عبد الحميد الرشودي
مكث المرحوم فهمي المدرس ا في البلاد الاوروبية قرابة العام ونصف العام ثم عاد الى العراق قبيل تأسيس الحكم الوطني في 23/ آب 1921، حيث اختير رئيسا للامناء في البلاط الملكي، الا انه لم يمكث في وظيفته هذه اكثر من سنة واحدة بسبب تهمة لفقت ضده عند زيارة المندوب السامي البريطاني “بيرسي كوكس” للملك فيصل الاول مهنئا بعيد التتويج الاول، ذلك انه تجمعت في ساحة البلاط الملكي في 23 آب 1922 تجمعات واسعة قادها الحزبان القائمان يومذاك وهما الحزب الوطني العراقي وحزب النهضة بمناسبة الذكرى الاولى للتتويج،
ثم لم يلبث ان صعد وقد يمثل قادة الحزبين لتهنئة الملك واسماعه مطاليب الشعب، وقد استقبلهم الملك غير انه اعتذر عن سماع كلماتهم وخطبهم لارتباطه بموعد مسبق مع المندوب السامي البريطاني، وامر رئيس الامناء الاستاذ فهمي المدرس بالتوجه مع الوفد الى الجمهور والاستماع الى خطبهم ومطالبهم وابلاغها اليه، وفعلا انسحب الوفد يتقدمه رئيس الامناء وخرجوا الى الشرفة المطلة على ساحة البلاط حيث الجموع المحتشدة، وبدأ الخطباء يستعرضون اوضاع البلاد واطماع الانكليز وموقف الشعب من امانيه الغالية.. وفي غمرة هذا الجو المشحون، حضر المندوب السامي الى البلاط، وما كاد يرى ما يرى حتى اضطرب وامتقع لونه وتغيرت ملامحه، وشقت سيارته – بصعوبة – طريقها بين صفوف الجمهور، ولولا اسراع حرس البلاط واحاطتهم بالسيارة وصاحبها لاعتدى الشعب عليه، وما كاد المندوب السامي البريطاني يترجل من سيارته ويرتقي السلم متوجها لمقابلة الملك حتى دوت هتافات تعلن سقوط الانتداب والانكليز والاستعمار، واختفى المندوب السامي لحظات ثم لم يلبث ان خرج – بعد تهنئة الملك- وهو بادي الاضطراب وركب سيارته وقفل عائدا الى دار الاعتماد.. حدث كل هذا والخطيب يخطب والجماهير تهتف وفهمي المدرس يستمع ويرى ليوافي الملك بما سمع ورأى..
ويبدو ان المندوب السامي وجدها فرصة طالما انتظرها بغيظ دفين، فما كان يعود الى مقر عمله حتى حرر كتاب احتجاج شديد ارسله الى الملك في اليوم التالي.
وهكذا تم للإنكليز ما ارادوا، فقد استطاعوا ان يبعدوا فهمي المدرس عن البلاط “لانهم وجدوا بقاءه في البلاط خطرا يعرقل مصالحهم ويخلق العثرات امام سياستهم”، كما هيأ عملهم هذا الجو الملائم لشن حملة اعتقالات واسعة ضد المواطنين المعروفين بنشاطهم السياسي المضاد لهم ولمشاريعهم الاستعمارية لتمرير معاهدة 1922.وبذلك انقطعت صلة المدرس بالبلاط منذ 1 ايلول 1922 ..
المدرس وجامعة ال البيت
لقد اختير المدرس بتاريخ 11 كانون الثاني 1922 عضوا في لجنة التأسيس لجامعة آل البيت للنظر في وضع اسس اول جامعة في العراق واختيار المناهج الدراسية الملائمة لها، وفي 13 نيسان 1924 انتخب المدرس امينا لجامعة آل البيت.. انتخب امينا للجامعة بعد انزوائه عامين في عقر داره لاسباب لا يعلمها الا الله والراسخون في العلم. وقد افرغالمدرس وسعه واستنفذ جهده في سبيل ارساء الجامعة على مناهج علمية رصينة تستمد اتجاهاتها من ينابيع الثقافة الاسلامية، فخطط للجامعة دروسا علمية ممتازة واختار لها اساتذة فضلاء، وعمل على اصدار مجلة باسم “الجامعة” حفلت بمحاضرات الاساتذة ودراساتهم التي كانوا يلقونها على الطلبة.
وقد عارض هذا الاتجاه الاسلامي الذي كان يرغب المدرس ان يجعله الطابع المميز للجامعة تفر من رجال السياسة والتربية كانوا يرون وجوب الفصل بين التعليم والدين، زاعمين ان التعليم علم يستند الى العقل والتجربة وان الذين عقيدة في القلب! وقد كان على رأس هذا الاتجاه نوري السعيد وفاضل الجمالي وساطع الحصري، فوضعت العراقيل في سبيل الجامعة منذ بدايتها الى ان تم إغلاقها بموجب قرار مجلس الوزراء في 24 نيسان 1930 القاضي بسد الشعبة الدينية سدا مؤقتا.
اثنا عشر يوما في المعارف
وفي 15 آب 1935 صدرت الارادة الملكية بتعيين فهمي المدرس مديرا عاما للمعارف براتب الدرجة الاولى وقدره (70) دينارا، وقد باشر المدرس وظيفته الجديدة هذه بتاريخ 18 آب 1935، الا انه لم يستمر فيها مدة طويلة، فقد وجد في طريقه من العراقيل والمضايقات ما يجعل من المستحيل عليه الاستمرار وتحقيق المنهج الاصلاحي الذي ينشده، فاستقال بتاريخ 28/8/1935.
وطفق بنشر مقالات ضافية حول المعارف واصلاحها يكشف فيها للرأي العام العراقي حقيقة الامور في وزارة المعارف ويشير على المسؤولين – الذين حاربوه – بالوسائل الناجعة لانقاذ معارف البلاد من اعاصير التسيب والانحراف والفساد.
في دار العلوم
وبعد وفاة الحاج نعمان الاعظمي مدير دار العلوم في سنة 1345 هـ – 1936 م اختير المدرس خلفا له، وقد استمر في وظيفته الى سنة 1357 هـ – 1938م.
المدرس في اعوامه الاخيرة
لقد اصطلح على المدرس في اعوامه الاخيرة كثير من الهموم والهواجس والاوهام التي كان مبعثها شيخوخته وجهاده الطويل وبوار سعيه، زد على ذلك ما كان يقاسيه في بيته من مشاكل ومنغصات مردها التفاوت الكبير بين سنة وسن زوجه، مما جعله يركن الى الصمت في اغلب الاوقات، فلم يؤثر عنه في هذه السنوات من النشاط الادبي والسياسي شيء يذكر اللهم الا اذا استثنينا ما كان يكتبه بمناسبة المولد النبوي وخطبه الوطنية التي اذاعها من محطة اذاعة بغداد غداة حركة مايس 1941 التي اندفع في تأييدها وتأييد القائمين بها رغم اعتقاده بفشلها الاكيد، فقد علل هذا التأييد وذلك الاندفاع بقوله “انها فرصة عرضت علي لابث مبدئي واذود فيها عن عقيدتي واهاجم اعداء امتي وقومي فيجب ان اغتنمها، وليس الشرط ان تنجح القضايا الوطنية حالا انما المهم التضحية بالقضايا الفردية، فاذا انتهت حركة رشيد عالي سنعود ثانية الى عراكنا مع نوري السعيد لاني واثق من نصرهم لان قواعدهم فيا لبلد، وهذه الاردن قريبة بجيشها لنصرة الانكليز، فلم لا اشارك في الدفاع عن كرامة وطني وقومي وامتي وليكن ما يكون بعد ذلك”.
وبعد فشل حركة مايس 1941 اغلق فهمي المدرس مجلسه واوصد بابه دفعا لجواسيس السلطة المتواطئة مع الانكليز، الا ان بعض اصفياء المدرس ومريديه لم يثنهم ذلك عن زيارته والاستفسار منه عما يجري في البلد، فكانوا يدلفون اليه من بوابة خلفية بعيدة عن عيون الجواسيس ويتداولون مع اوضاع الشعب واحداثه. وكان رحمه الله رغم كل ذلك ذا ثقة وامل في مستقبل بلاده، فقد كان يعتقد “ان هذه حلقة من سلسلة كفاح طويل على الشعب ان يحتمله ويصطبر حتى يبلغ امانيه الوطنية”.
وهكذا استمر المدرس في عزلته وصمته لم يخرج على الناس بمقال او حديث حتى قامت الضجة حول كتاب “رسائل التعليقات” الذي اصدره المرحوم معروف الرصافي، فقد تسلم المدرس من مديرية الاوقاف العامة كتابها المرقم 2278 والمؤرخ 26/2/1944 والذي رجته فيه ان يبدي رأيه في كتاب الرصافي، فاستجاب المدرس وأرسل اليها بجوابه في 6/3/1944 وطلب الى المديرية المذكورة الا تنشره.
وفاته
لقد اصيب المدرس في آب 1944 بمرض الزمه الفراش، وقد حاول كثير من اصدقائه وتلاميذه حمله على مراجعة المستشفى ولكنه رحمه الله ابى ان يفعل خوفا من غدر الطبيب الانكليزي في المستشفى! وقبل ان تنسلخ ليلة الاثنين الرابع عشر من آب 1944 فاضت روح المدرس الى بارئها.. فطويت صفحة ناصعة نظيفة من الخلق الرضي والادب الجم والعلم الغزير..وفي اليوم التالي خرجت قلة من اصدقاء المدرس وتلاميذه وعارفي فضله تشيعه الى مثواه الاخير في مقبرة الشيخ عبد القادر الكيلاني في الجانب الشرقي من بغداد.
اقرأ ايضا
مندلي وثورة العشرين الخالدة
عبد الكريم جعفر الكشفيالثورة الفرنسية 1789، و البلشفية 1917 وثورة العراق الخالدة في تمور 1958 …