د. حسين اسماعيل الاعظمي
تميَّز العراق بتاريخ وموقع جغرافي خاص. لم يتشابها تماما مع تاريخ وجغرافية وثقافة جميع البلدان حواليه، سواء أقطار الوطن العربي الكبير، او بلدان الغرب الاسيوي، وعليه أمسى العراق مميزا حقا في كل جوانب حياته الجغرافية والاجتماعية والتاريخية. فموقعه الجغرافي في أقصى المشرق العربي يجعله مميزا بعمقه العربي الإسلامي، خاصة وقد كانت بغداد مركز الخلافة العربية والإسلامية لـ 524 سنة (هي حصيلة ما بين سنة 132 هجرية سنة التأسيس، وعام 656هـ تاريخ سقوط بغداد على يد المغول) وذلك امتدادا للدولة العربية الإسلامية التي بناها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بعد هجرته إليها، ودامت فيها احد عشر عاما، ثم انتقلت الخلافة الى الخلفاء الراشدين لأكثر من ثلاثين عاما في الحجاز، ثم انتقلت الى الشام عن طريق الامويين ودامت اكثر من تسعين عاماً استقرت اخيرا في بغداد لتبقى فيها أكثر من خمسة قرون حتى سقوط العباسيين (656هـ -1258م)..
كذلك موقع العراق المطل على الغرب الاسيوي جعله مميزا بتأثيرات تلك المنطقة على مدى تاريخ المنطقة وعلى الأخص بعد سقوط العباسيين؛ أي أنه يقع في موقع جغرافي يكاد يكون في منتصف الطريق بين الوطن العربي وغرب آسيا، ما جعل هذا المزج الجغرافي والتاريخي أمراً في غاية الأهمية لحياة أبناء هذا البلد التاريخي الغائر في القدم. وفي أكثر من كتاب من كتبي الصادرة كدراسات فنية في موضوع الموسيقى والمقامات العراقية، تحدثتُ عن هذه الميزة بشيء من الإسهاب والتفصيل، وعلى الأخص انعكاسات البيئة والخصوصية الناتجة عن هذا الموقع الجغرافي وهذا التاريخ وهذه الثقافة المميزة عن باقي البلدان حواليه. وعليه نلاحظ الكثير من تفصيلات حياتنا فيها بعض المميزات مع اشقائنا العرب الآخرين، بحيث يكون لنا نحن كعراقيين خصوصية واضحة عن اقطار الوطن العربي في كل ما يشمل الحياة الاجتماعية وتبعاتها، رغم العمق العربي والإسلامي اللذين يتمتع بهما العراق. ونلاحظ أيضا بعض التشابه في بعض جوانب الحياة مع أقطار الغرب الأسيوي، أذا ما علمنا أن حدوداً جغرافية تفصلنا مع أيران تقدر بأكثر من ألف كيلومتر، وحدوداً أخرى مع تركيا تقدّر بأكثر من خمسمئة كيلو متر. والنصف الآخر من حدودنا ينصهر ضمن الوطن العربي الكبير مع سوريا والسعودية والكويت.
في الفن الغنائي والموسيقي، نرى أن امتلاكنا لآلتي “الجوزة” و”السنطور” مثلاً اللتين تنصهران ضمن الفرقة التقليدية المعروفة بـ “الجالغي البغدادي” يواكبه وجود هاتين الآلتين في معظم بلدان الغرب الأسيوي، فضلاً عن وجود بعض من استخداماتنا الفنية والحياتية المشابهة لحياة شعوب وبلدان الغرب الأسيوي رغم الاستقلالية الحياتية التي يستقل ويتمتع بها العراق عن كل الغرب الأسيوي؛ وكذلك نلاحظ مميزات العراق عن إخوته أبناء الوطن العربي الكبير. ومن الممكن أن لا تكون كل الاستخدامات سواء في الفن الموسيقي أو الفنون الأخرى أو في الرياضة ملكا لنا لوحدنا، فآلتا الجوزة والسنطور مثلاً نجدهما تمارسان وتستخدمان في الفرق الموسيقية التقليدية لكثير من بلدان غرب آسيا. وكذلك الأمر في رياضة الزورخانة التي نراها تمارس في أكثر من بلد في الغرب الأسيوي، ولا أعتقد أنها ملك لبلد معين دون الآخر، وإنما هي ملك لشعوب بلدان غرب آسيا. ودليل ذلك ادعاء كل البلدان التي تمارس فيها الموسيقى أو رياضة الزورخانة بأن هذه الممارسات والاستخدامات من تراثياتها الفنية أو الرياضية أو جوانب أخرى..!
رياضة الزورخانة، التي تتكون من كلمتين: زور وتعني القوة وخانة وتعني بيت أو البيت الصغير، وفي جمعهما تتحقق كلمة واحدة –بيت القوة- عبارة عن ممارسات وحركات رياضية تقليدية مارسها آباؤنا وأجدادنا، وأمست بالفعل رياضة تراثية ينبغي المحافظة عليها وممارستها دون انقطاع. فمن الناحية التاريخية والتراثية، يمكننا أن ندعي كما تدعي شعوب البلدان الأخرى في غرب آسيا، بأنها من تراثيات الشعب العراقي نظراً لقدم ممارستها.
إن ما يهمنا هنا عن الزورخانة، أن موسيقى وغناء المقامات العراقية ترافق ممارستها وعروضها الرياضية الزورخانية، تشجيعاً للاعبين الرياضيين عند تقديم عروضهم أمام الجماهير، وخلق المزاج والاستعداد لتحمل مشاق بعض الألعاب الزورخانية خلال العرض. وقد اجتاحت هذه الممارسات الرياضية الزورخانية في العراق طيلة القرون الأربعة الماضية تقريباً، على نطاق عفوي وشعبي واسع دون تدخل الدولة في دعمها وتقديمها. واستمر الأمر في سيادة هذه الرياضة الشعبية حتى النصف الأول من القرن العشرين. وقد كان أشهر الرياضيين الزورخانيين العراقيين عباس الديك ومجيد لولو وعوسي الأعظمي وصادق الصندوق وعبد الهادي البياتي ومهدي الزنو وحسن نصيف الجميلي ومحمد أسطة بريسم وغيرهم. وفي غالب الأحيان، يتكون فريق الزورخانة من عدد يصل إلى 15 لاعبا زورخانيا، وأحيانا يتجاوز هذا العدد حسب الظروف والإمكانيات. وفي طقوس عروضها الشعبية والجماهيرية الخاصة في الصراع يُمنع دهن الجسم، ولا يجوز النطح بالرأس، وعدم رفع الخصم ورميه بالأرض، وعدم السماح بإذاية المصارع بالمسكات المؤدية للخلع أو الكسر.
للاعبي رياضة الزورخانة ملابس خاصة ذات زي موحد (قميص عادي وسروال قصير ذو نقوش تاريخية خاصة). وتقوم رياضة الزورخانة بصورة عامة على تمجيد قيم الفتوة والأخلاق الرفيعة. أما الأدوات التي يستخدمها اللاعبون عند العرض فهي:
(السنك) ويعني الحجر. ويكون على شكل قطعتين خشبيتين ثقيلتين بطول 125 سنتيمترا وعرض تسعون وبوزن يتراوح بين 60 الى 80 كغم، وبعرض بوصتين، على شكل الدرع –الترس- يحملها اللاعبون للتمرين والاستعراض.
الكبادة، وتعني (القوس). وهي آلة حديدية شبيهة بخشبة القوس تحيط بها سلسلة حديدية تحوي حلقات يلعب بها المصارع المحترف فقط بجعلها تدور حول رأسه بسرعة فائقة بحركات شبه دائرية خطرة.
الميل، ويعني (الهراوة). و”الأميال” هي آلة خشبية أشبه بثمرة “الكمثرى” وهي ذات مقبض على قدر كف الذراع ولها أوزان مختلفة تصل لعشرات الكيلوغرامات مطعمة بالرصاص. ويحمل اللاعب اثنين أو أكثر من الأميال ويبدأ برميها كما في ألعاب الخفة.
خشبة الضغط. لعملية “الشناو” بطول سبعين سنتيمترا وترتفع عن الأرض عشرة سنتيمترات لممارسة التمارين لمنطقة الصدر.
تعنبر رياضة الزورخانة في نظر لاعبيها والجماهير، رياضة مقدسة..! حيث تبدأ فعالياتها بصورتها التقليدية بقراءة المرشد آيات من القرآن الكريم، ثم يتبعها بدقات الطبل المنتظمة وينشد التواشيح الدينية وقراءة بعض المقامات العراقية، بعدها يهرول الكابتن (المدرب) هرولة خفيفة للإحماء ثم تبدأ حركات (الشناو) يليها رفع الأميال من قبل (اللاعبين) وتنتهي عادة بنوعين من النزالات: الأول يسمى “الحلواني”، وهو نزالات تجريبية والثاني نزالات “الخصماني” وهي تحديات بين أبطال في اللعبة.
عن ( مجلة الموسيقى العربية )
اقرأ ايضا
الخانات.. مواقع الإستراحة القديمة بين بغداد والعتبات المقدسة
علي كامل السرحانكانت الخانات تستخدم كمحطات استراحة من قبل المسافرين وقوافل التجارة التي تروم التنقل …