلاء

اقرأ ايضا

لويس ماسينيون في زيارته الاولى الى بغداد عام 1907 وبدء الصلات الأدبية مع علمائها..

كامل داودليس من الغريب ان يقترن اسم المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون بالصوفية والمتصوفين، وتحديدا باسم الحسين …