حسين مروة
1 ــ 2
رحلت إلى النجف صغيراً.. لكن الحلم الذي رحل معي كان كبيراً كبيراً.. والمفارقة هنا إن الحلم هذا لم يستطع أن يعيش معي في النجف طويلاً.. لماذا؟.
-ألف سبب وسبب يمكن أان يقدم لي نفسه بهذه المناسبة، فأتعرفه وأعرفه جيداً، لكن السبب الحقيقي، المباشر أو غير المباشر، هو الوحيد الذي أجهله منذ البدء، وما ازال…
أن أصير “شيخاً” مهيباً مرموقاً، كوالدي.. ذلك كان حلمي الأول، سبق كل أحلامي سبق حتى احلام طفولتي وحين بدأت تتدفق بها ذاتي اخذ يحتويها جميعا، او هو: اخذ يلتهمها جميعا بشراسة. هذا الحلم لبسني قبل ان اجتاز سن الثامنة.. ولبستني معه العمامة والجبة قبل اوانهما “الطبيعي” العمامة والجبة كرمز للحلم ذاته اولاً، وكأداة إلزام لي بموجبات الحلم ثانيا..
قلت: حلمي؟
-لا ، عفوا. ذلك كان، منذ البدء حلم أبي، ثم أمي والأسرة، ثم سائر العائلة في سائر جبل عامل.. ومذ بدأ يتكون كحلم لي، مات أبي.. لكن الحلم لم يمت، لأنه صار حلمي.. مات أبي وفي نفسه لهفة ان يبقى طويلاً حتى يتحقق الحلم.. مات وأنا في الثانية عشرة، فأحسست ثقل الحلم يفيض عن طاقتي، ابي كان يبدو لي انه من اهل اليسر المادي، فإن منزلنا في “حداثا» لم يكن يخلو من الضيوف على مدار العام، ولم تكن الضيافة- مادة وطريقة –تنزل عن مستوى الضيافة المألوفة عن أهل اليسر في بلادنا في ذلك الزمن.. وظهر لي فور موت أبي اننا من اهل الفقر، لا من أهل اليسر، وفجأة رأيت أننا صرنا في مكان مكشوف جدا بين صفوف الفقراء من اهل بلادنا.. كيف اذن احمل الحلم، بعد؟
-في البداية حملته وحدي، اخذت اطوف به من بلدة الى بلدة، باحثاً له عن غذاء علمي اولي عند اهل العلم من بقايا الاجيال الدارسة في جبل عامل، مكتفياً بالأقل الاقل من ضرورات الغذاء الجسدي..
ثم كان “لابد من صنعاء”.. وكانت “صنعاء” حينذاك هي النجف دار الهجرة الاولى لكل شيعي في العالم يحلم كحلمي ذاك.. الحلم سيبقى قاصراً، سيبقى فجاً ان لم تلفحه شمس النجف، سيتحول قزماً الى النهاية ان لم أدركه، قبل فوات الاوان، بالهجرة سريعا الى النجف –وكانت الهجرة(1924)..
لم يستطع الحلم ان يعيش معي في النجف أكثر من عام واحد..
لن اقول: «لماذا» مرة اخرى، لأنني سأقول مرة اخرى أيضاً: ان السبب الحقيقي هو الوحيد الذي أجهله من بين الاسباب الكثيرة التي تعرض نفسها لي في مسافة طويلة من مسافات الذاكرة، كلما عرض لي هذا السؤال..
لكن، إذا كنت أجهل حتى الان ذلك السبب الحقيقي الخفي، فإني اعرف، وما نسيت قط، ان ذاك الحلم الطيب الاليف بدأ ينتابه الضمور والذبول في ذاتي، أي أخذ يفقد –شيئاً فشيئاً – صفته كحلم لي، ليعود اخيراً الى ما كاأنه في البدء: حلم الاسرة والعائلة في جيل عامل فحسب..
العام الاول لهجرة النجف، ما كاد ينقضي حتى رأيت خاطراً قاهراً صارماً يعترضني يريد ان يحملني على الاختيار الحاسم في مسألة دقيقة للغاية، وهي مسألة تحديد وجهة المصير: مصير حياتي كلياً..
كان علي ان اختار: إما قرار العودة الى الارتباط النهائي بذلك الحلم الذي حملني هو الى دار الهجرة، النجف: أي ان اقرر – منذ لحظتي تلك – متابعة السير في مسار “المهنة” التي كانت كل مطمح الحلم.. وإما ان أقرر الانعطاف القاطع عن هذا المسار. الاختيار، لأنه لم يرتفع الى مستوى كونه أحد طرفي الاختيار، ما كان يعنيني –في لحظتي – سوى ان اختار إما متابعة الخط المرسوم لي من قبل، وإما الانعطاف عنه، وان الى المجهول؟
لم أتردد مطلقاً.. اخترت فوراً..
.وانقطعت العلاقة المباشرة مع الحلم وغابت – تواً – من حياتي الى النهاية صورة “الشيخ المهيب المرموق” التي كانت هي نفسها صورتي كما رسمياً لي الحلم..
-الى المجهول؟..
-لا. سرعان ما تحول المجهول معلوماً. ذلك بفضل الحلم المنطفئ ذاته.. بفضله هو – نعم..فهو الذي اشعل في داخلي ، منذ الصغر ، لهفة الاسئلة، شهوة التطلع الى كل افق، نزعة التلفت الى كل الجهات، أي اشعل بي حافز المغامرة في طلب المعرفة حتى في اعمق غابات المجهول.. بفضل هذا الحلم الذاهب عني، أو الذاهب انا عنه بأختيار حاسم.. لكن الذهاب هنا ليس ذهاباً عن العمق والجذور، لم يكن الذهاب هنا انقطاعا عن العمق، ولا انفصالاً عن الجذور. بفضل الحلم الذاهب نفسه، وجدت داخل عالمي المغلق آنذاك نافذة تنفتح على المجهول. فرأيت دربي مضيئاً وحددت هدف المسير واضحاً..
المجهول الذي صار معلوماً، هو العلم اذن..هو العلم، نهجاً وهدفاً معاً، كيف الدخول في هذا المجهول /المعلوم؟
كيف، وقد تحولت العلاقة مع الحلم الذاهب، أي مع طريقي الوحيد حينذاك الى العلم، تحولاً يعني انسداد هذا الطريق أمامي تلقائياً، كما هي طبائع الامور في مثل وضعي ذاك؟
لابد من الدخول. هكذا قلت..
سأبقى في النجف.. سأتابع الدراسة في النجف. هكذا صممت ذلك هو الاختيار الثاني الحاسم: سأبقى. سأتابع برغم كل الاسئلة المستنفرة في داخلي ضد هذا الاختيار، برغم كل الاثارات المحتملة في داخل ذاتي حيال هذا القرار، برغم كل المخارز التي ستتصوب الى خاصرتي عند كل خطوة سأتمكن من انتزاعها في مكاني ذاك من دار الهجرة: النجف..
سأبقى.. سأتابع لكن الهدف واحد احد، هو المعرفة، هو العلم دون “المهنة”..سأبقى وأتابع الدراسة النجفية حتى استكمال مراحلها جميعاً، أي حتى بلوغ القمة لهذه الدراسة.
وبقيت ، وتابعت بالفعل، وان حدثت خلال سني دراستي الاربع عشرة، اختراقات قصيرة وعابرة لهذا القرار/الاختيار..
القرار/الاختيار الاول، والقرار/الاختيار الثاني، احدثا في حياتي تغيرا دخل في عمقها الاعمق:امتلكت حريتي، أي امتلكت حقي بأن اقرر اين انا حيال نفسي، واين أنا حيال”الاخرة»؟ تحررت اذن.. واذا كنت بقيت، وتابعت، فقد صرت اشعر ان بقائي ومتابعتي صادران عن قراري واختياري..واذا كنت مضيت اقرأ وأدرس الكتب والعلوم نفسها التي يقرأون ويدرسون في النجف، فقد صرت اشعر انني اقرا وأدرس بقراري واختياري.. هذا الشعور وذاك فتحا لي ابوابا للدخول في عالم أوسع للقراءة والدرس..
في احدى لحظات الحوار مع النفس، قلت:
-هل تحررت حقا؟
كان الجواب واضحاً وبديهياً: نعم –اذن، لماذا لا اتجاوز الخطوط الحمر الرادعة عن القدرات الاخرى وعن العلوم الاخرى، أي خارج القراءات والعلوم “الحلال” وحدها في عرف النظام الدراسي النجفي آنذاك؟.
اما الاجابة عن هذا السؤال، فكانت حاضرة جاهزة عمليا قبل السؤال.. أي ان الخطوط الحمر ذاتها كنت بدأت أقتلعها –واحدا واحدا- من مكانها التقليدي الفاصل بين “المحرمات” و”المباحث” من انواع المعرفة البشرية المعروفة عندنا حتى ذاك الحين..
لم يبق في اعتباري اذن، فاصل “يحرم” قراءة “أو معرفة” او علماً في جانب، و”يحلل” قراءة او معرفة او علما في جانب اخر، هذه مرحلة جديدة لتحولاتي الداخلية لكنها مرحلة تعرضت عندها –لحظة ما –لحالة من فقدان التوازن ..حالة خطرة كانت اولا انني تداركت الامر سريعاً، كاد اقتلاع “الفاصل” يحدث طغياناً للقراءات الحرة على القراءات النظامية، ولم تطل حالة الطغيان هذه، أي حالة فقدان التوازن.. بادرت لتنظيم “يوميات” القراءة والدرس لكي يتوافر لي التوازن، كان ضرورياً لي ذلك، لأنني حين اخترت البقاء في النجف ، انما اخترته لمتابعة الدراسة الخاصة بها، أي اخترت هذا اللون من المعرفة الذي تقدمه النجف.. كان قد استهواني مذ بدأت تتوضح لي معالمه التخصيصية هناك، في كل من علوم: النحو والمنطق والبلاغة واصول الفقه، والفقه الاسلامي، واستهواني- بالاخص –اسلوب التعامل بين المتعلم والمعلم والنص، وهو اسلوب يضع المتعلم فور حضوره احدى حلقات الدراسة، امام مسؤوليته الصارمة عن نفسه، أي عن شكل علاقته الاستيعابية مع المعلم ومع نص الكتاب الدراسي..اسلوب يدع المتعلم –بصورة تلقائية – متحرراً من التبعية لفكر المعلم او لفكر النص، ويوسع له فسحة الاستقلال الفكري، وحرية المناقشة الجدية مع المعلم ومع النص دون كوابح.. لابد اذن –من توفير الحالة القصوى للتوازن بين الافادة من مزايا الدراسة هذه، الافادة من ولوج ابواب المعرفة كل يوم، خارج نطاق الدراسة “النظامية” أينما وكيفما تيسر لي الولوج في أي باب من ابواب المعرفة..
كان الوصول الى الكتب والصحف الدورية الصادرة من مختلف البلدان العربية ومن مصر ولبنان بخاصة متيسرا في النجف أي خارج “اسوار» المحيط الدراسي الديني..كان يتوافر لنا هناك ان نقرأ كتابات المفكرين والعلماء والكتاب والمبدعين من رجال القرن التاسع عشر والثلث الاول فما فوق من القرن العشرين.. وكذلك الكتابات الفكرية والعلمية والادبية المترجمة.. عن مفكرين وعلماء وادباء عالميين..مادة القراءة “المحرمة” علينا آنذاك كانت من الغزارة بحيث يضيق وقتنا عن استيعابها ، ونحاول جهدنا ان لاندع لحظة من الزمن تتسرب من ايدينا هدراً دون كسب معرفة ما.
هذه المرحلة في حياتي هي مرحلة الخصب المعرفي.. قرأت فيها اشتاتاً من المعارف لا تنتظمها وحدة، بل يتخللها الاختلاف حتى التناقض ..كنت اقرأ الادب الرومانسي، مع الفكر العلمي ، مع الكتابات العلمية الخالصة، مع البحث الاجتماعي: نظرياً وميدانياً وذاكرتي للعهد الاول من هذه المرحلة تحتفظ باسماء اعلام وكتب ومجلات ما يزال لها وهجها الخاص عندي، برغم مسافة ما بيني وبينها الان، ذلك الوهج النفاذ الذي علمني كثيراً ومهد لي الطريق الى ماركس، ثم وصل بي الى ماركس..
عن مجلة (الطريق حزيران عام 1984 –عدد خاص بمئوية ماركس )
اقرأ ايضا
مقاربة تأريخية بين واقعة شهداء دمشق وبيروت وإنتفاضة الحلة وشهدائها العام 1916
هيثم الحلي الحسينيمن الوقائع التاريخية في تاريخ العراق الحديث ، واقعة مفصلية في التأريخ العربي …