سعد سلوم
في إحدى المراسلات بيني وبين الراحلة لطيفة الدليمي، كنت قد أخبرتها أن عائلة المخرج محمد يوسف الجنابي عثرت في أرشيفه على نص لها وتود إعادته إليها. وكان مسلسلا عن نبوخذنصر.
فجاءني ردها الذي كشف جانباً عميقاً من روحها القلقة على هذا البلد.
كتبت لي يومها (عام ٢٠١٥) أن لهذا العمل حكاية طويلة أجهضتها الحروب. فقد كتبته ثلاث مرات، وفي كل مرة يبدأ الإنتاج ثم تندلع حرب جديدة فتتوقف العملية ويُسند العمل إلى مخرج آخر.
ومع كل محاولة كانت تعيد كتابة النص من جديد، حتى بلغ ثلاثين حلقة، لكن الحروب كانت تبتلعه في كل مرة.
ثم أضافت، بنبرة تجمع بين السخرية المرة والحزن العميق، أنها بدأت تشعر كأن هناك ما يشبه “لعنة نبوخذ نصر” تلاحق هذا العمل، فكلما عاد إلى الحياة، حدثت كارثة في العراق أو حادثة مؤلمة في حياتها العائلية.
كانت تقول ذلك وهي تؤكد أنها لا تؤمن بهذه الميتافيزيقا، لكنها كانت تستحضرها كمفارقة موجعة تختصر ما فعله الزمن بالعراق وبأحلام أبنائه.
ذلك الرد القصير كشف لي شيئاً من طبيعة لطيفة الدليمي: كاتبة تعيش مشروعها الفكري والإنساني بصدقٍ موجع، وتربط مصير نصوصها بمصير بلدٍ أنهكته الحروب.
حتى إن سنوات طويلة من البحث في الحضارة البابلية، التي كرّست لها جهداً كبيراً، تحولت في ذاكرتها إلى ذكرى ثقيلة بسبب ما كان يحدث للعراق كلما حاولت أن تمنح تلك الحضارة حياةً جديدة في عمل فني.
كانت لطيفة الدليمي تكتب عن التاريخ، لكنها في الحقيقة كانت تكتب عن العراق الذي كانت تحبه بعمق، وتراه يتبدد أمام عينيها مرة بعد أخرى. وربما لهذا ظل في كلماتها دائماً ذلك المزيج الفريد من المعرفة الواسعة، والمرارة الهادئة، والحنين إلى بلدٍ كانت تخشى أنه لم يعد كما كان.
رحلت لطيفة الدليمي، لكن خسارتها ليست شخصية ولا أدبية فحسب، إنها خسارة عراقٍ كان يجد في كتابتها عزاء لذاكرته الجريحة. تعزية للعراق الذي يودّع اليوم واحدة من أنبل حراس روحه.
برحيل لطيفة الدليمي يفقد العراق واحدة من أكثر أصواته الأدبية عمقاً ونبلا. لم تكن مجرد روائية ومثقفة، بل كانت ضميرا ثقافيا يكتب عن العراق بذاكرة حضاراته ووجع حاضره. وبين مراسلاتنا ولقاءاتنا بقيت لديّ الكثير من اللحظات والذكريات التي تكشف جانبا من روحها الإنسانية وقلقها النبيل على هذا البلد. لذلك سأحاول في الأيام القادمة أن أدوّن بعض هذه الذكريات الصغيرة، وفاءً لاسمٍ كبير ترك أثرا عميقاً في الثقافة العراقية.
اقرأ ايضا
لطفية الدليمي شريكة المعرفة
صفاء جبار صنكور“كل المحبة. التي تليق بنا. وبزماننا النقي. الذي عشناه”هذه آخر كلمات كتبتها شقيقة …