عبد المجيد زراقط
تهدف هذه المقالة إلى التعريف بتجربة إلياس أبو شبكة الشعريَّة التي خلُصت إلى بلورة رؤى لقضيتين مركزيتين؛ أولاهما الحياة وقضاياها، وثانيتهما الشّعر وقضاياه.
أصدر أبو شبكة ديوانه الشهير «أفاعي الفردوس» في عام 1938، فأحدث جدلا في الأوساط الثقافية، إن من حيث النُّصوص الشعرية التي تصوّر حالات نفسيَّة تتمثَّل في التمرُّد والتوتر والقلق، وإن من حيث الآراء التي تضمَّنتها مقدّمته، التي وضع فيها أسس رؤيته الرومانسيَّة، ووجد النُّقاد آنذاك قرابة بين ديوانه هذا وديوان «أزهار الشر» لبودلير، و«ليالي» موسيه.
كان يستيقظ كل صباح بين الرابعة والخامسة، ويبدأ الكتابة وركوة القهوة إلى جانب، والنارجيلة إلى الجانب الآخر، وكان إذا بدأ النّظم يحرّك يديه كأنَّه يلقي خطابًا في مهرجان، ويهزُّ رأسه وكتفيه ورجليه كأنَّه مصاب بالحمَّى.
كان أبو شبكة، في لبنان، «أبرز شعراء العهد الجديد»، فقد وضع أسس الاتجاه الرومانسي، نظريًا، في مقدمة «أفاعي الفردوس»، وممارسة في عطائه الشعري.
يعدُّ أبو شبكة الشعر «لغة الروح»، ويراه عصيًّا على التحديد، يصدر عن النفس، ويستخدم الطبيعة قيثارة له. ويصدر تعبيرًا كليًّا مرتديًا ثوبه الكامل، وعناصره متساوية في الأهميَّة.
أمَّا الشاعر العظيم، عند أبو شبكة، فهو ذلك الكائن الذي يملك شعلة سريَّة تجعله فوق النظريات والمدارس، لأن إبداعه بثُّ الذات وفيضها وليس صناعة، كما يقول «فاليري وأتباعه».
وكان يرى أنَّ الشَّاعر هو ذلك «التوتُّر الأعظم» الذي تنقر عليه أحاسيس الناس ومشاعرهم، فيبدع الَّلحن العظيم الخالد، وذلك الكائن الذي يرى ما لا يراه النَّاس، فكأنَّه يمتلك نورًا عميقًا تمتلئ به نفسه، فعندما ينظر إلى العالم يفيض ذلك النُّور، فيكشف.
وإن يكن الشاعر يمتلك هذه الموهبة، فإنَّه، كما يرى أبو شبكة، «بقدر ما تكون ثقافته من الرُّقي والذَّوق، والموسيقى في روحه، يكون البيان راقيًا في شعره». لهذا كانت فرنسا من منظوره «الفرن الذي يخبز فيه خبز الإنسانيَّة الثقافي».
يعاني الشاعر الموهوب المثقَّف، فيسقي قَلَمَه ألمُه، وهو صاحب هذا البيت المشهور:
اجْرح القلبَ واسْقِ شعركَ منه
فَدَمُ القلب خمرةُ الأقلام
لكنَّ الألم المعيش لا يغدو شعرًا إلاَّ إذا صُهرَ في النَّفس، ففي هذا «المصْهَر» يتمُّ الخلق، لذا كان لا بدَّ من التمييز بين «الشّعر/ التعبير» و«الشّعر/ الفن».
لا يعني هذا أنَّ الشَّاعر «صَانعٌ» ينظم ساعة يشاء، وإنَّما يعني أنَّ الإنسان الشاعر يمتلك «قدرة خارقة» هي جوهر نفسه، ففي هذا الجوهر تنصهر معطيات العيش، وتفيض شعرًا من «المصْهَر» الذي تشترك قوى الإنسان جميعها في تكوينه «جوهرًا/ روحًا».
وبهذا، يكون الشعر «لغة الرُّوح» هذه، أو «لغة الحسّ الوجداني العميق» المتمثّلة مجازًا بـ «النُّور الأسمى» الكاشف أشياء هذا العالم وقضاياه، وتتعاضد فيه عناصره جميعها، «فلا تنحطُّ الفكرة عن الموسيقى أو الصُّورة».
ولا بدَّ للشَّاعر، كي يكون شعره لغة روح الذَّات المتميّزة، والمتمثّلة ذات الفرد المبدع والجماعة في آن، من أن يمتلك الُّلغة، وإذ يفعل ذلك تسلم إليه أسرارها، فيبدع ما ينقل الحالة الشعريَّة ويثيرها. والُّلغة العربيَّة الفصحى
هي، لكلّ شاعر بها، «أعظم ترجمان عن الذَّات».
عن وظيفة الشاعر ودوره، يقول أبو شبكة: «عصفور… عصفور…، طار… طار وهبط، ما يستطيع عصفور صغير؟!».
تتيح قراءة النماذج الشعرية التي سطَّرها أبو شبكة ونظراؤه القول إنَّ الشعراء الرومانسيين لم يتجاوزوا صنيع الشعراء المهجريين، فكانت قصيدتهم اتباعيَّة البناء، أو تنويعًا على القصيدة الاتباعية. وإن كان لديهم من تجديد فهو لا يتجاوز إطار التنويع البنائي الذي توجّهه مقوّمات القصيدة الاتباعيَّة نفسها، محدَّدةً في الوزن الخليلي، أو تفاعيله، وفي القافية منوَّعة أحيانًا، وفي شكل بنية القصيدة، منوَّعًا عليه أحيانًا أيضًا.
التجربة الشعريَّة
ونرى أنه من الصَّواب أن ننظر إلى تجربة «أبو شبكة» الحياتية /الشعرية، بوصفها مسارًا لم ينفكَّ عن التكوُّن منذ أن بدأ الشاعر تجسيد تجربة حياته نصوصًا شعرية، وتقديم معرفة جمالية شعرية بها، فشعره، كما هو، معروف، سجل جمالي لحياته.
عاش «أبو شبكة»، في آونة مبكرة، تجربة الفَقْد، (فقَد الأب والثروة) والعجز عن تعويضه العملي، فسعى إلى التَّعويض في ميادين بديلة، منها المرأة/ الحب، نقد الواقع السياسي/ الاجتماعي والدعوة إلى تغييره، وتمثُّل ذلك وتمثيله نصوصًا شعرية، رائية كاشفة، علاوة على بلورة رؤى شعرية، تمثَّلت في بيان شعري، جعله الشاعر مقدمة لمجموعته الشعرية، مع أنه لم يكن من أنصار النظريات الشعرية، وكان يسخر من «هَوَس» بعض النقَّاد في نقل المصطلح الغربي بلفظه إلى العربيَّة، مثل «رياليسم» الذي شاع مدَّة، ثمَّ شاع واستقرَّ بدلًا منه، المصطلح المترجم، وهو الواقعية، وتشبهه، في ذلك، ومصطلحات منها: الكوبيسم = التكعيبيَّة، والابريسم = الانطباعيَّة، والفيوتشيريزم = المستقبليَّة.
1- المرأة والحب
يروي عارفو أبو شبكة أنهم لم يروه يضحك ملء فمه ضحكة غبطة وارتياح. هذا هو الشقاء الشخصي الذي بدأ منذ اغتيال والده، وتكثَّف لدى العيش في مجتمع يسوده الخلل، وبدأ التعبير عنه مع بداية شقاء إنساني تمثَّل في الحرب العالمية الأولى، وعبَّر عن فاتحة ذلك الشقاء في مجموعته الشعرية الأولى «القيثارة».
في فضاء هذا الشقاء المركَّب، كان لا بدَّ من «عسلٍ مُحَل»، فكانت المرأة/ الحبُّ هذا العسل، إذ إنَّه أحبَّ وهو في السابعة عشرة من عمره امرأة تكبره بثلاث سنوات هي أولغا ساروفيم، أحبَّها ثلاث سنوات، ثمَّ خطبها، وبعد سبع سنوات من الخطبة تزوجها، زيجة عجيبة، إذ استدعى الخوري إلى بيتها، وبعد إجراء عقد الزواج ذهب لينام في بيته.
غنَّى قصَّة علاقته بأولغا في مطوَّلة شعرية قصصيَّة غنائية، نظم قصائدها بين عامي 1926 و1932. تتألف هذه القصيدة من أناشيد، موزَّعة على أربعة أقسام هي: 1 – تعريف بالفتاة، ووصف جمالها الممتزج بجمال الطبيعة، 2 – عذاب الضمير، 3 – التجلّي: السعادة لا تتحقق إلا من طريق الجلجلة، 4 – الغفران.
سمَّى الشاعر مطوَّلته الشعرية هذه باسم «غلواء»، وفيه تبديل لأحرف اسم الفتاة، ليكون اسم المطوَّلة علامة دالَّة، من نحوٍ أوَّل، على المبالغة في الغلوّ، ومن نحوٍ ثانٍ على اسم عربي، عروس شعر، شبيه بأسماء عرائس الشّعر العربيَّة، مثل سمراء وعفراء، ومن نحوٍ ثالث على وزن حواء، بوصفها أمَّ البشر المتسبّبة في النزول من الجنة إلى الأرض، ليسعى البشر فيها إلى المغفرة، ثمَّ العودة إلى الفردوس المفقود، علاوة على دلالة هذا الاسم ذ اسم حواء ذ على المرأة بعامَّة، فكأن غلواء هي أنموذج المرأة الخالد.
في مرحلة سابقة، وقبل الخلوص إلى عهد الغفران، كانت المرأة تمثّل «أفعى الفردوس»، قال: «إن النساء، إذا راوغن لا عجب/ فهن من جنة الفردوس أمزجة». فإن كان الشاعر يسعى إلى نيل «العسل المحلّى» من طريق الاستمتاع بالحب، فإن «الأفعى» تكمُن في هذا العسل، يقول: «المرأة أفعى أصيبت بحمَّى المجد». وتمثَّل هذا في مجموعته الشعرية «أفاعي الفردوس» التي بلغ فيها قمة شعريته، وقد نظم قصائدها بين عامي 1928 و1938، وعندما سئل: لماذا اخترت لديوانك، أو ارتضيت له، كلمة أفاعٍ في حين أنه من وحي أفعى واحدة؟ أجاب: «إن أفعاي بسبعة رؤوس، فهي سبع أفاعٍ».
في «أفاعي الفردوس»، كما في مجموعاته الشعرية الأخرى، يجري الشعر من منبعه الأصيل، اعترافاتٍ صادقة، تؤكد قوله:
فيا أذنُ لا تخدعكِ في القول بهجةٌ
ويا قلبُ علّم أعذبُ الشعر ما صدَقَ
ففيها «وصف للشهوات الجامحة، وصوت للحياة كما هي عارية» من أغطيتها، وبوح أعماق النفس الإنسانية، حيث كوامن الرَّغبات، مما جعلها «فتحًا جديدًا» في تاريخ الشعر العربي.
ثمَّ عاش تجربة مع امرأة متزّوجة ولديها ولد، هي وردة، الجميلة، ذات الأنوثة العارمة، ولم يأثم معها، فهو كما يقول فؤاد حداد: «ضمير في قعر الخطيئة»، فهرب من مخدعها، وأنشد:
لا تقنطي، إن رأيت الكأس فارغةً
يومًا، ففي كلّ عام ينضج العنب
ثمَّ تعرَّف إلى ليلى، وقال فيها:
هي يا ربُّ فلذة منك في الحب
جرت من دموعك الخضراء
تُوّج هذا المسار من تجارب الحب، بتحوُّل الشاعر. يصف أبو شبكة هذا التحوُّل، فيقول: «أيُّها الجمال البهي النَّقي الذي يمدُّني بأمل الحياة، أيُّها الجمال الجميل سبع مرات الذي أعاد إليَّ حبَّ عيلتي، إنّي أباركك، لقد جعلت منّي، أنا الشاعر ذا الرؤى الجهنميَّة، شاعرًا حنونًا صافيًا هادئًا، فأنا مَدينٌ لك سبع مرَّات».
وهكذا طُرح السؤال المقرّر حقيقة صار إليها الشاعر:
إذا فجَّر الحب دنيا القلوب
فما تنفع الحَطم الباقية؟!
عن مجلة (العربي) الكويتية
اقرأ ايضا
أفاعي إلياس أبو شبكة وأزهار بودلير
نمر سعديإلياس أبو شبكة شاعِرٌ رومانسيٌّ مبدع وأَدِيبٌ ومترجم لبنانِي كبير، ولد في 3 مايو …