لطفية الدليمي.. سيدة الرافدين التي أضاءت عتمة الكتابة

سمية آحمد *
تُعد الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي والتي رحلت عن عالمنا صباح اليوم واحدة من أبرز القامات الفكرية التي صاغت وجدان الأدب العربي المعاصر، حيث انطلقت مسيرتها من شغفها العميق باللغة العربية التي نالت فيها درجة البكالوريوس وعملت في تدريسها لسنوات، قبل أن تتحول إلى أيقونة صحفية ومدافعة شرسة عن حقوق المرأة.
أسست «لطيفة» العديد من المراكز الثقافية ومراكز الدراسات المختصة في شؤون المرأة ومنها منتدى المرأة الثقافي ومركز “شبعاد” لدراسات حرية المرأة، كانت تؤمن بأن “الحرية ليست هبة تُمنح، بل هي وعي يُنتزع من براثن القيود التي نكبل بها أنفسنا”، وهو ما تجسد في رئاستها لتحرير مجلات ثقافية رصينة ومشاركاتها الدولية التي نقلت صوت المرأة العراقية إلى منصات عالمية مثل معرض فرانكفورت ومعهد غوته.
الكتابة في حياة الدليمي
​وقد شكلت الرواية لدى الدليمي “طريقة وحيدة لعصيان الموت”، حيث آمنت بأن الكتابة هي محاولة لإضاءة العتمة التي تبتلع الحكايات المهمش، تقول الدليمي عن الكتابه :«الكتابة فعالية تلقائية، بمعنى أن الكاتب لا يسائل نفسه كثيرا عن دوافعه للكتابة؛ إنه يشرع في الكتابة بصرف النظر عن حقيقة المتغيرات الفيزيائية المحيطة به تماما مثلما أنّ الشجرة لا تسائل نفسها هل تثمر أم لا».
فهذا الرأي انعكس بشكل كبير على إنتاجها الغزير الذي بدأ بمجموعة “ممر إلى أحزان الرجال” وصولاً إلى أعمالها الكبرى مثل “عالم النساء الوحيدات” و”سيدات زحل”، وقد تميزت رؤيتها للأدب بكونه يولد من “العزلة الخلّاقة” ومن اللغة قبل التنظير، حيث كانت ترى أن المدن التي يغادرها المبدع لا تتركه أبداً، بل تسكن مسامه وتخرج في كلماته، ليكون الروائي في نظرها هو من يرمم بالكلمات تلك البيوت التي تهدمت في الواقع وبقيت في الذاكرة.
هذا الثراء في الكتابة ما بين القصة والرواية جعل أعمالها مادة غنية للدراسات الأكاديمية ورسائل الدكتوراه في مختلف جامعات العالم.
​وفي مجال الترجمة، لم تكن الدليمي مجرد ناقلة للنصوص، بل كانت “جسراً معرفياً” يربط الثقافة العربية بآفاق الفلسفة والعلوم العالمية، حيث آمنت بضرورة فتح النوافذ للرياح القادمة من المستقبل.
وتقول «الدليمي» عن المترجم :« المترجم هو كاتب آخر للنص لكن ينبغي إيراد بعض التفصيل في هذا الأمر، وأن الترجمة هي نقل جسم معرفي مكتوب بصيغة أفكار في سياق لغوي وثقافي محدّد إلى ما يقابله في لغة أخرى، وواضح أنّ كلّ لغة هي تركيب ضخم ومعقّد من العناصر النحوية والدلالية التي تؤثر في تشكيل النمط العقلي والسيكولوجي للناطقين بها ولا يمكن نقل ذلك النمط إلى لغة أخرى».
مؤكدة بتلك المقولات على أن الثقافة التي تنغلق على ماضيها تموت، ومن هذا المنطلق قدمت للمكتبة العربية ترجمات رصينة لمفكرين وعلماء وفلاسفة مثل ستيفن هوكينغ، كولن ويلسون، وفيرجينيا وولف، كما سعت من خلال ترجماتها إلى تقديم “فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة”، ومزج العلم بالأدب.
لتظل لطفية الدليمي حتى رحيلها في يوم المرأة العالمي رمزاً للمثقفة الموسوعية التي لم تكتفِ بوصف العالم، بل سعت بوعيها وقلمها لإعادة صياغته وجعل الإنسانية محور ارتكازه.
وعلى الرغم من رحيلها العراق إلا أنها لم تنسى قضية وطنها ومحل ميلادها وكانت دائما ما اعتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية إذ تقول عن من يقومون بتشريع القوانين في العراق :«هؤلاء القيمين على تشريع القوانين، لايحبّون العراق ولايكترثون بكلّ معالم الدمار التي حلّت به سواءٌ أكانت خبيثة مقصودة أم نتاجاً للجهالة والسفاهة واستباحة كلّ القوانين الراسخة والأعراف النبيلة».
وتتابع :«لستُ غافلة عن حقيقة أنّ بعض العراقيين تتمزق قلوبهم وهم يرون العراق الجميل يتراجع متخلفاً؛ وهؤلاء قلّة قليلة مغلوبة على أمرها حائرة تداري جراحها بصمت».
بتلك الكلمات كانت لطيفة الدليمي ولا تزال أيقونة من أيقونات الادب والصحافة والترجمة في الوطن العربي وربما رحلت لكن شمس معرفتها وكلماتها سيظل مشمسا في سماء الأدب .

  • كاتبة مصرية

اقرأ ايضا

العراق ولطفية الدليمي و لعنة نبوخذنصر

سعد سلومفي إحدى المراسلات بيني وبين الراحلة لطيفة الدليمي، كنت قد أخبرتها أن عائلة المخرج …