حوار: إبراهيم حمزة
لا أحب من يكتبون وكأنهم أسرى محتجزون في مفاعل نووي يوشك على الانفجار الأكثرية من النساء استسلمت للمكوث في منطقة التبلّد وخدر الحواس أصاب بالحسرة عندما أرى حشوداً من النساء المنتقّبات فى حرم الجامعات الكاتب الحقيقى لن يحصل على الراحة حتى لو أراد ” القاهرة القديمة تأخذ بالألباب، هى الاستعارة الكبرى عن العصر المملوكى… صوت نجيب محفوظ ينبثق من الأزقة الضيقة، نزهة فى النيل، نهر السماحة والفيض، تأخذنى إلى دجلة» من كتاب «لطفية الدليمى» «مدنى وأهوائي” .
وهكذا نحن أمام عدد هائل من المجموعات القصصية، بجوار روايات بقيمة «نساء زحل» «عشاق وفونوغراف وأزمنة» وأخيراً «مشروع أوما» ثم باب مفتوح على اتساعه لمترجمات علمية وأدبية وفلسفية متنوعة، ثم مشروع كتابى يختص بالمرأة بشكل ثورى إنسانى، هذا جزء من قيم متعددة لكاتبة عراقية لا تتكرر كثيرا، كأنها استبدلت بحياتها كتبا، عن الحياة والنساء والسفر.
المبدعة العراقية «لطفية الدليمى» فى هذا الحوار مع «الأهرام العربي».
ماذا فى طفولتك وأسرتك دفعك للكتابة؟
سحر الرمز هو ما دفعنى للكتابة فى طفولتي، العالم لكلّ طفل هو سلسلة لا تنتهى من الرموز التى تتخفى وراء أقنعة الصور المرئية، كتاب “ألف ليلة وليلة” كان أول ما شدّنى إليه بغلافه العتيق وأوراقه المصفرّة، لم أفهم بالطبع ما الذى انطوت عليه حكايات ذلك الكتاب، وما كان يهمّنى ذلك، الطفل لا يسعى للفهم بقدر ما يسعى لتحسس مكامن السحر الخبيئة وراء الكلمات والصور، وهو ما يحفّز فيه دافعية التعلّم وامتلاك الوسائل اللازمة لاختراق عوالم الكبار. يظلّ هذا (السحر الرمزي) ملهماً لى ومرشداً مؤتمناً حتى فى أيامى هذه وإن تغيّرت رؤيتى لوسائل التعبير الرمزى وأفانينه.
ولماذا تظل حياتك الشخصية منطقة غائمة نوعا ما؟
حياتى الشخصية فأنت تراها غائمة، هل هى حقاً كذلك؟ لستُ أدرى إذا كان المقصود عدم انكشاف تفاصيل حياتى الشخصية لتكون مادة للتداول العام، فأقول ليس ثمة الكثير مما يهمّ القارئ فى هذا الجانب لأنّ حياتى الشخصية حياة امرأة كاتبة اعتزلت الصخب العام، وكرست حياتها للعمل الجاد، وتجنبت الظهور فى التلفزة والمحافل العامة، قد تظهر جوانب منى ومن أفكارى، وتتداخل مع بطلات نصوصى، ولكن ما أسعى إليه دوما، هو أن تكون أعمالى الوسيط بينى وبين القرّاء العرب فى كل مكان.
أول ما يلفت نظرى فى مسيرتك الهائلة هو تعدد الاهتمامات، هل تشعرين بأن الكتابة قد تأخذ من المرء حياته؟
تعدد الاهتمامات هذا الذى تشير إليه لم يكن ملازماً لنشأتى المهنية الأولى إلا فى تعدد القراءات وتنوعها، صحيح أننى بدأتُ محبّة لفنون السرد (رواية، قصة قصيرة) والكتابة الصحفية ثم أعقب ذلك نشاط ترجمى راح يتوسّعُ مع الزمن؛ لكنّ تشعب اهتماماتى وتداخلاتها بين الأدب والعلم والفلسفة وتاريخ الأفكار بعامة بدأ قبل نحو عشر سنوات على وجه التقريب. دفعنى لهذا التنوع كتاب (الثقافتان The Two Cultures) للورد سي. بي. سنو وهو الكتاب الذى ترجمته لاحقاً وصدر بطبعتين مختلفتين: واحدة ككتاب ملحق بمجلة (الفيصل) السعودية، والثانية عن دار (المدى) العراقية ثم ترجمت كتاب (الثقافة) للناقد الثقافى تيرى إيجلتون وبعدها انغمست فى متابعة التفاصيل الثقافية والفلسفية لمفهوم (الثقافة الثالثة) الذى عرضه (جون بروكمان) فى كتاب ذائع الصيت له.
نعم بالتأكيد يمكن للكتابة أن تستنزف حياة المرء؛ لكنه استنزاف ممتع، أنت ما لم تشغف بشيء، فلن تمنحه حياتك، ولن تكون مستعداً لكلّ التضحيات اللازمة لهذا الشغف. الكتابة ليست لعبة مجانية نلهو بها فحسب، من ينشد اللهو لن ينجز شيئاً مؤثراً أو مفيداً.
مشقة الخبرات
لك تعبير لافت للنظر ويدعو للتأمل “الكتابة خصيصة أخلاقية” هل هذا تقديس لدور الكتابة؟
دعنا من هذه التوصيفات اللاهوتية المرتبطة بصفات مثل (التقديس) أفهم أنّ التقديس هنا يراد منه إعلاء الشأن والاستزادة من التقدير، لكن حتى فى هذا الإطار لا أحب هذه المفردات.
الخصيصة الأخلاقية التى أعنيها فى كلّ منشط كتابى هى أنك عندما تكتب فأنت تسعى – مهما كانت طبيعة كتاباتك – لتمرير حزمة من الخبرات إلى القارئ وكأنك تريد القول: أنا لديّ هذه الحزمة من الخبرات، وقد تحصلتها بمشقة، وأريد تمريرها لأجنّبك مشقة الحصول عليها، الكتابة الإبداعية تسعى لتقليل مناسيب الألم المرتبطة بتحصيل الخبرات فى هذا العالم. هذا إلى جانب فضيلتها الإمتاعية ثنائية (الخبرة/ المتعة) هى فى قلب كلّ فاعلية إبداعية.
- “الكون والحياة والوعى” هل يغير الزمن نظرتك لأى من أسئلتك التأصيلية الثلاثة؟
قد يكون التغيير بسبب قراءة كتاب جديد أو تحصيل خبرة جديدة من حوارية مع صديق أو الاستماع لبرنامج تلفازى أو إذاعى رصين، أو بسبب ترجمتى لكتاب يتناول أحد شئون هذه الكينونات الجوهرية الثلاث فى حياتنا البشرية.
حسب عنوان لحوارك المترجم مع “دوريس ليسنغ” هل يمكن فعلا للكاتب أن يبحر عمره كله فى بحيرة جميلة من السكون والسلام؟ هل الكاتب ابن التأمل أم التوتر؟
فى بداياته يكون الكاتب – وكل مبدع عموما – ميالاً للتوتر وعدم الاصطبار على إنضاج الأفكار والمفاهيم، إنها لعبة طوفان الأدرينالين!! ثم مع الزمن والخبرة نتعلّمُ الهدوء الجميل ومحاولة الإنصات لتلك النغمات الخفية فى عقولنا والكون، أرى أنّ مناسيب التوتر تقلّ مع الزمن مقابل تصاعد مناسيب الاستثارة التأملية الهادئة، مع تزايد حصيلتنا المعرفية وخلاصات تجاربنا، لا أحب من يكتبون وكأنهم أسرى محتجزون فى مفاعل ذرى يوشك على الانفجار.
لا يمكن العبور على هذا الزخم الضخم من الكتابة عن النساء لديك، إبداعا وفكرا، هل تغير الكتابة شيئا فى وضعية النساء العربيات؟
عندما أكتب عن النساء العربيات لا أتساءل كم ستغير كتاباتى من وضع المرأة العربية. لديّ دافع قوى للكتابة لا يمكن كبحه فى موضوعات ثقافية أو فكرة محدّدة. الكاتب هنا مثل الشجرة التى تحمل ثماراً كل سنة. هل حصل أن تساءلت شجرة: لا يطيب لى أن أحمل ثماراً هذه السنة، لأنّ من يتذوقون طيبات ثمارى لا يعاملوننى كما أريد .
قل كلمتك وامضِ ولا تلتفت لما يحصل الآن أو ما قد يحصل لاحقاً أوقنُ أنّ الكلمة الطيبة لابدّ أن يكون لها صدى طيب فى زمن قَصُرَ أم بَعُدَ.
ما الذى يحكم اختياراتك للترجمة؟ هل ترشيح دور نشر أو جهة أم اختيار شخصى؟ وهل تميلين للكتب ذات الصبغة الفلسفية؟ معظم الكتب التى ترجمتها هى اختياراتى الشخصية باستثناء كتابين أو ثلاثة رشحتها دار النشر التى أعمل معها (دار المدى العراقية).
أميلُ للكتب الفلسفية والعلمية (الفيزيائية بالتحديد) والأنثروبولوجية والكتب التى تتناول تاريخ الأفكار بعامة.
ولماذا ترجمتِ كتاب “الثقافتان” برغم سبق ترجمته؟
ترجمته لولعى الشخصى الكبير به، أعلم أنه كان مترجماً؛ لكنى فى ترجمتى لكل كتاب أعمل على خدمة الكتاب، عبر كتابة مقدمة وافية عنه وإضافة حوار مع المؤلف – لو وجد – فضلاً عن ترجمة مراجعة أو اثنتين للكتاب من تلك المراجعات المنشورة فى الصحف أو المجلات الثقافية العالمية الرصينة.
هشاشة الروح
«مدنى وأهوائى” كتاب مجمع لرحلات متعددة، لكنى أراه كتابا تعريفيا ثقافيا بالدرجة الأولى، ماذا أضفت لفن كتابة الرحلات؟
ما أضفته هو تعشيق فن الحكاية مع الرحلة بحيث تصبح الرحلة تمرينًا واقعيًا فى السرد الروائي. أنت عندما تقرأ رحلاتى لن تقرأ سرداً محايداً مكتوباً بعين ترصف المشهديات بطريقة تلقائية روتينية؛ بل كأنك تقرأ رؤى ثقافية وفصولاً فى رواية حقيقية.
“هشاشة الروح لدى النساء” هل قصدت فعلا فى “سيدات زحل” الكشف عن هشاشة المرأة العراقية والعربية عامة؟ هل تطور أحوال النساء العربيات يرضيك ؟
ساءت أحوال المرأة العربية – والمجتمع العربى بعامة – بطريقة ممنهجة منذ بدايات العقد الثمانينى من القرن الماضى وحتى اليوم.
زرتُ مصر فى ستينيات القرن الماضى وتجوّلتُ فى كبرى مدنها (القاهرة والإسكندرية) كانت النظافة والتنظيم والمرأة التى ترتدى موديلات نسائية بسيطة وغاية فى الأناقة هى المعالم الرئيسية التى لا تكاد تغادر ذهن الرائي؛ أما اليوم فأصاب بالحسرة عندما أرى حشوداً من النساء المنتقّبات فى قلب حرم الجامعات المصرية اغتيلت بدايات الحداثة المنشودة بكل قسوة، ما حصل فى مصر هو ذاته ما حصل فى العراق وسائر البلدان التى عوّلنا عليها لتكون مشاعل التحديث العربي.
ماذا يبقى لى وأنا أرى ما يحدث سوى أن أكتب عن تراجع حال المرأة العربية من جهة، وعن قوة ومقاومة الكثير منهن سواء فى روايتى (سيدات زحل) أم فى سواها، هناك بين النساء من تحاول تهشيم الفقاعة المصبوبة حول عنقها؛ لكنّ الأكثرية الساحقة من النساء استطابت المكوث فى منطقة التبلّد وخدر الحواس بما يبدو وكأنه تغييب طوعى للوعي.
مسرحياتك “الليالى السومرية – الشبيه الأخير- كوميديا سوداء – مسرحية الكرة الحمراء – قمر أور- شبح كلكامش ” هل اخترت الحوار مع الواقع من خلال القناع التاريخى؟
اخترتُ الحوار مع الواقع من خلال قناع تاريخى (شخصية ملحمية على طراز كلكامش مثلاً) مترافقًا مع إعادة تكييف السردية التاريخية لكى تصبح مطواعة لتمرير فكرة حديثة أريدُ إسقاطها على الواقع المعاصر، الموضوعات السياسية التى تتناولها الأعمال المسرحية لا يحبذ تناولها بطريقة احتكاكية خشنة وإنما عن طريق المقاربة الفكرية التي تتوسّم تفعيل ذكاء المشاهد وتنشيط ذاكرته البصرية لكى تتقن فنّ فك التشفير الكامن بين الأفكار الخبيئة فى ثنايا المشهديات المسرحية.
علاقتك بالشعر.. هل قتلتها الحروب والمجاعات والسفر الطويل.. أين الشعر فى حياة مثقفة كبيرة مثلك؟
أنا لستُ كائناً شعرياً بطبيعتى، برغم شعرية لغتى فى بعض أعمالى السردية الشاعر الذى أحب قراءته دوماً هو (ويليام بليك) الشاعر المتصوف الرسام والشاعرة (أنا أخماتوفا) ما أحبه فى الشعر أن يكون أقرب للصلاة الربانية: عندما تريد كتابة الشعر اكتبه بينك وبين نفسك وتلذذ به فى خلوتك، يبدو لى أنّ الشعر صار صنعة متاحة لكل راغب بشهرة متعجلة كما يحصل مع كتابة الرواية، بسبب ما قد يتوهمه البعض من عدم حاجة الشاعر والروائى إلى إعداد ثقافى واسع وتجربة عيش ثرية.
قلت فى حوار لك “لم يعلمنى أحد كيف أكتب، إنما كنت أكتب حسب” بشكل عام مَنْ من الكتاب العرب تحديدا كان له أكبر الأثر على اتجاهك وأسلوبك واهتماماتك؟
نجيب محفوظ : الذى جعل القراء العرب وغيرهم – وهم فى أمكنتهم – يتعرفون التضاريس القاهرية وحياة الناس فى مصر حين قدمها على نحو ملحمى ممتع وفريد وغير مسبوق.
محمود أمين العالم: المثقف الذى أرى أنّ كتابه (فلسفة المصادفة) كتاب غير مسبوق فى وقته (منتصف خمسينيات القرن الماضي)
زكى نجيب محمود: الفيلسوف النبيل الذى سعى لإشاعة الفكر العلمى والتفكر الفلسفى فى أوساط مجتمعنا العربي، وكان له دور مؤثر فى الصحافة والمجلات الثقافية العربية
فؤاد زكريا: مثال الفيلسوف متعدد الاهتمامات الذى سعيتُ لكى أتمثله.
هل يعتزل الكاتب؟ هل راودتك هذه الرغبة فى إراحة العقل؟
المسألة ليست مشروطة بالرغبة بل بالإمكانية أيضاً حتى لو أراد الكاتب الحقيقى طلب الراحة فهل يستطيع ذلك؟ قد يقبل بالابتعاد عن الكتابة يوماً أو يومين أو شهراً أو حتى سنة؛ لكنه فى النهاية سيعود للكتابة، الكتابة عند الكاتب الحقيقى, تصبح مثل رئة يتنفس عبرها, وعينا إضافية تعين بصره وبصيرته.
لا راحة فى الابتعاد عن الكتابة، هذا وهمٌ لن أقع فى مصيدة خديعته.
عن الأهرام العربي