صفاء جبار صنكور
“كل المحبة. التي تليق بنا. وبزماننا النقي. الذي عشناه”
هذه آخر كلمات كتبتها شقيقة الروح وشريكة المعرفة والتوق للجمال مبدعتنا المُجيدة لطفية الدليمي في آخر مراسلة بيننا.
شابا يافعا اقترب من سن الرشد كنت، يخطو خطواته الأولى في عالم الأدب، خجولا، حييا، يتلعثم أمام رموز هذا العالم، ويترك نصوصه في بريدهم ويهرب بسرعة، خشيه أن يكتشفوا خجله وصغر سنه وتلعثمه أمامهم. هكذا دخلت الزمن النقي الذي تتحدث عنه شقيقة الروح (هكذا يحلو لي أن أسميها في كل مراسلاتنا) وكانت أم أيار من أوائل من أخذ بيدي ورعاني في خطواتي الأولى في عالم الادب والفن والصحافة، وليس هذا المهم، فما هو أهم هو أنها أمسكت بيدي بيد حانية وقادتني إلى الزمن النقي (الذي تحدثت عنه )، كان طية في زمن بلاد كانت تمور بالتحولات وتلاطم التوجهات السياسية وتغرق في سعار عنف الطامحين بالسلطة ومطامع الخارج ومؤمراته، كان زمنا ثقيلا بدأ يركد بأوحال وأوشال الصراع على السلطة والشك والمراقبة و ودوامة العنف والعزلة عن العالم الخارجي، لكن زمان النقاء كان في ذروته في مسار مواز في تلك الطية خارج الزمن العام، زمن تضامن لا يوصف، وصداقات نقية عظيمة، زمن عماده نقاء وطيبة وتوق لا يحد للخير والجمال ، لا تحتاج الإفصاح فيه بل الإشارة، لتكون في مأمن من الزمن الآخر الظالم.
كانت مجلة الطليعة الأدبية في مبنى دار الرشيد (دار الشؤون الثقافية لاحقا) في شارع الجمهورية بالقرب من الشورجة. كنت استجمعت كل قواي وقررت خوض المغامرة حاملا نصوصي من جديد إلى استاذي ومعلمي شاعرنا الكبير ياسين طه حافظ، الذي كان سكرتير تحرير المجلة حينها ( لقد رعا الحافظ خطواتي الأولى للدخول في زمن النقاء، عندما كنت صبيا طالبا في الغربية المتوسطة، تلك المدرسة النموذجية التي كان لها ولمعلميها العظام أبلغ الأثر في تكويني، كان الحافظ مدرسا للغة الإنجليزية، لكنه لم يدرسني مباشرة في المدرسة (كان صفنا يدرس في المختبر الصوتي لأستاذ نؤاس)، ولكن من أرسلني إلى قاعة استاذ ياسين طه حافظ (كانت القاعات حينها باسم الأساتذة على نظام الجامعة وليس الصفوف) هو استاذي في اللغة العربية، الباحث والمحقق التراثي المعروف موسى الكرباسي. (في زمن النقاء الذي تتحدث عنه لطفية كان المعلم مربيا وموجها وأستاذا يقود خطاك، ولا يكتفي بتدريسك المنهج المقرر، لذا عرفّني الكرباسي عندما رصد اهتمامي بالأدب الحديث وقرأ نصوصي التي كنت أكتبها في عمر مبكر، على مدرسين هما ياسين طه حافظ وخليل العزاوي ؛ مدرس الرسم الذي خصص لي زاوية ثابتة نحو ٢٠ دقيقة في آخر الدرس للحديث عن فيلم سينمائي بشكل ثابت اسبوعياً، فرسما مع الكرباسي مسار حياتي الإبداعي المقبل، بل ورشحني، وأنا صبي ، لأشارك في تحرير مجلة صوت الغربية التي كانت مجلة فصلية مطبوعة تصدر بأكثر من ١٠٠ صفحة ونشرت فيها قصتي الأولى مطلع السبعينيات. قال لي الكرباسي بكل تواضع: ابني أنا رجل مختص بالتراث ولا أفهم بالأدب الحديث الذي تكتبه لذا سأرسلك إلى استاذ ياسين المختص بهذا الأدب ليوجهك ويقود خطاك وكان استاذ ياسين هو شاعرنا الكبير ياسين طه حافظ، الذي استقبلني في قاعة درسه وطلب من طلابه ان يفتحوا صفحة من الكتاب المقرر ويقرأوا فيها ، ثم نزل من منبره في قاعة درسه وطلب من أقرب طالبين إخلاء رحلتيهما وجلس معي هناك يناقشني في قصة كتبتها وارسلها له استاذي الكرباسي حرفا حرفا ، عذرا لهذا الاستطراد الطويل، لكنني اجده ضروريا لتوضيح دور المعلم في زمن النقاء الذي عرفته وتتحدث عنه لطفية).
جئت لرؤية استاذ ياسين في المجلة بعد غياب اكثر أربع سنوات، حيث اكملت دراستي الثانوية في الإعدادية المركزية، لأطلعه على مسار تطوري ونصوصي الجديدة، وتعرفت يومها على أم أيار التي كانت في هيئة تحرير المجلة، والتي تحمست كثيرا لقصتي التي أعطيتها لها ونشرتها في اول عدد قادم من المجلة لتكون فاتحة لحياة طويلة في زمن النقاء، وشراكة في التوق للجمال والخير والحقيقة.
لقد رعت خطواتي الأولى،وكانت إلى جانب سيدة عظيمة ومبدعة اخرى هي ابتسام عبد الله مثل ملاكين رعيا حياتي وحلقا فوقي في لحظات حاسمة فيها، ويا للمفارقة ها هي لطفية ترحل في ذات اليوم الذي رحلت فيه ابتسام، حيث يحتفل العالم بيوم المرأة، وكأنهما صورتان لنوع ، آلهتين للخير والجمال من سومر أو بابل القديمتين، وليس مجرد امرأتين في هذا العالم .. عندما انظر في جدب حياتنا الآن أقول يا إلهي كم كنت محظوظا بوجود ملاكين حارسين مثلهما في حياتي.
عرفتني وأنا الشاب الحالم بالجمال والسينما على حالم أعظم تعلقت بعظمة الحلم وكِبره في عينيه وانكساره أيضا !، هو زوجها المخرج الكبير والمعلم الراحل كامل العزاوي (كان يحلم باكتمال الفن، وحاول ان يعطي للعراق / الأمة الناشئة حينها/ أوبراها أو قل ملحمتها الأولى عبر فن بصري هو السينما ، عبر عمله الملحمي الأول نبوخذ نصر وهو أول فيلم ملون عراقي، مطلع الستينيات .
وهناك في تلك الطية الصغيرة في زمن النقاء في ذاك المنزل الحميم غربي بغداد ، بدأت صداقتنا الحميمة وحواراتنا الطويلة، كنت ابنا أحباه وآمنا بحلمه ورعياه، لو رآني كامل اليوم لتعلق في عظمة الحلم في عيني وانكساره … يا للعود الأبدي.
ذاك المنزل ، فردوس لطفية الذي صنعته بيديها وتركت لمساتها في كل ركن وجدار فيه، جنتها الهادئة الصغيرة، التي واصلت زيارتها والاطمئنان على صحتها فيها ، حتى اللحظات الأخيرة (آخر ما أرسلته لي صورتي معها ومع الرجل الصعيدي الطيب الذي ظل يرعى المنزل وطلب منها يوما ما أن تصورنا معا للذكرى) . يا الهي كم شكل غياب هذه المنزل، جنة لطفية الصغيرة، ثلمة في الوجود بالنسبة لها، عمّقتها لاحقا تجربتها في الاغتراب في باريس؛ وهي صورة لخيبتنا جميعا من مغترباتنا الأوروبية، حيث احتيالات المهاجرين وظلام مللهم وطوائفهم وتعصب معاديهم من يمين متطرف واستغلال المؤسسات الرأسمالية الضارية؛ جنة شيطان موهومة، لا أوروبا التنوير التي تشربنا قيمها وحلمنا بمُثلها !! ( تخيلوا أن تٌُّسحل مبدعة ورمز لأمة في الشارع على أيدي مهاجرين طموحهم سرقة حقيبتها واللابتوب الذي فيها لتدبير عيشهم لبضعة أيام قادمة!! أين منك يا لطفية جنة النقاء الصغيرة وركن البيانو وطاولة الشاي والمكتبة الممتلئة، وذاك الفضاء الطافح بالطيبة والمحبة والنقاء والجمال!!)
في جنة لطفية الصغيرة، كان الجمال يُخدر كما الشاي الذي تُحب بهدوء وروية ونكهات مختلفة، أتذكر جلساتنا التي نتنقل فيها من غرفة الاستقبال وركن البيانو إلى غرفة المكتبة وطقس الشاي، وملحقها في الطابق الثاني، إلى الحديقة التي صممتها ركنا ركنا بورودها ونباتاتها النادرة، اعتدنا ان نتناقش مع أبي أيار حول السينما والموسيقى وما شاهدته أو قرأته مؤخراً؛ ثم أنسى صورة المناقش الجاد وأعود إلى صباي صبيا يتسلق تلك الشجرة الوارفة التي كنا نجلس تحتها، لأقطف لكم من ثمارها مستذكرا شجرة التوت الضخمة في منزل طفولتي التي أحدثكم عنها ثم ارمي لكم الثمار وسط ضحكاتنا جميعا،. أي براءة وأي نقاء، أليس من حقنا إذن ان نتحدث عن زمن النقاء وسط كل ذاك الخراب .. أجل كان زمننا الذي عشناه.
كنت اغبط لطفية على حيويتها وانتمائها إلى زمن النقاء الذي تعيشه أو تحلم به، ودأبها ومثابرتها العالية وإصرارها على الإنتاج؛ عكسي أنا الذي أغرق في الصمت والنسيان، لقد ملأت حياتنا ابداعاً وجمالا : قصة ورواية وترجمة ومقالات، ومجدها أنها تركت لنا وثائق ويوميات وكتابات إبداعية عن زمن النقاء الذي تتحدث عنه.
كتبت لي مؤخرًا في حوار ، ندمت لعدم قدرتي على مواصلته واضطراري لقطعه بسبب التزامي بالعمل ، “انت بالذات وحدك من المجموعة، بقيت تمثل لي عراقا مختلفا أحبه» .
وأرد اليوم ّ”أنت وحدك تذكرينني بعراق أحبه وزمن نقاء ، قطرناه نقيا خالصا قطرة قطرة، وسط كل ما كان يدوم حولنا من خراب وحروب وتداعٍ وتصدع في مجتمعنا وإنساننا وقيمه».
مبدعتنا المُجيدة، لطفية الدليمي، أم آيار الغالية، إلى لقاء قريب …. نحن لا نتذكرك بل نحن شواهد ذكراك وزمن نقائك الذي عشناه وسنظل نحلم به .
اقرأ ايضا
العراق ولطفية الدليمي و لعنة نبوخذنصر
سعد سلومفي إحدى المراسلات بيني وبين الراحلة لطيفة الدليمي، كنت قد أخبرتها أن عائلة المخرج …