احمد مجيد الحسن
يُعد (محمود صبحي الدفتري) أحد رجال الإدارة والقانون والسياسة في العراق، عاصر العهد العثماني والملكي والجمهوري في ادواره الأربعة، وتولى أعلى المناصب في العهدين العثماني والملكي.
عاش فترتين حاسمتين من تاريخ بغداد وتاريخ العراق، فقد جاء الى هذه الدنيا اواخر القرن التاسع عشر وعبره الى القرن العشرين.
في سنة1951 اتصلت به كلية الحقوق في بغداد للحديث عن ظروف تأسيسها وما رافق ذلك من حوادث وأمور، لأنه أول منتمٍ الى مدرسة حقوق بغداد1 التي افتتحت سنة 1908 في زمن الوالي العثماني (ناظم باشا)2، وقد دونت حينها نقلاً عنه، على أمل نشرها في دليل الكلية الذي سيصدر في ذكرى تأسيسها، الّا أنها لم تُنشَر.
في أيلول 1960 اتصلت جريدة الاهالي3 العراقية بالسيد (الدفتري) ليحدثهم عن تأسيس كلية الحقوق العراقية، بمناسبة مرور (52) سنة على تأسيسها ، لأنه عاصر تأسيسها، وعلى علم بظروف تأسيسها، ولأنه أول من سجل فيها، فعلمت الجريدة منه أنه سبق وان زود كلية الحقوق بتلك المعلومات سنة 1951، فاستطاعت الجريدة الحصول عليها ونشرتها في ثلاث حلقات جريدة الأهالي البغدادية .
ولمرور زمن طويل على نشرها، ورداءة طباعة الجريدة وورقها السريع التلف، وصعوبة الوصول اليها وتعرض مجلد الجريدة المحفوظ في (دار الكتب والوثائق ) الى التلف بمرور الزمن، ابادر الى نشرها كاملة.
وقد عملت على تحقيق المذكرات فضلاً عن تصحيح الأخطاء المطبعية وغيرها وشرح ما يحتاج الى شرح، والتعريف بالأعلام والأماكن والحوادث بصورة موجزة في الهوامش.
وبهذه المناسبة أود ابين أنى كنت أتمنى لو أن السيد (الدفتري) كان قد دون آراءه وملاحظاته أو مذكراته بصورة عامة عن معظم ان لم اقل جميع الاحداث والأوضاع التي عاصرها وشارك فيها لمدة تزيد على نصف قرن، لاسيما أنه تولى مناصب عليا مهمة كوزارة والعدلية والخارجية والمالية وعضوية المجلس النيابي والاعيان في العهد الملكي، فضلاً عن الوظائف التي تسنمها في العهد العثماني، لكان قد ترك لنا ثروة علمية وتاريخية لا مثيل لها، قياساً على:
- ما أفاد به عند تدوين ذكرياته عن تأسيس مدرسة حقوق بغداد، لما فيها من دقة وصدق في سرد الاحداث وتحليلها، على الرغم من مرور مدة طويلة على أحداثها.
- ما سرده من أحاديث وذكريات لجلاسه في (ديوان الدفتري) عن سلاطين آل عثمان الذين عاصرهم أو الماضين التي كانت اشبه بالمحاضرات التاريخية، كحضوره على سبيل المثال تشييع السلطان (محمد رشاد الخامس) وتنصيب أخيه السلطان (محمد وحيد الدين السادس) في قصر يلدز المنيف وما كان يردد اثناء تنصيب السلطان من قول (أيها السلطان انت عظيم ولكن الله أعظم منك. أيها السلطان انت عظيم ولكن الله أعظم منك) وما يعنيه هذا القول من حكمة وعظة.و كذلك ما رواه عن ولاة بغداد – لأن معرفته بهم لا يدانيه فيها مدان – الذين عاصرهم وعمل معهم أو الذين سبقوه. وعن الادباء الاتراك الذين وثقت معرفته وعلاقته بهم سواءً في إسطنبول أم في بغداد، وغيرها من المعلومات والأحاديث المهمة والطرائف عن تلك الحقبة من الزمن، التي أورد بعضها (مير بصري)4 في كتابه اعلام التركمان والادب التركي في العراق الحديث5 ، وأغلب الظن أن (مير بصري) قد دون تلك الذكريات في حينه عندما رواها (الدفتري) في مجلسه أو التي سمعها منه شخصياً خارجه6 لأنها حوت من المعلومات والتواريخ التي لا يمكن الإحاطة بها بعد مرور السنين دون تدوين، والتي قال عنها “هذا غيض من فيض من ذكريات الدفتري ورواياته، ولو شئنا تدوينها جميعاً لملأنا مجلدات ضخمة”.
ويمكن أن نعد ما أورده (مير بصري) في كتابه هو جزءٌ ثانِ لهذه المذكرات، بل هو الأول لأن ما أورده فيها يسبق زمنياً ما في هذه المذكرات التي ابتدأت احداثها سنة 1908. - ما جاء في لقائه المطول مع الصحفي (عادل العرداوي)8 في مجلة امانة العاصمة9 العدد(18) سنة 1978، وهو لقاء مهم افاض فيه (الدفتري) عن مشاهداته وذكرياته عن الحوادث التي مرت به لاسيما في العهد العثماني فقد سرد بوصف دقيق كيف ينصب ولاة بغداد عند صدور (الفرمان الهمايوني) اي المرسوم السلطاني بتوليتهم يوم كانت بغداد ولاية تابعة للسلطان العثماني في اسطنبول، بذاكرة صافية نقية اثارت دهشة الصحفي لأنها تصدر عن شخص ناهز التسعين من عمره. ووصف حالة بغداد في أواخر العهد العثماني وما كانت عليه من تخلف في نواحيها المختلفة. وكما قلنا سابقاً كلها رواية شاهد عيان لم ينقلها عن غيره.
وبناءٍ على ذلك فاني اكرر القول لوكان (الدفتري) قد دون مذكراته، لاسيما وهو يحتفظ بذاكرة مازالت طرية ومتوهجة، وهو اديب متمكن كما نقل عنه، لترك للمكتبة ولدارسي تاريخ العراق في نهاية العهد العثماني والقرن العشرين مادة غنية تسهم في اضاءة احداث تلك الحقبة الزمنية.
فهو صورة حقيقية للماضي القريب الذي لا يعرف من اسراره ابناء هذا الجيل سوى النزر القليل.
وختاماً يجب أن نقر بفضل (بصري) و(العرداوي) عندما حفظا لنا تراث (الدفتري) المروي، وبفضل كلية الحقوق في بغداد ثم جريدة الأهالي اللتين استخرجتا هذه المعلومات القيمة من مكامنها.
أهمية المذكرات
لمذكرات (الدفتري) أهمية كبرى في معرفة ظروف تأسيس مدرسة حقوق بغداد سنة 1908، لأن صاحبها هو أول من انتمى الى المدرسة وكان شاهد عيان على تأسيسها، بل على مرحلة ما قبل تأسيسها لأنه كان موظفاً في مكتب (ناظم باشا) والي بغداد ومؤسس المدرسة،
فلقد جاء في مذكراته، أنه تحدث عن تأسيس المدرسة تحدث المطلع على تفاصيل الأمور، وأن مبعث ذلك اشتغاله في مكتبه في الهيأة الإصلاحية، من يوم تسلم الباشا مهام الولاية بالوكالة الى مغادرته العراق أي نحو ثلاثة أشهر، أي أنه يروي ما رأته عيناه دون نقل عن الآخرين.
ولم تقتصر المذكرات على ذلك، بل رأيناه يرسم صوراً قلمية ناطقة عن بدء الدراسة في مدرسة الحقوق وتطورها وكيفية أداء امتحاناتها واحتفاء الأهالي بتأسيسها.
وتزداد المذكرات أهمية لأننا من خلالها نتمكن من دراسة أحوال العراق السياسية والإدارية والتعليمية في العراق في مطلع القرن العشرين، لان (الدفتري) تحدث حديث العارف عن الإدارة في العهد العثماني وكيفية سير الأمور في دواوينها.
فترجمته مثلاً لـ(ناظم باشا) والي بغداد، كانت ترجمة وافية لا تجدها في مصدر آخر، لاشتغاله معه في بدء حياته الوظيفية كما مر بنا سابقاً، ولقربه منه.
ويلاحظ في المذكرات الذاكرة الفائقة (للدفتري) في سرد الحوادث على الرغم من مرور ما يقارب نصف قرن على احداثها وكأنه يقرأ في كتاب مفتوح، فقد أورد في مذكراته حفل افتتاحها بالتفصيل الدقيق وأورد أموراً وحوادث تفصيلية عن سير الدراسة فيها ومحاولات والي بغداد (جمال باشا) لإغلاقها وموقف الطلبة والأهالي للحيلولة دون ذلك، مع ملاحظة الدور المحوري (للدفتري) في كل ذلك.
إن موقف أهالي بغداد ومن ورائهم العراقيون من استمرار المدرسة والحيلولة دون غلقها، يبين رغبتهم الصميمة في اللحاق بركب الحضارة وإعادة امجاد بغداد التي أصغى لها ولعلمائها الدهر.11
إن الموقف الصلب لطلاب مدرسة الحقوق وهم في أول مرحلة الشباب تثير الاعجاب والعجب، لأنهم تحدوا الوالي العثماني (جمال باشا) في عقر مكتبه، على الرغم من العنجهية والقسوة المفرطة التي عرف بها، وأسوأ مثال على ذلك تعليقه عدد كبير من أحرار الشام على اعواد المشانق دون رحمة أو رأفة.
ويجب أن يلاحظ أن هذه المعلومات لم ترد في أي مصدر آخر، لولا بقاؤها في ذاكرة (الدفتري) التي دونت عنه سنة 1951.
ومما يزيد من قيمة المذكرات حضور الصحفي والاديب (روفائيل بطي)12 جلسة تدوين المذكرات وتساؤلاته مع (الدفتري) عن بعض الأمور المهمة، وترحيب (الدفتري) بحضوره وعده مشرفاً على ذلك، لأنه أحد مثقفي وادباء بغداد فضلاً عن كونه من خريجي مدرسة الحقوق، وإن كان بعد مدة من تأسيسها. ومما يجدر ذكره ان معظم المعلومات التي وردت في المذكرات قد انفرد (الدفتري) بإيرادها ولم ترد في مصادر أخرى، لأنه كان معاصراً لها ومشاركاً فيها كما قلنا في أحيان كثيرة، وبذا تزداد أهميتها.
إن البحث في تاريخ مدرسة حقوق بغداد وتأسيسها، هو أمر لازم لمعرفة الاصول الحقيقية لنشأة التعليم العالي في العراق في العصر الحديث، وان الاستفاضة في سرد تفاصيلها هو لتبيان معاناة العراقيين ورغبتهم تملك ناصية العلم، ومذكرات (الدفتري) هي خير معبر عن ذلك.
من مقدمة المذكرات التي سننشر بعض فصولها في ملحقنا .