زيد الشهيد
للمدن تواريخ .. وللتواريخ بصمات تأتي بها الذاكرات البشرية لتسكبها على الورق . وعندئذٍ يحصل الحفر على صوان الزمن فيتم الحفظ .. تستحيل الحكايات الشفاهية كتباً .. والكتب شاهدات على وجود مدن واحداث . فالمدن مكتبات تجمعها رفوف الجغرافية ، ويبوّبها أمين رصين وحكيم نافذ البصيرة هو التاريخ .. إن الذي تحفره المدن على جسدها متمثلة بالأحياء والبيوت والشوارع ، بالأسواق والمحطات والمتنزهات لهو الوشم الحي الذي يشير إلى وجود يعرض تفاصيله على العين البشرية القادمة من أجل التطلع والتمعن ، وقد تتقدم الى الرغبة في السكن فتستحيل لَبِنة من لَبنات حياةِ المدينة. .
بسقوط بغداد ، المركز الاشعاعي الاول في العالم بالعلم والمعرفة والحضارة والرفاه والاستمتاع بالعيش وهناء الاقامة في عام 1258 م على يد المغول وانطفاء شمسها الوضاءة المبهرة للبشرية في كل اصقاع العالم وانتهاء حكم بني العباس دخل العراق نفق العتمة الذي سيدوم اكثر من اربع مائة عام . نفق كانت ابتداءاته تُظهر جيوشاً كالجراد الأكول يتمثل بالمغول والتتر ووحشية قبائل الخروف الاسود ” قره قوينلو ” والخروف الابيض ” الآق قوينلو ” مدفوعين بشراهة جنونية وأطماع لا حدود لها تتجاوز سعة الحلم .. تُقتَحم بغداد فيعاث بجمالها تشويهاً ، وبكبريائها تهشيماً … يأتي الغزاة من احراش وسط آسيا الموبوءة بالجهل والبدائية ليفسدوا بساتين بغداد ويلوثوا دجلتها العذب . يتحولون الى الفرات فيشبعون أمواهه بادران اجسادهم ؛ حتى إذا ظهر بنو عثمان وهم يرفعون لواء الاسلام ظاهراً ويدعون الى تعظيم الدين بهتاناً خفقت بيارق الظلام وتطيَّر التاريخ من قرون ستكون أحلك ما يمر بها جبروتهم حيث التهموا الاعوام مدفوعين بروح التوسع ، ومفعمين بشعور انهم القادرين على الوصول الى أيةِ جغرافيةٍ يرتأونها ، وأي موقع يثير انتباههم .. وكان لهم ما أرادوا.
وكان الجزءُ العظيم من ارادتهم ضم العراق بنهريه العذبين ، وسهوله الغنّاء ، واراضيه المتباهية بخصوبتها ، ونتاجه الذي لا تضاهيه أرض وفرةً وكثرة … فكان قدر بغداد أن تكون بقرة حلوب لآل عثمان بسلاطينهم ، وأمرائهم ، ومماليكهم . ويتلقى ظهر العراق لفح سياط البغض والعنجهية أنّى شكى ، وأنّى توجع وأنَّ . فعمَّ الخراب ، وساد العبث ، وانكفأ أهل العراق على وجوههم يكدون ويكدحون من أجل تمتُّع سلاطين بني عثمان بقيانهم وغلمانهم … ولم تبزغ شمس انتشاله من البراثن النابتة كالشوك والمتغلغلة كالجذور المتعفنة الا مع ابتداءات القرن العشرين .
ومع تلك الابتداءات التي دعت العراقي الى رفع رأسه تبين انه لم يكن إلّا قْينا وعبداً جثموا على اجياله السالفة بكذبٍ وزيفٍ ومراءات انطلت على الكثيرين واصبحت عُرفاً يُعاش ؛ ليس من اليسر التخلص منه ونزعه من الجسد العليل … رفع العراقي رأسه فوجد العالم أمامه يزهو ويكد ويحث الخطى لقطف ثمار النور بنفسٍ يحدوها الكبرياء ، ويصاحبها الجلال فتهتف بالعظمة . واكتشف أنه من أجل اللحاق به أن يعدو عدو الغزال ويصبر صبر جمل الصحراء . فكيف يعدو وهو العليل الخاوي المنهك ؛ وكيف يصبر هو الذي نضب من أية قطرة عرق تعيد له عزمه على البقاء بهويته الانسانية ؟!
وإذ تبنى المدن على ضفاف الانهار بناء على حاجة يومية للماء ؛ وإذ يتحكم العامل الاقتصادي في تشكل المدن تتشكل الحياة بناء على رغبة في الديمومة والتواصل . فتتسع هاته المدن أو تتضاءل او تبقى على كينونتها آن وجدت .. وبتناثر المدن وتباعدها ينمو الارتباط على جغرافية الوطن .
إذاً الماء والاقتصاد هما ما يلعبا في ولادة المدن واستمراريتها في صيرورة البقاء .. إنَّ تنامي الاواصر المحكومة بالتجانس والتعامل على اساس حسن النية هما اللذان يؤشران مستقبل يبشر بالرضا ويؤمىء بحياة اكثر هدوءاً وأقل توتراً .
المتنبي قال « تركنا من وراء العيس نجداً // ونكبنا السماوة والعراقا « .. وسماوة المتنبي كانت البادية الممتدة من ارض العراق الغربية الجنوبية دخولاً الى ارض الشام وباديتها حيث لا حدود جغرافية تفصل هاتيك البادية كما هو الآن فتجعل بادية السماوة مقسمة بين بلاد العراق وبلاد سوريا حسب تقسيم اتفاقية ( سايكس – بيكو ) في العام 1916 . أما السماوة الحالية التي تمثل مركز محافظة المثنى فهي مدينة استبشرت بالبادية الام واستعذبت تقمص اسمها .. فصار الاثنان رديفين ، اورد ذكرها المتنبي في صورتين شعريتين منفصلتين :
سلي عن سيرتي فَرَسي وسيفي ورمحي والهلمَعةَ الدِّفاقاً
تركنا من وراءِ العيسِ نَجداً ونكَّبنا السماوةَ والعراقا
كذلك اورد اسم ” السماوة ” في رائيته التي يصف فيها تدمير سيف الدولة للقبائل العدوة التي حاربها :
يرونَ الموتَ قدّاماً وخلفاً فيختارون والموتُ اضطرارُ
اذا سلكَ السماوةَ غيرُ هادٍ فقتـــلاهُم لعينــــــيهِ مَنــــــــارُ
وكانت في ما مضى وقبل قرون (( أرض مستوية لا حجر فيها )) على حد تدوين ياقوت الحموي في كتابه ( معجم البلدان ) الذي كتبه في العام 1429 ميلادي ؛ وهي (( فلك البروج ، السامية العالية )) كما اوردها المُنجد ؛ وكانت قبل الاسلام تُعرف بـ ” أُليس ” ، واتخذتها الجيوش العربية التي تولت نشر الاسلام باتجاه الشرق والشمال محطةَ استراحة وتجمع المقاتلين من القبائل العربية في حربهم مع الفرس ؛ وكانت يوم كان اسمها ” أُليس ” مقاماً لمثنى ابن حارثة الشيباني ” في دعوته القبائل للجهاد ” من أجل نشر الاسلام كما أورد ذلك البلاذري .
وفي العهد العثماني أشير اليها بوثيقة مؤرخة في العام 1494م تصفها بأنها قرية زراعية تقع على شط العطشان وهو نهر الفرات الأصلي الذي تحول عنها عام 1700 إلى مجراه الحالي اثر فيضان كبير غمر المنطقة .. كما أنها خضعت لسلطة الصفويين عام 1662م في زمن الشاه عباس الأول وعززوا حمايتهم العسكرية فيها عام 1625 م بعد انتصارهم على بكر صوباش .. وقد اصبحت في فترة من حكم بني عثمان مركز محافظة تتبع لها الديوانية . كان ذلك قبل الفرمان السلطاني بتقسيم العراق إلى ثلاث سناجق إذ تم بموجبه الغاء المحافظات واعتبارها منطقه تابعة إلى سنجق البصره … وفي عام 1758 م مر بها الرحالة الطبيب البريطاني ايفز وجماعته في طريقهم من البصرة إلى الحلة فمر بنهر ” الكريم ” الحالي وكان المجرى الأساسي الجنوبي للفرات حينذاك فوجدها بلدة مسوَّرة بيوتها من طين . كما ذكرها الرحالة الألماني ( نيبور) في العام 1765 وهو في طريقه إلى النجف الأشرف فبغداد مشيراً إلى أنها مدينة مبنية من الطين وفي باديتها ملح كثير . وتنتشر في المنطقة المواقع الأثرية إذ أن عددها قد بلغ 33 موقعاً اثريا تتراوح أزمانها بين 3200 ق.م إلى العصور الإسلامية الحديثة .
والسماوة المدينة التي تأخذ موقعها الحالي وتتوسع كما يتوسع نبات الفطر ليست هي السماوة الأم .. فالأم كانت يوماً على نهر العطشان الذي يقع غرب المدينة الحالية ؛ وهذا النهر شأنه شأن الأنهر الفرعية معرضة للضمور والجفاف قد توارى عن الخارطة وصار اسماً إذا جيء ذكره رفعت السبابة لتشير الى جهة الجنوب ، إلى حيث ارض جرداء تتناثر عليها بيوتات ريفية ويتوزع على مبعدة منها مزارع شاحبة تتوخى حضور الماء مرفوعاً بجرادل من آبار تُحفر لفترة لا تطول ؛ ثم تنضب وتجف مع مرور الاعوام ليباشر بحفر أُخر . والمدن كما اشرنا تتشكل – كأحد عناصر التشكّل – على اساس وفرة المياه ؛ وخصوصاً حين تكون المياه انهاراً . والاكثر أهميةً عندما تقع على مفترق طرق ؛ أي تربط مواقع جغرافية يسكنها بشر في كيانات قروية أو تجمعات عائلية تحترف الزراعة وتربية الثروة الحيوانية .
وبذلك اتخذت السماوة وجودها الحالي على ضفة الفرات .. وصار لها هوية ، واسماً ادارياً ” قضاء ” تابعاً للواء الديوانية ، يرأسه ويديره قائمقام حتى العام 1969 عندما صدر قرار من الحكومة المركزية باستحداث محافظة تكون ” السماوة ” مركزاً ، تلتحق بها اقضية ونواحي .
اقرأ ايضا
في ذكرى رحيله في 16 اذار 1945معروف الرصافي شاعر “مجهول”
إبراهيم العريسيا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرمناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوموتأخروا عن …