قاسم حلو الغرابي
عندما توفي الملك فيصل الاول في 8 ايلول 1933 في مدينة برن بسويسرا, فتوج ابنه غازي الاول ملكا على العراق يوم 4 نيسانوبعد فترة قليلة ظهرت هناك علاقة وطيدة التي تربط بنات ياسين الهاشمي ببنات الملك فيصل الاول بفضل الزيارات العائلية المتبادلة بين الاسرتين وباتت نية الملك غازي ان يتزوج الآنسة نعمت وهي البنت الصغرى لبنات ياسين الهاشمي وقد جاءت هذه الرغبة نتيجة تلك العلاقة، ولاسيما ان الملك غازي قد وقع نظره عليها فاعجب بها , وشجعته على ذلك شقيقاته اللواتي كن يحملن قدرا كبيراً من الحب والاحترام لبنات الهاشمي, وقد أعلن الملك غازي ذلك صراحةً عن تلك الرغبة وفاتح شقيقاته وتمت الاجراءات الاولية لمفاتحة عائلة ياسين الهاشمي بالأمور وقد أبدى ياسين الهاشمي موافقته على ذلك الزواج , وعندما سمع نوري السعيد , هذا الخبر طار صوابه ، واسرع يوحد الجهود ومساعيه مع صهره الفريق (جعفر العسكري) لمنع هذا الزواج بأي شكل من الاشكال اعتقاداً منه لما يشكله من خطورة على مستقبل العراق السياسي وبالذات مستقبل العرش ، إذ يتيح لياسين الهاشمي مركزاً خاصاً يقضي على طموحه السياسي.
وحول موضوع زواج الملك غازي يذكر (توفيق السويدي) ما دار بينه وبين الزعيم الايطالي (موسوليني)( الذي التقاه في مايس من عام 1934 وتناقشا في ذلك الموضوع بما نصه : «انه كان يرجح ان يتزوج الملك غازي بإحدى بنات ملوك الدول العربية المجاورة للعراق , او البلاد الاسلامية حتى تتأثر العلاقات وتتأيد الوشائج فيما بينهم اذ ما فائدة البقاء في دائرة ضيقة من القرابة مع العلم ان التوسيع فيها يؤدي الى نتائج مفيدة للبلاد .
ويذكر في هذا الصدد أيضاً( ناجي شوكت) تلقيت اشارة تليفونية في أحد الايام من ديوان الرئاسة لحضور جلسة مستعجلة في اليوم نفسه لمجلس الوزراء يعقدها فوق العادة وفعلا توجهت الى المجلس وحضرت الجلسة وقد وجدت نوري السعيد منفعلاً وفي حالة هياج شديد يخاطب الحاضرين بمانصه :»هاي عايزة يصبح ياسين الهاشمي عم الملك « وقد علمت ان الموضوع يتعلق برغبة الملك غازي للاقتران بابنة ياسين الهاشمي دون ابنة عمته الأميرة عالية(، وقد دعي مجلس الوزراء لعقد جلسة خاصة وسرية لمناقشة
ابعاد هذه المشكلة وخطورتها , وبعد مناقشات حامية بين الإطراف خرج المجلس بنتيجة توافقية هي اقناع الملك غازي بالزواج من ابنة عمه عاليه (.
وتحقيقاً لهذا الغرض عزم نوري السعيد على تنفيذ ماتم الاتفاق عليه ، وكانت اهم الخطوات بهذا الاتجاه هي السفر الى الاردن والاتصال بالملك عبد الله من أجل الأسراع بتزويج الملك غازي بالاميرة عالية ، واستجابة لرغبة عمه الملك عبد الله وافق الملك غازي على خطوبته من ابنة عمه (، وبعد اتمام الخطوبة كلف الامير عبد الاله بالذهاب الى الاميرة عالية التي تتواجد في وقتها في الاستانة تصطاف فيها مع والدتها وشقيقتها عند جدتها لامها التركية الاصل (ملك خانم) وبالفعل سافر الامير عبد الاله الى الاستانة واخبر شقيقته عالية بأنه جاء الى استنابول ليعلمها بأن الملك غازي خطبها من والده فتفاجأت الأميرة عالية بهذا الخبر، إذ لم يدر بخلدها يوماَ انها ستتزوج من غازي فهو اولا يصغرها بسنة واحدة , وثانيا كانت آنذاك مخطوبة لابن عمها الأمير (طلال بن عبد الله) ولي عهد الأردن وان والديها قد تفاهما حول هذا الموضوع من قبل, وردة الاميرة عالية على ذلك بمانصه :»وهل انا جارية لكي تبيعوني وتشتروني من دون ان تأخذوا رأيي».
عادت الاميرة عالية مع شقيقها الامير عبد الإله ووصلت الى الحدود العراقية في تل زوان الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة من يوم 29 تشرين الثاني 1933 واستقبل الاميرة هناك مدير شرطة الموصل وكانت معه سيارتان مسلحتان , ولما وصلت الاميرة بئر عكة استقبلها متصرف لواء الموصل وسار معها الى الموصل , حيث نزلت في دار المتصرف وامضت ليلتها هناك ، وفي الساعة التاسعة صباحا من اليوم الثاني غادرت الموصل الى كركوك بالسيارة بحماية مصفحتان الى الكوير ورافقها في ذلك المتصرف ومدير الشرطة , وفي الكوير استقبلها متصرف اربيل ومدير شرطتها وودعها هناك متصرف الموصل ومدير شرطتها عائدين الى عملهما ، وفي كركوك نزلت ضيفة كريمة في دار المتصرف وفيها تناولت الغداء مع الحاشية الملكية , وفي الساعة السادسة والدقيقة الخمسين بعد الظهر استقلت الاميرة وشقيقها القطار الخاص مع الحاشية من كركوك الى بغداد وكانت بمعية قوة من الشرطة ، وفي الساعة السادسة من صباح اليوم الثاني وكان يوم الجمعة الاول من شهر كانون الاول 1933 وصلت الاميرة عالية العاصمة وكان باستقبالها الامير حسين مندوباَ عن الملك غازي , و(تحسين قدري) وامين العاصمة ومتصرف لواء بغداد وعدد كبير من كرام السيدات.
وعند نزول الأميرة من القطار استقبلت سيارة ملكية خاصة وقصدت مقر الحرم العام وقدمت التعازي الى جلالة الملكة الوالدة , ومن هناك ذهبت الى قصر والدها الملك علي.
بعد انتهاء فترة الحداد على الملك فيصل الاول نشرت الصحف العراقية صباح يوم 25 كانون الثاني 1934 البيان التالي : سيتم قران حضرة صاحب جلالة الملك المعظم مساء اليوم (الخميس) لهذه المناسبة السعيدة سيتشرف رئيس وأعضاء مجلس الوزراء ورئيس مجلس الاعيان والنواب و رؤساء الوزارات السابقة بتناول طعام العشاء على المائدة الملكي وبناء على رغبة جلالته سوف لا تقام اية مراسيم اخرى نسأل الله تعالى ان يجعل قران جلالته مصحوبا باليمن والبنين وان يتمتع شعبه بالرغد الشامل والعز الدائم وفي مساء اليوم نفسه اي في 25 كانون الثاني 1934، وبعد مرور أربعة اشهر على رحيل الملك فيصل الاول تمت مراسيم عقد قران الملك غازي على ابنة عمه الأميرة عالية الذي اقتصر على افراد الاسرة المالكة والوزراء ورئيس مجلس النواب وقاضي بغداد وذلك احتراماً لزعيم الأسرة الهاشمية ، « ، وقد قام بعقد القران مفتى العاصمة السيد يوسف ال عطاء وشهود العقد كلا من السيد
جميل المدفعي رئيس الوزراء و(السيد محمد الصدر) رئيس مجلس الاعيان والسيد رشيد الخوجة رئيس مجلس النواب .
كانت حفلة القران بغاية البساطة ، إذ لم يدع لها أحد غير امراء البيت المالك والوزراء وقاضي بغداد ورئيس مجلس النواب مراعاة للحداد وقد حضر الملك عبد الله حفلة القران وفي مساء الخميس الموافق 25 كانون الثاني من عام 1934 ودع جلالة الملك علي والملكة نفيسه والدة الملكة عالية ابنتها لتنتقل من قصر الرحاب الى قصر الزهور الجديد.
انتقل العروسان الى قصر الحارثية القريب من قصر الزهور الملكي الذي لم يكتمل بناؤه على اعتبار انه لا يجوز ان تسكن ملكتان الملكة حزيمة والدة الملك غازي وزوجته الملكة عالية زوجته في قصر واحد , وبعد اكتمال بناء القصر بدأت الملكة عالية حياتها كزوجة للملك غازي الذي قام بإعداد برنامج خاص من مدرسين ومدرسات على قدر عالٍ من العلم لتعليم الملكة في التعامل الدبلوماسي ليكون باستطاعتها اداء متطلباتها كملكة .
كانت هناك بعض الملاحظات التي رافقت هذا الزواج وهي إن الموقف الذي وقفه نوري السعيد والفريق جعفر العسكري من زواج الملك غازي من الانسة نعمت صغرى بنات السيد ياسين الهاشمي كان موقفا سياسيا من قبل نوري السعيد ضد ياسين الهاشمي الامر الذي ربما كان سيغير من الاحداث السياسية التي مر بها العراق وهذا ما اشار اليه ناجي شوكت بمذكراته حيث قال:» لو كان الملك غازي قد اقترن بإحدى كريمات ياسين الهاشمي سواء الاصغر نعمت او غيرها في تلك الايام لم تحل الضغينات والتقاليد دون ذلك , لرأينا كيف كان قد انقلب تاريخ العراق السياسي رأسا على عقب , وسارت البلاد في اتجاه غير الاتجاه الذي سارت فيه بعدئذ , ليبقى الامير عبد الاله بعيدا عن التدخل في رسم سياسة العراق والسيطرة على ابن اخته فيصل الثاني سيطرة تامة , افقدت البلاد عزها وهنائها ,
وزجها في اتون غروره وصلفه وطيشه وفي تاريخ العالم كثير من الامثال على ان قران الملوك يغير مجرى التاريخ في البلدان التي يحكمونها حيث يؤدي ذلك الزواج الى اسعاد الملوك نتيجة لهذا القرآن .
كان الملك غازي على ما يظهر من سير الاحداث يرغب بالزواج من الانسة نعمت الهاشمي وان زواجه من الملكة عالية فرض عليه, وتم تنفيذ هذا الزواج لرغبة والده الملك فيصل الأول ، إذ يبدوا ان الملك فيصل كان قد اوصى قبل وفاته بأن يقترن ولده غازي بالأميرة عالية كما تقرر ذلك فيما بين افراد البيت الهاشمي .
و لم يدر بخلد الأميرة عالية يوماَ انها ستتزوج من الملك غازي لأنها كانت مخطوبة لابن عمها الامير طلال بن عبد الله ولي عهد الاردن وان والديهما قد تفاهما حول هذا الموضوع , ويبدو ان خطوبتها من طلال قد فسخت عندما جاء الامير عبد الله الى بغداد بوساطة نوي السعيد .
ويبدوا من خلال ما سبق ان زواج الملك غازي من الأميرة عالية دون احدى بنات ياسين الهاشمي وكما كان منتظرا منه قد كان سببا في الخلاف الذي كان مستترا بين الطرفين, ولم تكن الفرصة سانحة الى ياسين ليثأر لنفسه الا بعد ان استلم رئاسة الوزارة العراقية بتاريخ 17آذار 1935 ، إذ بدأ يحاول ان يطبق على الملك اجراءات شديدة الى حد انه كان يعتزم خلع الملك واعوانه واعلان الجمهورية الاانه تفاجأ بإنقلاب (بكر صدقي) .
عن رسالة (الملكة عالية سيرتها ونشاطها الاجتماعي في العراق 1911-1950)
اقرأ ايضا
مقاربة تأريخية بين واقعة شهداء دمشق وبيروت وإنتفاضة الحلة وشهدائها العام 1916
هيثم الحلي الحسينيمن الوقائع التاريخية في تاريخ العراق الحديث ، واقعة مفصلية في التأريخ العربي …