هيثم الحلي الحسيني
من الوقائع التاريخية في تاريخ العراق الحديث ، واقعة مفصلية في التأريخ العربي المعاصر, وهي واقعة تنفيذ حكم الإعدام, بالوطنيين العرب الأحرار, في كل من دمشق وبيروت, على يد الوالي العثماني «جمال باشا السفاح», وذلك يوم الخامس من أيار من العام 1916.
لا شك في محورية هذه الواقعة الأليمة, ضمن سياق تواتر الوقائع, التي أفضت الى إندلاع الثورة العربية الكبرى, التي قادها الشريف الحسين بن علي في الحجاز, بعد أن شهد نجله الأمير فيصل تلك الواقعة, خلال مروه في الشام عائدا من الإستانة الى الحجاز, وقد تأثر كثيرا لجسامة الواقعة, التي ذهب ضحيتها باقة من رجال النهضة والفكر والممانعة والتنوير في الأمة العربية.
وكان الأمير فيصل قد حاول جاهدا أن يثني الوالي جمال باشا السفاح عن تنفيذ جريمته النكراء, لكنه لم يفلح في ذلك, فكانت تلك الواقعة هي الشرارة التي أضرمت شعلة الثورة الحجازية, والتي امتدت جذوتها في أرجاء المدن العربية, معلنة ما عرف في أدبيات التأريخ العربي المعاصر, بالثورة العربية الكبرى, والتي كانت مخرجاتها, إنهاء الإستعمار التركي العثماني, الذي قبع خانقا أسباب النهوض العربي لمئات السنين, في الفترة العربية المضلمة, لتبدأ مرحلة النهوض والتحرر القومي العربي, في إمتداداتها المقاومة للوريث الإستعماري البريطاني, الأكثر قسوة وبشاعة.
ومع أن الواقعة بذاتها تستحق التوقف والإستذكار, والتخليد والتمجيد لدماء الشهداء الأبطال العرب, في أية بقعة من الوطن الكبير, غير أن المقاربة للواقعة, من زاوية تزامنها بواقعة شقيقة لها, هي التي استدعت الإستذكار في هذه الورقة, للأسباب التي لا تقل أهمية ومحورية عن سابقتها.
فمن المفارقات، المقصودة ربما، هو تنفيذ حكم الإعدام بأحرار الحلة, على يد الوالي «عاكف بيك»، بنفس اليوم الذي نفّذ به حكم الإعدام, بالوطنيين العرب, في كل من دمشق وبيروت, على يد «جمال باشا السفاح»، والتي تعرف بأسمائهم «الشهداء», إلى اليوم, ابرز ساحات العاصمتين العربيتين, والتي شكلت إحدى أهم أسباب الثورة العربية الكبرى, إذ إنتهت بتحرير دمشق, على يد قوات الأمير فيصل, التي كان الضباط العراقيون, يشكلون حجمها الأكبر, ثم تأسيس أول دولة عربية في التاريخ المعاصر, في قلعة العروبة سوريا, حيث نودي بالأمير فيصل ملكا فيها.
وللأسف لم ينصف مؤرخوا العراق, نفس الحدث الذي وقع بنفس اليوم, ولنفس الأسباب, وبنفس الأهمية والنتائج, سوى تغيير المكان، كما أنصف وخلّد أهل الشام وبيروت, ذكرى شهدائهم, إذ فسّر بعضهم اشتباها أو بقصد, القمع الذي واجهته الحلة وأحرارها, «بأعمال تأديبية لقطاع الطرق»، ومنهم أستاذي الجليل, الدكتور المؤرخ عماد عبد السلام رؤوف، في تحقيقه لمذكرات السيد علي البازركان، في كتاب «الوقائع الحقيقية للثورة العراقية», في مداخلته على كتاب الشيخ فريق الفرعون, الموسوم «الحقائق الناصعة للثورة العراقية», إذ ساق مؤلفه السيد البزركان, مثل هذا الرأي، ولم يعلق الأستاذ عليه ولم يخالفه, كمحقق باحث مقتدر.
وذلك برغم إنتماء الشهداء المغدورين, لخيرة الأسر الحلّية، ومنها آل شهيب أسرة الأستاذ الدكتور عبد المهدي البصير، شاعر الثورة العراقية ومؤرخها, وآل علوش أسرة الدكتور ناجي علوش, معاون رئيس جامعة بغداد سابقا، والشاب صاحب عبد الرضا الميرة, «وهو خال والدة كاتب السطور», وغيرهم, ممن لا ينطبق عليهم ذلك الوصف مطلقا، الذي ورد في الكتاب المذكور, فضلا عن السياق الفلسفي التاريخي, والبحثي التحليلي للأحداث والوقائع, وليس المطلوب إقامة النصب التذكارية لهم, كما فعل الأشقاء، وهو أقل إستحقاقاتهم الوطنية التأريخية, ولكن بوصف واقعتهم بما تستحق على الأقل، وإنصاف الوطن وتراثه فيهم.
النتائج التأريخية لمقدمات نهضة الحلة في سياق الثورة العراقية
لقد شكلت أحداث ومجازر «مدينة الحلة» في مايس 1915، والتي تمثلت بإعدام مجموعة من الوطنيين الأحرار, واستباحة المدينة على يد واليها عاكف بيك, وبعض أعمال القمع الأخرى, في الكثير من المناطق القبلية العربية, ومن بينها الأكرع وعنزة وغيرها, إحدى أسباب الإنتفاضة في النجف, فكان رد الفعل فيها, أن طردت حاميتها التركية، ورفع العلم العربي فوقها، وحكمت البلدة نفسها مستقلة منذ ذلك الحين، بعد تمكن النخب المتنورة فيها, من عزل الأهداف السياسية عن الدينية[2].
وكان المراجع وقتئذ, لازالوا مستمرين بالجهاد «الشرعي», إلى جانب القوات التركية, الذي شرع بقيادته الزعيم الديني والوطني, الشهيد السيد محمد سعيد الحبوبي[3], برغم ثقل الآلام التي تركها الإستعمار التركي الجاثم على البلاد, غير أن القرار كان مع مقاومة الغازي البريطاني المحتل, في إسناد عمليات الدفاع للقوات العثمانية, فكانت معارك الشعيبة وتل اللحم, التي سطر فيها المقاومون العراقيون ملاحم بطولية, تسجل في تأريخ العراق المعاصر[1].
وبعد إستشهاد الزعيم الحبوبي, في مدينة الناصرية, متأثرا بجراحه وإجهاده البدني والنفسي, واصل معاونوه المقاومة والقتال, ضمن عمليات الدفاع التراجعي, حتى وصلوا مع القوات التركية العثمانية المدافعة الى بغداد، أمثال أنجال السيد الحيدري, والناشط الوطني القومي السيد أبو القاسم, نجل السيد مصطفى الكاشاني, وزميله السيد جواد الزنجاني، الذين شاركا لاحقاً بتنظيم العمل الوطني والقومي العروبي في بغداد والكاظمية[4].
ونتيجة ليأس العراقيين, من الوعود التي قدّمتها بريطانيا, بالانصياع للمطالب التي قدمت، خاصة بعد انتهاء الأعمال الحربية مع تركيا، بدأت سلسلة من فعاليات المقاومة، ومنها عملية تلعفر التي نفذها الضباط العراقيون, العائدون من قيادة الثورة العربية في الحجاز, بقيادة الشريف حسين, والدولة العربية التي تأسست في سوريا, بقيادة نجله الأمير فيصل, في العام 1919, وكان قد إعتمد جهازها العسكري القيادي والإستشاري, على نخبة الضباط العراقيين, المنسحبين من خدمة الجيش العثماني, والذين تولوا لاحقا, المسؤوليات السياسية, في تأسيس الدولة العراقية[5].
وقد سبقت أحداث تلعفر, الأعمال القتالية في مدينة النجف في العام 1918, التي عرفت تأريخيا بثورة النجف, والتي أسفرت عن مقتل الحاكم السياسي في النجف, الكابتن وليم مارشال, في 19 آذار 1918, وأعقب الحادث حصار للمدينة دام (49) تسعة وأربعين يوماً, وقيام الثوار بأسر الحامية البريطانية في النجف، ونتج عن الثورة إعدام وأسر ونفي قرابة (150) مائة وخمسين ثائر نجفي[6].
وكانت النجف قد سبقت الأحداث, منذ العام 1915، استجابة وتحدياً للأسلوب القمعي للقادة العسكريين الأتراك, أمثال أحمد بيك أورك, الذي صرح بإهانة المتطوعين في المقاومة انّه «على تركيا إعادة احتلال العراق وتأديب القبائل الفراتية ثم قبائل دجلة», بوصفهم الخونة، فكان من نتاجها, مجازر مدينة الحلة, وإعدام ثوارها وشبابها القومي, على يد واليها «عاكف بك», رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها العراقيون, ليس لأجل الدولة العثمانية التركية, ولكن لأجل وطنهم, وكانت هذه المواقف, للقادة الأتراك, إحدى أسباب إندحارهم, وقد سبق أن إنتحر القائد التركي السابق في عمليات البصرة, سليمان عسكري بيك, ندما على مواقفه وسوء ظنّه بالمقاومين العراقيين.
لا يمكن للشعوب أن تحيا كريمة في حاضرها, وأن تتطلع لمستقبلها, بعين الإشراق والنهوض الحضاري, دون أن تستقرئ تأريخها, وتقف على الأسباب الرافعة لكينونتها وإزدهارها, وقد يكون الحاضر المرير للعراق وطنا وشعبا, وثقل إرهاصاته وتداعياته وآلامه, مانعا للإستذكار والوقوف على العلامات المشرقة في تأريخه, غير أن واجب القلم وشرف الكلمة, لاغضاضة أن يكون لهما فسحة في رفع الصوت الجاهر, ورمي الحجر في بركة الركود.
عن ( الحوار المتمدن )
اقرأ ايضا
زواج الملك غازي من الملكة عالية .. اسرار وقضايا
قاسم حلو الغرابيعندما توفي الملك فيصل الاول في 8 ايلول 1933 في مدينة برن بسويسرا, …