كيف نشأت مدينة الرمادي؟ .. اسسها مدحت باشا والي بغداد سنة 1869م

د.حسن كشاش الجنابي
أهتم الباحثون وجغرافيو المدن بدراسة المدينة باعتبارها ظاهرة بشرية تختلف عن باقي الظواهر الجغرافية، من حيث المكونات الوظيفية والعمرانية التي تحتويها، والتي جاءت كنتيجة لسلسلة التطورات الحضارية والتقنية التي مرت بها المجتمعات الحضرية.
ولما كانت المدينة قد مثلت على مر العصور مركزاً لتجمع سكاني كثيف تفاعل مع بيئته لينتج نماذج وظيفية استقطبت أعداداً من العاملين، لتلبي متطلبات المستفيدين من داخل المدينة وخارجها. ولذا فإن هناك ضرورة تفرض نفسها للتعرض إلى استعمالات الأرض والوظائف التي نشأت وتطورت في مدينة الرمادي، لتعطي بالنتيجة للمدينة تركيبها الداخلي الخاص بها. إلا أن هناك خطوطاً عامة تجعل من الممكن أن تتشابه المدن بعضها مع البعض في تراكيبها الداخلية. ففي كل المدن نجد الاستعمالات التجارية والصناعية والخدمية، التي تمثل الجوانب المهمة في حياة المدينة. بينما يمثل الاستعمال السكني الاستجابة الحتمية لتلك الاستعمالات. ومدينة الرمادي واحدة من المدن التي ظهرت فيها هذه الاستعمالات وغيرها، والتي لم تظهر إلا لتخدم سكان المدينة وإقليمها القريب أو البعيد، الذي يشمل إقليم المدينة الإداري والمناطق التي تقع خارج حدوده.
نشأة المدينة
يذكر أسيدور الكرخي في كتابه (المنازل الفرثية) المحطات التجارية التي كان يرعى حراستها الفرثيون عندما استولوا على العراق للمدة بين 248 – 124 ق.م على طريق القوافل التجاري البري المحاذي لنهر الفرات، ومن ضمن المحطات التي ذكرها آنات (عنه) وايبولس (آلوس) وأس (هيت) ثم بسيخينيا التي فيها معبد إله التناسل (أتركاتس) على مسافة 12 فرسخاً من هيت. فرجحت المستشرقة الفرنسية (الواموسيل) أن تكون هذه المحطة التجارية هي مدينة الرمادي وهذا ما يكاد يطابق المسافة بين المدينتين.
فمن المرجح أن تكون بسيخينيا هي الموضع القديم لمدينة الرمادي الحالية. ومما يدعم هذا الرأي هو انه عندما تم بناء المستشفى الجمهوري القديم عام 1954، عُثر على مقبرة دفن فيها الموتى في قبور فخارية تشبه إلى حد كبير ما اتبعه الفرثيون في دفن موتاهم. فوجود الآلهة والمقابر يعزّز استنتاج نستطيع من خلاله القول أنه كان هناك مجموعة من السكان عبدوا هذه الآلهة فـي ذلك الوقت ودفنوا موتاهم في هذا الموضع، وفضلاً عن ذلك فإن هذا الموضع مثّل محطة نهرية على الطريق المائي لنهر الفرات، الذي يبدأ من هيت لينقل القير والنورة باتجاه مدينة بابل منذ أقدم العصور. وولاسيما أن موقع مدينة الرمادي لا يبعد عن هيت عبر نهر الفرات سوى 63 كم. وهذه المسافة تقطعها السفن والزوارق في ذلك الوقت خلال 16 ساعة، فهي إذن أول محطة نهرية بعد هيت تتوقف بها تلك السفن لتستفيد مما يقدمه موقع مدينة الرمادي من فرص الراحة والتزود بالمؤن بعد رحلة ليست بالقصيرة وسط النهر. وهكذا مثل موقع مدينة الرمادي محطة برية على طريق القوافل البري باتجاه بلاد الشام، ومحطة نهرية على نهر الفرات، إذ أن الانتقال عبر نظام المراحل جعل موقع مدينة الرمادي مؤهلاً لأن يكون إحدى نقاط التوقف على الطريقين البري والنهري وفق تقنيات النقل آنذاك. وهناك مسألة أخرى مهمة وهي أن موقع المدينة وبهذا المكان جعلها على مقربة من نهر الفرات الذي أعطاها الفرصة للاتصال بإقليمها الزراعي، فبمجرد عبور النهر باستخدام الزوارق أو بالاتجاه البري شرقاً، نجدها تجاور ريفها القريب. ولذلك فقد ظلت هذه الزوارق إلى عهد قريب توصل أهل الريف وما يجنوه في حقولهم من محاصيل باتجاه المدينة، ليبيعوه، ثم يقتنون ما يحتاجون من سلع وخدمات لا يجدونها في محيطهم.
على إننا لم نجد في كتب التاريخ القديم والإسلامي من تناول موضع مدينة الرمادي من قريب أو بعيد. ويعود ذلك حسبما نعتقد إلى صغر الموضع الذي نشأت عليه المدينة آنذاك والمرتبط بمنطقة التل الواقعة في الزاوية الشمالية الشرقية من محلة العزيزية ولاسيما وأن هناك إشارات تفيد بأن الموضع الأول الذي نشأت عليه المدينة هو موضع شبه تلي يرتفع عما حوله تجنباً لأخطار الفيضان، التي كانت تتعرض لها المناطق المحاذية لنهر الفرات باستمرار.
لكن المدينة لم تظهر إلى الوجود كحقيقة قائمة بذاتها، إلا عندما اختارها الوالي العثماني (مدحت باشا) في المدة (1869 – 1872) كمركز حضري، ابتغى من خلاله توفير الأمن والاستقرار على طريق القوافل التجاري الآنف الذكر،
حيث أسس في المدينة مركز للشرطة ومستشفى ودائرة للكمرك، كما مد خطاً للتلغراف بين بغداد والرمادي لترغيب القوافل التجارية بالسير على هذا الطريق، الذي كان محفوفاً بأخطار الفيضانات وهجمات البدو.
وكان من نتيجة ذلك أن أخذت القوافل التجارية تغدو عليه، لكونه أقصر مسافة من طريق الموصل – ديار بكر – حلب.
وعلى الرغم مما تركه مدحت باشا من لمسات حضارية لم تكن تعرفها المدينة من قبل. إلا أنها أُهملت بعد رحيله عن العراق عام 1872، فتدهورت على إثر ذلك الوظيفة التي تمارسها كمركز لتجهيز القوافل بالمؤن والخدمات نتيجة تردي الوضع الأمني على الطريق حتى سقوط الدولة العثمانية. لذلك ظل طريق بغداد – الموصل – ديار بكر – حلب، الأكثر استخداماً رغم طول المسافة التي تقطعها القوافل مقارنة بطريق القوافل الفراتي.
مما يقود إلى الاستنتاج بان مدينة الرمادي ارتبطت عفوياً بهذا الطريق باعتبارها مدينة من مدن المرا حل ما بين بغداد والشام فاصبح تطورها مرهوناً بهذا الطريق وما يتعرض له باستمرار من فيضانات وهجمات البدو، وهذا ما كانت تتحاشاه القوافل. مما يدفعها إلى أن تبتعد عن مجرى نهر الفرات وتسلك طرقاً أخرى. ويبدو أن هذا الطريق كان غير مأمون ولا تسلكه القوافل حتى أوائل العهد الإسلامي
موضع المدينة:
لقد تحدد موضع مدينة الرمادي بنقطة الالتقاء بين تكوينات أرضية مختلفة، فعندما يدخل نهر الفرات المدينة، يتحول مجراه من مجرى خانقي إلى مجرى نهر فسيح يجري في أرض منبسطة ذات تربة خصبة، عندها يبدأ السهل الفيضي الرسوبي الذي تقع مدينة الرمادي في جهته الشمالية الغربية، بينما تمثل مدينة بلد في محافظة صلاح الدين حدود السهل الشمالية الشرقية. ولقد أفاد التركيب الجيولوجي للسهل الرسوبي لموضع المدينة الأول في تهيئة السبيل للاستيطان المبكر في المدينة. أما الأراضي الواقعة إلى الغرب من المدينة عبر قناة الورار (التي تشطر المدينة إلى شطرين) فعندها تبدأ الهضبة الغربية.
ولغرض رسم صورة واضحة للوضع الطبوغرافي لمدينة الرمادي يمكن أن تفيد في إعطاء تفسير يُبرر إمكانيات نمو المدينة على هذا الموضع في الحاضر والمستقبل، لابد من تقسيم المظهر الطبوغرافي العام لمدينة الرمادي إلى قسمين رئيسيين، كما يظهر من خلال تحليل.
فالقسم الأول يشمل الشطر الشرقي من المدينة الذي يتراوح في ارتفاعه بين (46 – 53 م) فوق مستوى سطح البحر. أما القسم الثاني فيشمل الشطر الغربي بعد عبور قناة الورار، حيث تتميز الأرض بالارتفاع التدريجي كلما اتجهنا غرباً، وخاصة بعد اجتياز خط الارتفاع 60 م فوق مستوى سطح البحر، وغالباً ما يكون سطح الأرض في هذا المكان متموجاً ويحوي بعض التلول الواطئة والمنخفضات، التي ما أن تتعرض إلى مياه الأمطار حتى تتحول إلى مستنقعات،ثم إلى سبخات عندما تجف مياه الأمطار،كما هو الحال في المنطقة الصناعية الغربية.
يتراوح ارتفاع هذا القسم بين 50 – 70 م فوق مستوى سطح البحر، وتكون التربة هنا رملية كلسية فقيرة في غطاءها النباتي، إذ لا تستلم من الأمطار إلا ما يعادل 5 – 10 سم سنوياً. واستناداً إلى ما ذكر أعلاه فإن القسم الأول سهل للمدينة الاتصال بريفها المجاور عبر نهر الفرات الذي يقع إلى شمالها، أو بالمستوطنات التي تجاورها من الناحية الشرقية مستفيدة من السداد التي تقع على كتوف النهر. مما عزز علاقات التبادل بين المدينة والقرى المحيطة والمدن المجاورة.
وعلى ضوء تحليل خصائص الإقليم الإداري الذي يتبع للمدينة فإن موضع المدينة أخذ موقعه في وسط إقليم زراعي كثيف عندما نتجه شمالاً وشرقاً، حيث تنتشر القرى الزراعية القريبة من المدينة كما هو الحال في قرى طوي والسورة والصوفية والدشة وسطيح وزنكورة وحصيبة الشرقية والبو فراج والبو ذياب والبو عبيد والحامضية والبو عساف والملاحمة … الخ وهذه القرى تتبع إدارياً إلى مركز قضاء الرمادي وناحية الحبانية (قضاء الرمادي) الذي يبدو من الخارطة إن أغلب قراه تتمحور على ضفتي نهر الفرات.
كانت المدينة في بداية تأسيسها عبارة عن قرية كبيرة تحيط بها البساتين من جهاتها الشمالية والشرقية والغربية، تمارس وظيفتها كمركز للتسوق ومطعم يقدم الطعام والخدمات للمسافرين وسكان الريف، ولذلك فقد انتشرت فيها الخانات التي يبيت فيها المسافرون على الطريق وسكان الريف (مع حيواناتهم) الذين يفدون إلى المستوطنة لغرض بيع المنتجات الزراعية والحيوانية. وقد ظلت المدينة تنمو بخطوات بطيئة. مما أنعكس على حجمها الصغير الذي لا يريد أن يغادر حدود الموضع الأول وأطرافه القريبة.
عن رسالة الدكتوراه (الاقليم الوظيفي لمدينة الرمادي(

اقرأ ايضا

من تاريخ المسرح في العراق في سنواته الأولى

لطيف حسنمع انتشار المدارس في العراق، دأبت هذه المدارس، لاسيما المدارس الخاصة،الاهتمام بالمسرح المدرسي، نذكر …