إحسان شمران الياسري
إذا كانت هذه الرواية قد بدأت من مضيف الشيخ (سعدون بن مهلهل) في ليلة من ليالي كانون الباردة، وبدأت في الزمان الذي أصبحت فيه ثورة العشرين عام 1920 ذكرى قريبة، يتغنى العراقيون ببطولات ثوارها، ويتحسّرون على خسارتهم للمعركة أمام القوة الكبيرة للأنكيز، فأنها تنتهي قبل أن تسقط ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ويتم اجهاضها عام 1963 صريعة المؤامرة والفاشية، وفوضى إلادارة التي طبعت المراحل الأخيرة من عهدها.
ولقد إختار الكاتب ان تنتهي الأحداث (المنشورة) من الرواية قبل يوم الثامن من شباط الاسود عام 1963، لان الرواية نشرت في العراق، وفي ظل النظام المسؤول عن ذلك الحدث الاسود.. ولكن المؤلف أكمل في روايته الثانية (قضية حمزة الخلف)، التي نشرت عام 1983 بعد رحيله بعامين، احداث الانقلاب وما تلاها.. الامر الذي يجعل الرواية الاخيرة جزءاً اساسياً من الرباعية وخاتمتها التي جسّدت براعة المؤلف عندما يتحرر من قيود الرقابة ويقول الاشياء بمعانيها ومدلولاتها.
فقد كتب الرواية وهو في المنفى ونشرت بعد وفاته في بيروت، ووصلتنا بعد ان عاد المنفيون عام 2003.
لقد أرّخ هذا العمل المجيد لمرحلة حرجة من مراحل الدولة العراقية الحديثة لاكثر من أربعة عقود، تتطور فيها سلطة الاقطاع بدعم ومباركة الانكليز والسلطة التابعة لهم، وُتلقي بظلالها على ريف الوسط والجنوب_ محور الرواية ومناخها_..
فالكاتب يؤرخ لمرحلة نشوء الاقطاع، وعلاقة ذلك بالانتكاسة التي تعرضت لها عشائر الفرات الاوسط (هذي دّية ثوار الفرات يدفعونها لشيوخ العشاير بدجلة).. فلقد عاد (ابن طرفة) يحمل الف روبية هدية من الحاكم الانكليزي.. وما ان سمع الشيخ (سعدون بن مهلهل) بهذا الخبر، حتى بدت قضية الوصول الى الحاكم الانكليزي هاجسه الأعظم، والبداية لنشوء السلطة التي خلقتها الألف روبية وتحالفاته مع اعداء الأمس. ثم تعرضت الرواية لوقائع سقوط الأقطاع على يد ثورة تموز المجيدة ونشوء علاقات اجتماعية واقتصادية جديدة، تتجلى خلالها أخلاقيات وقيم المجتمع، وثبات بعضها وإنزواء الأخرى بسبب هذا الوضع الجديد.
لقد قدمت هذه الرواية المرحوم (شمران الياسري – أبوكاطع) أديباً عظيماً عرفه العراقيون عبر قلمه الرائع وبرنامجه الاذاعي الهائل الذي شغل الناس وحاز على اعجابهم ومتابعتهم.. وعندما بدأت جهود نشر الرواية، وهي جهود إستمرت لأشهر لإقناع وزارة الثقافة والاعلام (سابقا”) لتعضيد نشر الرواية، ثم اعتذارها لأسباب معروفة، تحّول الهدف الى أن يتوّلى القرّاء تمويل النشر من خلال شراء الرواية مقدماً.. وهي تجربة فريدة في زمن كانت الدولة تطبع اوطأ الكتب قيمة ولعشرات الجهلة من الكتاب وأدعياء الثقافة والفكر.. فمّثل هذا بحق تحديا فطريا من الجمهور المثقف لأعداء الثقافة والفكر الراقي.
لقد كتب المرحوم ابو كَاطع هذه الرواية على ضوء الفانوس في الفترة التي تخّفي فيها عن السلطة غداة انقلاب شباط 1963.
كان يصل الليل بالنهار وهو يكتب ويُصّحح وُيعيد الكتابة.. وكان يقرأ مسوّداتها لأصدقائه الذين يأتون لزيارته تحت جنح الليل، متخّفين من عيون الشرطة وجواسيس السلطة.. فيتحاورون ويناقشون. وكان بعضهم شخوصاً بالرواية وابطالاً لأحداث بعينها..
ان (الزناد) هو الاداة التي استطاع بها (إبن مهلهل) التغلب على الشخصية الاسطورية (خلف) وأستحوذ على (ديمته) مقابل هذا الزناد..
ولكن ذات (الزناد)، يستطيع ان يتسبب بحريق هائل ويغير مجرى الاحداث، ويوقف ما لم يستطع (خلف) التغلب عليه، وهو البطل الهائل، والطيب حد السذاجة.
لقد عاش (أبوكاطع) في الريف، تعلّم منه ما لم يتعلمه في المدينة وفي المدارس والعمل السياسي..
إن ما تعلّمه في الريف هو الذي كوّن شخصيته اللماحّة التي إلتقطت واختزنت ألوف المشاهد والجزئيات التي يعجز المشاهد من خارج تلك البيئة ان يلتقطها.. ولسوف يُعطي التأريخ لهذا الرجل البارع شهادة على انه تفّرد حد إلابداع في عرض صورة الريف وإخلاقيات أهله، ونمط تفاعلهم مع الحياة وتداعياتها بطريقة لم تتح لموهبة أخرى، وأجزم انها لن تتح في الزمن المنظور.
فالذي يعيش في أجواء هذه الملحمة الفاتنة التي تحكي قصة الشعب العراقي الساكن في الريف، لن يتمكن من مغادرة هذا الجو بسهولة.. وعندي أدلة على اصدقاء قراوا الرواية فحفظوا مقاطع طويلة منها، ومشاهدات وحوارات في قراءة اولى لها.. وعندما حاولتُ الاستيضاح عن هذه المقدرة في الحفظ، قالوا بثقة (ان هذه الحوارات محظ حياتنا ونمط سلوكنا، ومن العجيب انها وضعت على الورق بهذه الامانة!!)..
ولم يترك المؤلف بعض التفاصيل التي لا يمكن تصّور وجودها في جو درامي مشتعل بالاحداث الكبيرة.. فقد غاص في تفاصيل الحياة العادية وفي الغزل والجنس المتمّرد على حدود الذهن الريفي. كما وصف الكرم، يقابله البخل المفزع.. ولقد وصف ذكاء أهل الريف وسرعة بديهيتهم للحدود التي تقنع ابن المدينة الذي لم يعش في بيئتهم.
لقد نشرت هذه الرواية، عام 1972 ضمن منشورات مجلة الثقافة الجديدة، المجلة التي قادت الفكر العلمي والثقافة التقدمية ومازالت تفعيل ذلك بشرف وأمانة.. وطبعتها مطبعة الشعب.. .
وخلال عام 2003، بعد سقوط نظام الحكم، كان المثقفون، وعامة الناس، يبحثون في شارع المتنبي عن الرباعية او عن بعض اجزائها، وكان اصحاب المكتبات يعرفونها تماماً ويرشدون الى النسخ المصورة منها والاماكن التي توجد فيها..
خلال عام 2006 اتجهت مطبعة (الرواد) الى فكرة إعادة طبع الرواية، وهو حلم راود الكثير من محبي أدب (أبوكاطع)، وبعد أن بادرت وزارة الثقافة مشكورة الى اعادة طبع رواية (قضية حمزة الخلف) التي نشرت عام 1983 بعد عقدين من الزمن..
ان مطبعة (الرواد) تقدم خدمة مجيدة للمكتبة العراقية عندما تعيد طبع هذه الرواية، مُعرضة عن تفاصيل الكلفة واحتمالات الخسارة والربح، معتمدة بالدرجة الأساس على حقيقة ان هذا العمل الكبير يجب ان يكون في متناول القارئ للتذكير بان الشعب العراقي الذي خاض في الريف معركة التحرر من التخلف جنباً الى جنب مع المدينة، بعمالها ومثقفيها وطلابها، يستحق توثيق نضاله المجيد.. وللتأكيد على إن المكتبة العراقية لم تُغلق، وإن القارئ العراقي موجود، وعليك أن تسعى إليه وتقف ببابه، تقدم اليه المادة الجيدة في هذا الزمن العصيب.
ان رواية (شمران الياسري) (الرباعية) بأجزائها الاربعة (الزناد، بلابوش دنيا، غنم الشيوخ وفلوس أُحمّيد) تستحق القراءة، وتستحق التفكير الجدي بانتاجها كعمل سينمائي او تلفزيوني او اذاعي، لانها ملحمة وطنية تقطّعت انفاسنا ونحن نتابع بأهتمام شديد شخوصها وأبطالها وهم يتحركون على مساحة زمنية وجغرافية وأخلاقية واسعة..
وتستحق (مطبعة الرواد) كل التقدير لهذه المبادرة المخلصة.. كما تستحق إذاعة (راديو الناس) التقدير والعرفان بعد أن قررت إعادة عرض هذه الرواية بطريقة مبتكرة فيما يسمى (الكتاب المسموع).. واستطاع الفنان المبدع الاستاذ (جاسم الياسري) أن يضع المستمعين في أجواء قريبة من مقاصد المؤلف للشخصيات والاحداث والبيئة.. لانه إبن البيئة وأحد الشهود على جانب مهم من أحداث الرواية.
لقد حظي المؤلف بقدر معقول من الاهتمام غداة سقوط النظام عام 2003، فاحتفت به الصحافة بطرق مختلفة.. وأعادت وزارة الثقافة نشر روايته (قضية حمزة الخلف).. كما منحته درع المتنبي.
ويسعى عدد من المثقفين (الدكتور عبد الحسين شعبان، الشاعر فالح حسون الدراجي، الاستاذ خليل الموسوي، الفنان جاسم الياسري، الصحفي جهاد زاير، المهندس حميد الياسري، الصحفي فائز الياسري، وكاتب هذه السطور) لاطلاق موقع الكتروني وتأسيس مركز ثقافي تحت اسم (مركز شمران الياسري للثقافة والآداب).
سيبقى (شمران الياسري – ابو كاطع)، متفرداً في حصاد القيمة الكبرى للكتابة من الريف عبر أفق فني وأدبي لم يتح لمثله.. وسيبقى الريف العراقي قضية كبرى ومصنعاً هائلاً لإنتاج الثقافة ومنبت الفكر الخّلاق في الشعر والأدب والخطابة والسياسة.. ولقد كانت (صراحة) (أبوكاطع) مدرسة كبرى في انتاج العمود الصحفي اليومي، ثم في انتاج الرواية الرائعة.
اقرأ ايضا
شمران الياسري(أبو كاطع) في ذكراه… قصيدة لشاكر السماوي
ذياب مهدي محسنريبورتاج:…. بنغمة الشعر وبحر الصبا!والفكرة المتقدة بعبق طليع النخيل…وشدو البلابل في الأصيل… كم …