من النجف دخل حياتي ماركس.. هذه كبرى المفارقات في حياتي

حسين مروة
2ــ2
كانت كلمة «الاشتراكية» تتردد كثيراً في قراءات هذه المرحلة، لاسيما منها القراءات «النهضوية» من كتابات نقولا حداد ،صاحب مجلة السيدات والرجال والباحث الاجتماعي وصاحب كتاب الاجتماع الذي رافقني وقتاً غير قصير في اواخر العشرينيات وكذلك روايات “فرح انطون» ذات النزعة الاجتماعية وكتابات إسماعيل مظهر وبحوثه التي تصدر في مجلته «العصور» المصرية المعروفة بأتجاهاتها المادية ..ثم النتاج الطليعي لشبلي شميل الذي قدم الى الفكر العربي والثقافة العربية ، اول مرة، نظرية التطور الدارونية، بكل ما يعنيه هذا النتاج من اسهام فعلي في التأسيس لمنهج للتفكير، في لغتنا وثقافاتنا ، يعتمد النظر المادي ويقوم على استيعاب أوليات القوانين الكونية لحركة تطور الطبيعة والمجتمع.
اسماعيل مظهر، وشبلي شميل هذان هما الاصل والاساس في تحولاتي الفكرية الاولى نوعياً وجذرياً، فأثرهما الاعمق في تكويني المنهجي والنظري ، يرتبط بقراءاتي المثابرة والجادة والممتعة لهما في السنوات الاولى لعهد التحرر من كابوس “المهنة” أي ما بين عامي 1925- 1927 ولست أنسى هنا سلامة موسى واثره بي في ذلك العهد، بما كان لكتاباته الفكرية –الاجتماعية ، حينذاك من اتصال ما بالفكر الاشتراكي الطوباوي ، ومجلة “المقتطف” بما كانت تعنى به من اضفاء للطابع العلمي الغالب على مجمل ما تنشره وقتئذ، ولا غير المقتطف من المجلات ،ولا الكتب الكثيرة الاخرى التي يعسر تعدادها الان.
قلت:كانت كلمة “الاشتراكية” تتردد كثيراً في قراءات هذه المرحلة، لكن الكلمة ظلت عندي –وقتاً ما –اشبه بـ»الطلسم» لا اعرف مدلولها العلمي ولاشيئاً من المفاهيم التي تشكل هذا المدلول..كيف تعاملت معها اذن؟
-لم تكن كلمة “الاشتراكية” وحدها تساوي “الطلسم” عندي، كل الكلمات ذات المدلولات الفكرية والعلمية والفلسفية بدأت علاقتي بها كـ طلسمات في سنوات العهد الاولي لهذه المرحلة.. لكن العلاقة تلك لم تجد لها استقراراً عندي، فقد جعلت احاربها حتى قهرتها، ثم تحولت “الطلسمات» في ذهني الى قناديل اضاءت حياتي.. ذلك بفضل القراءات الدؤوب باصرار والحاح في محاولات الفهم والكشف.. مع تكرار المحاولات مرات من غير ان أجد سأماً أو استسلم لعارض سأم، بل كثيراً ما كنت أجد عند كل محاولة جديدة نوعاً جديداً من الغبطة والمسيرة.. هذا وحده كان طريق الوصول الى المدلول العلمي للاشتراكية، أي الى الاشتراكية العلمية، بعد ان تجاذبتني “الاشتراكيات” بمختلف ألوانها الاخرى، حتى لونها “الغابي» الباهت والزائف، لكنه طريق كان مشحوناً بالقلق والجهد البالغ، وكان طويلاً وعسيراً، ثم كان الوصول الى نقطة الهدف بدفعات متقطعة، متباعدة..
في معظم مراحل هذا الطريق الطويل الى الاشتراكية العلمية، لم ألتق ماركس باسمه الا مرات قليلة وخاطفة.. القراءات الجاهدة والحائرة حول الاشتراكية..في سنوات العهد الاول لهذه المرحلة، كانت بعيدة عن ماركس، أي بعيدة عن اسم ماركس اولاً، وبعيدة عن اشتراكية ماركس(الماركسية) ثانيا.. كثيرا ما كان مفهوم الاشتراكية يختلط في الكتابات العربية “بالنهضوية» اختلاطاً طريفاً، بمفاهيم متغايرة أو متناقضة، وكثيراً ما كان جوهر قضية الاشتراكية، أي المسألة الطبقية، يزوغ خلال هذه الكتابات الى خارج القضية، أو يختفي كليا، وتبتعد الكتابة –بالطبع اذن –عن واقع الحركة الاجتماعية، أي عن رأس القوانين العاملة في تطوير المجتمع، اعني قانون التناقض الطبقي والصراع الطبقي، وأغرب اشكال الاختلاط بين المفاهيم، ان تعرض مبادئ الثورة البرجوازية الفرنسية كمبادئ للثورة البروليتارية الاشتراكية..
اول لقاء رواية “الدين والعلم والمال” لفرح انطون، وكانت الرواية هذه اقرب الى البحث “الفلسفي الاجتماعي” كما اعترف بذلك فرح نطون نفسه.
يعالج فرح، في هذه الرواية مشكلة العلاقة الطبقية التناقضية بين العمال وأرباب العمل، وهو يرى أهمية المشكلة جيداً، ويقترح لها –على لسان ممثل العمال –حلاً لا يتناسب مع مستوى اهميتها وشموليتها، وهو الحل القائل “باشراك العمال في ربح العمل” إضافة الى تشريعات الضمان الاجتماعي على نحو ما هو متبع في البلدان الرأسمالية المتطورة.. أي ان الحل المقترح لا يمس الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، وبرغم ذلك يبادر الممثل العمالي، خلال الحوار مع ممثل أرباب العمل، الى القول متبجحاً:
-»هل تريدون منا فلاسفة؟ فأسمعوا رأي الفيلسوف كارل ماركس..
-»ما شاء الله؟ تستشهدون بأشد أنصاركم غلواً”.. فيقول العمالي:
-لا بل نستشهد بفيلسوف من الفلاسفة، رأيه يناقض رأيكم في الملكية»..
صحيح ان هذه اول مرة التقي فيها ماركس..لكن ماركس هذا، الذي التقيته عن فرح أنطون، لم استقبله بارتياح، ولم اشعر انه هو الذي سيخرجني من بلبلة المفاهيم المختلفة للاشتراكية، فماركس هذا هو –اولاً –فيلسوف منا” أي من هؤلاء العمال الذين يبتسرون –اعتباطاً- حل المشكلة الاجتماعية – الطبقية الكبرى بحيث ينحصر هذا الحل في “اشراك العمال في ربح العمل”..وهو مع ذلك –ثانيا – “من انصار العمال غلوا” وهو –ثالثاً- مع ذلك ايضا له رأي في الملكية يناقض رأي العمل..كيف تجتمع هذه التناقضات في شخص هو –الى ذلك كله- فيلسوف من الفلاسفة؟..
برغم هذه الهواجس المقلقة، وقع في نفسي ان ماركس، هذا لابد له شأن عظيم في القضية التي يتحدثون عنها كثيراً باسم الاشتراكية لكن كيف سأصل الى صاحب هذا الشأن العظيم بصورته الحقيقية دون الصورة المضطربة هذه؟.
بدءاً من هذا السؤال، بدأت أدخل في العلاقة السليمة مع ماركس..
ومن هنا بدأ ماركس يدخل حياتي وما أزال في النجف..
لكن ماركس الماركسي، تأخر عني وصوله بضع سنين بعد اللقاء الاول، عند فرح أنطون، مع ماركس “غير الماركسي”.. تأخر حتى انعقدت لي صلة خفية مع “الشيخ” حسين محمد الشبيبي (هو نفسه الشهيد الشيوعي المعروف الذي اعدمه النظام الملكي مع الشهيد الرفيق فهد في بغداد عام 1947).
في اواخر الثلاثينيات بدأت أدخل المرحلة الدراسية الاخيرة في النجف، وفي الوقت ذاته كنت اكتب اسبوعيا لمجلة “الهاتف” النجفية (صاحبها: الكاتب القاص جعفر الخليلي) مقالا او قصة..كان هذا الحضور الادبي والفكري الاسبوعي يوسع أفق علاقاتي الادبية والفكرية الى ابعد من النجف.. لأن الهاتف كانت وقتئذ مجلة معظم المثقفين العراقيين. في هذا الافق نفسه انعقدت صلتي بـ “الشيخ” الشيوعي (حسين محمد الشبيبي).. كنت القاه في النجف، واحيانا القاه في بغداد متسللا الى مكانه السري قرب جامع “الحيدر خانة” الشهير..
مرة سألت الشهيد الشبيبي رأيه في قضية وطنية كانت قضية الساعة في الاوساط السياسية العراقية حينذاك، فأخذ يبسط لي رأيه باستفاضة، مستشهداً خلال ذلك بمواقف ونصوص لينينية ..اذكر أنني اعترضته متسائلاً: لماذا لايستشهد بالماركسية؟قال: اللينينية هي الماركسية مطبقة على الواقع الملموس تطبيقا ابداعيا تميز به لينين في عصر الثورة الاشتراكية العلمية المتحققة على الارض بالفعل.
منذ انعقاد هذه الصلة دخلت في صميم العلاقة الصحيحة أي العلمية مع ماركس “الماركسي”.. وأخذت اقرأ العلم الماركسي، دفعة دفعة، ذات مرة دفع لي الرفيق الشهيد “الشبيبي» بنسخة من «البيان الشيوعي» على سبيل الاهداء، شرط ان اقرأها أكثر من مرة.. ولكي استحق شرف هذا الاهداء عشت مع البيان الشيوعي ، في هذه النسخة العزيزة يومين كاملين متتاليين ، ثم رجعت اليه منشرح الصدر، مفعماً بفرح المعرفة باضوائها الجديدة الكاشفة، بقيت محتفظاً بهذه النسخة من “البيان الشيوعي” بحرص شديد وباعتزاز عميق، حتى فوجئت يوماً باختفائها، فحزنت كثيرا وبقي حزني يتجدد كلما تجددت ذكرى هذا الاختفاء..
قبل هذا حاولت الوصول الى ماركس “الماركسي” بوساطة “رأس المال” غير ان نتاج المحاولة كان ضئيلاً لأنها اعتمدت ترجمة للكتاب باسم “د. راشد البراوي» وهي اقرب ان تكون تلخيصاً غير ناجح.. بصدق وحرارة، حكاية ذلك الصراع الطويل المرهق والممتع معاً بين حلم الطفولة الذاهب وعلاقاته ونوازعه ورواسيه ، وبين المشروع المعرفي غير المحدود الذي جعلته البديل عن الحلم ذلك بقراري واختياري.. وهو المشروع الذي استمر يدفع بي، طوال اربعة عشر عاماً، من تحول فكري ونفسي الى اخر، حتى كان التحول الذي “تمظهر» اخيرا بوداع العمامة.
كانت هذه المرحلة العمل الكادح لكسب العيش/ الكفاف.. أي انها كانت مرحلة الرؤية الى الاشياء وطبائع الاشياء من داخلها او عن قرب منها، لا الرؤية الاخرى الباحثة –كانت – في “صفاء” المجردات من خارج الاشياء وطبائع الاشياء بعيدا عنها.. صار الكدح اليومي لكسب العيش /الكفاف بمثابة السلك الموصل بي الى الرؤية من الداخل، لأنه التعامل الحي مع آلية الحياة العملية –الاجتماعية، أو لأنه الاندماج بالفعل في دينامية الحركة التي تنتج ظاهرات الحياة العملية –الاجتماعية. في هذه المرحلة الكادحة، اصبحت القراءات اكثر ضرورة لي منها في المراحل السابقة، واصبحت ايضاً تقتضيني اختيارا متميزا ومدققا لنوع المقروءات..وها قد وضعتني طبيعة العمل (التدريس في المدارس الثانوية الخاصة) امام ضرورات جديدة على هذا المثال: لقد صرت وسط العاصمة “بغداد” ووسط النشاط المركزي للحركة الثقافية العراقية، ووسط زحام العرض والطلب حول الكتاب في “سوق السراي” حيث تحفل المكتبات التجارية بكل جديد وقديم من الكتب والمنشورات ومن المؤلفات والترجمات ووسط النماذج المتنوعة من الكتاب والمفكرين والمبدعين ووسط قضايا ومشكلات ومفاهيم مستجدة مع متغيرات الحياة الكونية والعربية والعراقية بعد انخراط البشرية بأجمعها في مشاغل الحرب العالمية الثانية..
قراءاتي في هذه المرحلة اذن “تحولت” هي ايضاً.. صار يعنيني، اكثر فأكثر ، أن اقرأ من الفكر النظري ما يكون له اتصال ، أي اتصال بمضمون الواقع القائم، أي بالمجرى العام والخاص لمسار المعركة الدائرة آنذاك، وطنياً وقومياً وأممياً ودولياً، خلال سنوات الحرب هذه.. اذن ، كان لابد من لينين، كان لابد ان أسترشد هنا بكلمة الشهيد حسين محمد الشبيبي من ان اللينينية هي الماركسية، مطبقة على الواقع الحي الملموس، وكان الواقع الحي الملموس الذي جاءت به الحرب الكونية الثانية، يحتاج أشد الحاجة الى الماركسية مطبقة بتوجيه لينيني، كان لابد لي من لينين.. فهذا وقت اللينينية ماركسيا، أي هذا وقت الماركسية بتطبيقات قائد اول ثورة اشتراكية علمية في تاريخ البشرية اطلاقاً.. هكذا تحولت قراءاتي الفكرية في هذه المرحلة..تحولت الى لينين من ندائه الشهير الى شعوب الشرق حتى الاستعمار اعلى مراحل الرأسمالية”. وقد اسعدتني مصادفة رائعة، في تلك الظروف نفسها، بالاطلاع على ترجمة غير منشورة، لدى احد المثقفين الشيوعيين العراقيين لكتاب لينين: “الدولة والثورة” وكان من الطبيعي –مع ذلك- ان اضيف الى القراءات اللينينية قراءات مميزة من الفكر القومي العربي لأبرز الشخصيات المتخصصة وقتئذ بالتنظير لهذا الفكر..
وبعد..فأين انا اذن، في مرحلة الاربعينيات من مسألة الانتماء؟.
الحقيقة ان هذا السؤال استوقفني مرات بعد رحلة الاربعينيات أي بعد العودة الاخيرة الى وطني الاول: لبنان، وهذه أول مرة احس فيها الحاجة الى وضوح الجواب:
-كانت مجريات حياتي الدراسية ، منذ انطفاء الحلم الاول الذي حملني الى دار الهجرة العلمية: النجف، حتى اللقاء البهي مع ماركسية لينين، او مع لينينية ماركس – كانت كل هذه المجريات تتسلسل بي- طبيعياً وبهدوء-الى الانتماء الماركسي اللينيني بشكليه او بمضمونه الفكري والعضوي..
اما الانتماء الفكري، فلم يكن يحتاج عندي الى ارادة مباشرة، في زمن مباشر.. فهو جاءني بالارادة البطيئة الخفية، بالتراكمات المعرفية الهادئة، بالتحولات الكيانية السرية.. كان الانتماء الفكري يتكون في داخلي مع تكوين اصوله الثوابت:”الاتجاهات المادية “الهلامية” في تفكيري قبل التقائي نص ماركس او انجليز أو لينين.
(الطريق) حزيران عام 1984 –عدد خاص بمئوية ماركس

اقرأ ايضا

الخانات.. مواقع الإستراحة القديمة بين بغداد والعتبات المقدسة

علي كامل السرحانكانت الخانات تستخدم كمحطات استراحة من قبل المسافرين وقوافل التجارة التي تروم التنقل …