الضرائب والرسوم في العراق خلال العهد العثماني

د. عدنان القطان
أبدى العثمانيون اهتماما خاصا بالضرائب كونها تمثل المورد الأساسي والوحيد لخزينة الدولة. واستخدمت الحكومة العثمانية طرقا عديدة في جباية الضرائب، وكانت الطريقة الأكثر شيوعا هي طريقة الالتزام بالمزاد والذي يمنح عادة لمن يتعهد بدفع أعلى مبلغ، وكان كبار الملاكين بوجه عام يشترون بالمزاد حصص قراهم بأسعار تساعدهم في الحصول على الأرباح، وقد لعب نظام الالتزام دورا مهما في تراكم رؤوس الأموال بيد كبار التجار والمرابين..
ومن المفيد بالإشارة إلى أن الضرائب تعددت أنواعها بشكل كبير، فمنها: ضريبة العشر وضريبة الأملاك وضريبة الماشية أو ما تعرف بـ: الكَودة وهي كلمة تركية يقصد بها (الذبيحة) وتعرف في العراق باسم (رسم الأغنام) ومحليا بـ (الباج) أو (الكَودة)، وهناك ضريبة الدخل وضريبة بدل الخدمة العسكرية …. الخ، بالإضافة إلى الرسوم التجارية كرسوم التمغا أو (الطمغة) والرسوم التي تؤخذ على الأكلاك، والرسوم المفروضة على أحمال الدواب، ويبين عباس العزاوي في مؤلفه الموسوم (تاريخ الضرائب العراقية من صدر الإسلام إلى آخر العهد العثماني، ص ٥٢) أن هذه الرسوم تختلف تبعا لما تحمله من حنطة أو شعير أو ماش وباقلاء علاوة على رسم الطابع (بول طمغاسي) الذي أجيز استخدامه في معاملات الرسوم المقطوعة أو النسبية ومنع تداول الصكوك والسندات، كما فرضت إدارة الدين رسوما أخرى سنة ١٩٠٨م باسم تصديق رسم الطابع على المعاملات الخاصة بها.
لنستعرض تلك الضرائب بشكل موجز:
أولا: ضريبة العشر:
تعتبر ضريبة العشر من أهم الضرائب المعروفة في العراق وكانت تفرض على ما تنتجه الأرض الزراعية من الغلة سنويا بنسبة ١٠٪، إلا ان النسبة الفعلية لهذه الضريبة لم تكن تنطبق على تسميتها فقد كانت نسبة ضريبة العشر على انتاج الحنطة والشعير تبلغ خمس الحاصل وأشجار الفواكه سبع الحاصل، وعلى الخضروات عشر الحاصل، وكان مالكوا الأراضي المروية يدفعون نسبة إضافية قدرها ١٠٪ عشر الحاصل أيضا.
وكانت هذه الضريبة أكبر من ذلك في بعض مناطق العراق الوسطى والجنوبية وذلك تبعا لنظام الري المعمول به، فالأرض التي تروى بواسطة القنوات يؤخذ خمس حاصلها في حين يؤخذ الثلث من الأرض التي تسقى سيحا والعشر التي تروى بالواسطة.
وكان مقدار الضريبة التي تجبى من الأراضي العائدة للدولة تبلغ (١٧،٥٪) من الحاصل، فضلا عن أن الزعماء والشيوخ كانوا يأخذون ضريبة أخرى مقدارها (٢،٥٪) في مناطقهم، وكان الفلاحون – وبتشجيع من زعمائهم في بعض الأحيان – يحاولون إخفاء ولو قليلا من محاصيلهم عن أنظار المخمنين، لأن المخمنين، يعلمون بأن نصيبهم سوف يزداد كلما ازداد ما يحوزه الفلاحين من حاصل.
ثانيا: ضريبة الأملاك (الويركو):
ضريبة تجبيها الدولة لغرض تغطية النفقات العسكرية في وقت السلم والحرب، وكانت تجبى بموجب ضوابط عامة ولم تعف من هذه الضريبة إلا الأراضي المعروفة بـ (السنية) وأراضي الوقف، وعرفت هذه الضريبة باسم ضريبة (الأملاك والعقارات) (أملاك وعقار ويركسي)، أما بين السكان فقد عرفت بـ (ويركو – أي الضريبة-) فقط، وكانت تؤخذ عموما بنسب ثابتة من بيوت السكن في العراق نتيجة لانخفاض دخول الأفراد فيه، فقد حددت ضريبة الأملاك بـ (٢٥) قرشا عن كل بيت سنويا.
أصدرت الدولة العثمانية عام ١٩١٠م نظاما جديدا يقضي بإعادة تحرير المسقفات وتحديد مقدار الإيراد الإجمالي لكل منها، وتشكلت لجان في كل ولاية لاستيفاء نسبة ١٢٪ من الايراد الإجمالي لجميع المسقفات سواء تلك التي تستخدم لأغراض السكن أو الايجار.
أما الطواحين والمعامل والبيوت الخشبية أو الطينية باستثناء بيوت السكن التي يقل إيرادها عن (٢٥٠ قرشا) فكانت معفاة من الضرائب، كما فرضت ضريبة على العرصات المستخدمة كمخازن أو معامل بنفس النسبة السابقة وأعفيت جميع الأملاك العائدة للدولة، والأسر الحاكمة والبلديات ودور العبادة والمدارس من ضريبة الأملاك.
ثالثا: ضريبة الماشية:
الضريبة التي تفرض على الأغنام والأبقار والجواميس والجمال وتعرف باسم (الكَودة)، وكانت تستوفى عن الأغنام والأبقار بمقدار (٩،٥ قرش) عن رأس كل ماشية.
هذه الضريبة كانت تفرضها الدولة العثمانية على تجار الأغنام والجمال، لكن نجد من يفرض على هؤلاء التجار من قبل عشيرة شمر قسرا بما يعرف بـ (الخوة): وهي مأخوذة من الأخوة وتعني المحالفة والعهد لدرجة الأخوة، أي إن من يأخذون منه خوة يكون مصونا ومحافظا عليه كالأخ ويقال لها الخاوة، وكانت تفرض على أغنام ومواشي القبائل الأخرى وعلى القوافل التي تمر ضمن المناطق التي تسيطر عليها القبيلة.
نشأت (الخوة) من اعتقاد شمر الجربا بأن منطقة الجزيرة – وهي المنطقة الممتدة ما بين بغداد والموصل، وماردين و اورفه والرقة ودير الزور وعانة و راوه والرمادي- بمثابة ملك لهم لأن جدهم الأعلى (فارس الجربا) كان قد انتزعها من عشائر العبيد وطي، وقد امتدت أيدي شمر الجربا إلى تجار الموصل وبغداد وغيرهما، ففي سنة ١٩٠٩م بلغ ما أخذته (شمر) من تجار الأغنام ما يزيد على (٦٠٠٠) ليرة عثمانية، ففرضوا على كل رأس من الجمال نصف ليرة وعلى رأس كل دابة بقر قرشان ونصف القرش، وعلى الحصان ليرة واحدة، وعلى الأغنام قرش ونصف القرش، وقد أثارت الخوة الموضوع بشكل خاص إلى حد أنهم رفعوا شكوى ضدها إلى رئيس مجلس المبعوثان العثماني (أحمد رضا بك).
رابعا: ضريبة الدخل:
تؤخذ من الذين يبيعون المواد الغذائية والصاغة وتجار المجوهرات والمنسوجات وغيرهم، ثم شملت أصحاب الرواتب والأجور بعد انقلاب ١٩٠٨م، وقد حددت هذه الضريبة بنسبة ٣ ٪ من الدخل في سنة ١٨٦٠م ثم ارتفعت إلى ٤٪ سنة ١٨٧٩م ثم إلى ٥٪ سنة ١٨٨٥م.
خامسا: ضريبة البدل العسكري:
ضريبة تجبى من الطوائف غير المسلمة مثل المسيحيين واليهود لقاء إعفائهم من أداء الخدمة العسكرية وقد وسع نطاق هذه الضريبة حيث أصبحت تشمل المسلمين غير الراغبين في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وقد استمر العمل بالبدل النقدي إلى سنة ١٩٠٩م حينما ألغى الاتحاديون البدل وتوجب على الجميع أداء الخدمة العسكرية، علما أن هذا الإجراء لم يطبق عمليا.
كذلك هنالك الرسوم التجارية كرسوم التمغا (الطمغة) وهي رسوم كانت تفرض على صناعة الأواني النحاسية وعلى المفروشات وسائر المبيعات في الأسواق وبنسبة ٢،٥٪ من قيمتها، بالإضافة إلى الرسوم التي تفرض على الأكلاك التي ترد إلى الشرائع وكانت هذه الرسوم تجبى من قبل جورباجي، والجورباجي وهو ضابط يتولى مسؤولية جباية الرسوم وإعطائها كمعاشات لرجال الخدمة المتقاعدين الذين يذهبون إلى الحرب ولا يعودون، وأصل الكلمة من جوربا بالتركية وشوربا بالفارسية وهذه الأخيرة ربما تكون مأخوذة عن الأصل العربي “شرب”، ويأخذ منها آغا البلد مقدارا من الأحطاب باسم (طمغة).
لقد كان المسؤولون عن جمع الضرائب يدعون بـ (الملتزمين) أو (الماليين)، لكن تجاوز هؤلاء حدود عملهم (مسؤولياتهم)، وكانوا يرهقون الناس حيث ينتشرون في كل صوب ويتعرضون للباعة والتجار، لذا فإن كثرة الضرائب التي فرضتها الدولة العثمانية وسوء جبايتها من لدن الملتزمين أضرت بالتجارة وأثقلت كاهل التجار.
كما كانت تفرض علي السكان ما يعرف بـ (الإعانات والتبرعات) في ظروف معينة كالحروب وأوقات الأزمات أو للقيام بمشاريع كبيرة كمشروع سكة حديد الحجاز أو مشروع دعم الأسطول العثماني أو لإغاثة اللاجئين، وأصدرت الحكومة العثمانية طوابع خاصة بتلك الإعانات.
عن: مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

اقرأ ايضا

من تاريخ المسرح في العراق في سنواته الأولى

لطيف حسنمع انتشار المدارس في العراق، دأبت هذه المدارس، لاسيما المدارس الخاصة،الاهتمام بالمسرح المدرسي، نذكر …