من تاريخ المسرح في العراق في سنواته الأولى

لطيف حسن
مع انتشار المدارس في العراق، دأبت هذه المدارس، لاسيما المدارس الخاصة،الاهتمام بالمسرح المدرسي، نذكر منها مدرسة, (فرنك عيني) اليهودية على سبيل المثال التي كانت تقدم العروض باللغة الانكليزية.
انبهر الشباب العراقي المتنور من الطبقات العريقة والبرجوازية الناهضة، لاسيما أولئك الذين درسوا في تلك الفترة في اسطنبول، وتأثروا بما شاهدوه من عروض مسرحيه كانت تقدم هناك آنذاك (8)، وكذلك من الشباب الذي زار الشام ومصر التي شهدت برجوازيتها نهوضا أبكر، واطلعوا على بواكير العروض المسرحية هناك، إلى جانب متابعتهم لنشاط الجاليات التبشيرية التي كثرت في هذه الفترة لاسيما الجالية الفرنسية في الموصل بشكل خاص، التي كانت تشجع مدارسها المسيحية في بغداد والموصل على العناية بالفن المسرحي المدرسي لأغراض ل لا تنفصل بطبيعة الحال عن مطامع فرنسا الاستعمارية آنذاك بالعراق، لاسيما الموصل وهي تنتظر وفاة الرجل المريض، الإمبراطورية العثمانية.
كان التعليم في مدارس هذه الجاليات التي تضم أيضا طلابا عراقيين من المسيحيين والبعض القليل من المسلمين واليهود، لا يحصن المتعلمين من التأثر بهذا الشكل أو ذاك بالنهضة البرجوازية العربية القومية الطابع والعمل على التجديد في المجتمع الراكد، بل تشجع وتؤجج رغبات التغيير في نظام المجتمع العراقي الذي يعود إلى القرون الوسطى، بتدريسها ضمن مناهجها أفكار الثورة الفرنسية في العدالة والحرية والمساواة بين الناس.
أن المسرحية التبشيرية هي المسرحية الرائدة في العراق كما هو معروف لحد الآن، التي وضعها القسس والمعلمون في هذه المدارس، أو المترجمة عن المسرحيات الكنسية الفرنسية، وكانت تدور في إطار الأحداث الدينية التاريخية المنتزعة من العهد القديم والعهد الجديد.
يؤكد لويس شيخو أن الكلية اليسوعية في بيروت هي السباقة في تقديم المسرحيات العربية((كانت كليتنا أول من سبق إلى تشخيص الروايات العربية التمثيلية سنة 1882، فكان مديروها يختارون لذلك الوقائع الخطيرة ولاسيما الحوادث الشرقية ليرسخ في قلوب طلبتهم مع حب الوطن ذكرى تواريخ بلادهم، فمن جملة ما مثلوا(حكم هيرودوس على ولديه) و (استشهاد القديس جرجس) و (رواية صدقيا) ثم (داوود ويناثان) ومما اقتبسوه من تاريخ العرب رواية (ابن السموأل) ورواية (المهلهل) و(شهداء نجران) و(نكبة البرامكه) و(إخوة الخنساء) وكان للطلبة سهم واف في التأليف، إلا أن معظمها بقلم الآباء أو بعض أساتذة الكلية)).
وقد مثلت معظم هذه المسرحيات في المدارس المسيحية العراقية، بسبب الترابط المذهبي والمناهج الموحدة في هذه المدارس الموجودة في كل الأقطار العربية تقريبا، والتي كانت تدار من مركز واحد في لبنان، فقد قدمت مسرحية (جان دارك) عام 1906 على مسرح القاصد الرسولي في الموصل، ومثل طلاب مدرسة السمنير في الموصل مسرحية (الطيور الصغيرة) عام 1908، ومسرحية (ماركسان) في السنة ذاتها، وقد ترجمها عن الفرنسية مترجمان لبنانيان، كما ترجم الأب جرجس قنديلا مسرحيتي (الطبيب رغما عنه) و (المثري النبيل) لموليير عام 1908، ومثلتا على مسرح المدرسة الكلدانية في الموصل.
كان قيام الحركة المشروطيه في تركيا أثره البالغ على الشبيبة المثقفة في العراق، ووفرت الأجواء المناسبة لانتعاش أفكار التحرر الوطني بينهم، وشكل هؤلاء الشباب العديد من النوادي الاجتماعية التي قدموا من خلالها محاولاتهم الأولى في المسرح العراقي على نمط مشاهداتهم للأشكال المسرحية الوافدة، ومحاكاة لها، لكن بمضامين وأهداف سياسيه منسجمة مع تطلعاتهم الجريئة.
لقد ارتبط هذا المسرح منذ وفوده إلى العراق بالسياسة، وبالوعي القومي المنبعث من جديد، والداعي إلى الوحدة الوطنية والانتصار لروحها الفتيه، واستلهام التراث البطولي الذاتي الغابر لبث الثقة في النفس، في بلد كان مقسما إلى ثلاث ولايات (الموصل وبغداد والبصرة) تابعه إلى الإمبراطورية العثمانية السنية المذهب، تتحكم في الناس المنقسمة إلى سنه مواليه للخلافة العثمانية التي كانت قائمه، وشيعه تحرك روحها الطائفية إيران من الجهة الشرقية، وغزوات أتباع مذهب محمد عبد الوهاب الأصولي السني بفلول بدوه المغيرة من جهة السعودية، ولم نعثر لحد الآن على أي اثر مسرحي من هذه الفترة يلمح أو يدعو إلى الطائفية التي كانت عميقة في المجتمع، كان مسرحا منذ الولادة رافضا لهذه القيم تقدميا وعصريا ومع الحركة الدائمة إلى الأمام.
وقد حفظ لنا الأرشيف المسرحي العراقي التابع لمركز الأبحاث والدراسات المسرحية في العراق حوالي ثلاثين مسرحيه كتبت خلال هذه العقود الأربعة، وقد منعت السلطات العثمانية العديد منها من التقديم، فقد أوعز جمال باشا إلى المرتزقة بإيقاف عرض مسرحية (وفاء العرب) التي حاول (النادي العلمي الوطني) ان يمثلها بمناسبة قدوم الصحفي محمد رشيد رضا من لبنان، الذي كان من المقرر ان يلقي محاضره على جمهور المسرحية خلال الاستراحة.
ومنعت أيضا مسرحية (شهيد الدستور) من العرض لأمد غير معين، ولموانع اقتضت ذلك، – حسب ما جاء في الإعلان الذي نشرته صحيفة (الرقيب) في الأول من ربيع الآخر سنة 1327 هجريه.
وخلال هذه العقود الأربعة لا تتوفر لحد الآن أي معلومات، عن تشكيل فرق مسرحيه خاصة، وما قدم من الذي ذكرناه، فهي نشاطات ضمن النشاط المسرحي المدرسي السنوي الذي دأبت أن تقوم به جميع المدارس تقريبا، وأجواق الإخباري، والنوادي الثقافية التي تقف خلفها عادة جماعات سياسيه (14).
تكتب (مس بيل) رسالة إلى أبيها تذكر له فيها إنها حضرت مسرحيه وطنيه، قام بتمثيلها جماعه من الشباب الوطنيين،وتذكر كيف كان الحاضرون يصفقون كلما وردت كلمة (الاستقلال) أثناء التمثيل، وكيف إنها التقت في الحفلة بأشد أعداء الانكليز فصافحتهم بروح وديه.
نخلص مما تقدم، أن العقود الأربعة المذكورة التي شهدت دخول المسرح إلى العراق من مصادر مختلفة نجحت هذه النشاطات في خلق ذوق بسيط للمسرح عند نخبة الناس المتعلمة، ولم يتعدى ذلك، واعتبر عامة الناس ان هذا الدخيل بدعه وفرنجة دخيلة مخلة بالعادات والتقاليد الاجتماعية المتوارثة، وتخنيث للشباب (حيث كان الشباب آنذاك يقومون على المسرح بأداء الأدوار النسائية)، إلا أن الشباب المتنور والثائر على التقاليد والأوضاع التي كانت تحكم المجتمع، استغلت هذا الوافد كتحدي لهذا الواقع وحاولت استخدامه أيضا كأداة سياسيه تحريكيه، لذا كانت بدايات المسرح العراقي مرتبطة بالنخبة من طليعة الشباب المثقف، التي كانت تناضل من اجل التحرر والاستقلال والهوية الوطنية للعراق، انضم إليهم بعد ذلك نخبة من رجال الدين المتنورين المناوئين للاحتلال البريطاني الذين لعبوا دورا في ثورة العشرين.
تميزت نشاطات هذه الفترة بالموسمية والهامشية، وانحصرت داخل جدران المدارس ومنتديات النخبة، معزولة تقريبا عن الطبقات الشعبية الواسعة التي لم تكن في متداول يدها غير فنونها الفلكلورية الأصيلة المتوارثة (رواة السيرة، والقصخون، وخيال الظل، وطقوس الشيعة المهرجانية (التشابيه)التي كانت تقام في عاشوراء، وهي أصلا غير أصيله تماما وفدت أيضا إلى العراق متأخرا في زمن الحكم القجري في إيران، وترسخ بعد ذلك في ثقافة الشيعة من بدعه دخيلة في البداية إلى طقس من الطقوس الدينية الأساسية الآن عند شيعة العراق، والألعاب التي كانت تجري في الأسواق والساحات العامة في المناسبات والأعياد كألعاب السحرة والحواة والقراده والبهلوانيين واللاعبين على الحبال.. الخ من فنون الشارع التي كانت شائعة في المنطقة منذ القرون الوسطى)، لقد كان الناس لهم فنونهم التي يعبرون بواسطتها عن مشاعرهم ومواقفهم ورؤاهم وغضبهم إزاء الأحداث الهامة بشكل عفوي في أحيان كثيرة، فقد كان للشعر الشعبي و(الهوسه) دور تحريضي مشهود كما هو معروف في ثورة العشرين،
أن هذه الفنون الشعبية التي كانت تقام في الأفراح والمناسبات الدينية، التي انغلق عليها الناس ولم ينفتحوا على غيرها من الجديد الوافد من الخارج، لعبت دورا كبيرا في رفض وعرقلة انتشار المسرح الوافد في هذه الفترة، كونها كما فهمت انه ضد الدين وقيمه من جانب، وكونه مرتبط بعادات الفرنجة الكفرة الأجانب من جانب اخر (لم يكونوا يعتبرون العثمانيين أجانب لكونهم من ألامه الإسلامية). ولم يكونوا مقتنعين بالمروجين للمسرح من الشباب المائع من أبناء (الجلبيه) سادتهم الظالمين المستغلين.
عن (ملتقى الادباء والمبدعين العرب)

اقرأ ايضا

كيف نشأت مدينة الرمادي؟ .. اسسها مدحت باشا والي بغداد سنة 1869م

د.حسن كشاش الجنابيأهتم الباحثون وجغرافيو المدن بدراسة المدينة باعتبارها ظاهرة بشرية تختلف عن باقي الظواهر …