المنصور اسسها…إكتشاف مركز المدينة المدورة

د. عماد عبد السلام رؤوف

2ــ2
وجاءت الحفريات على العُجالة التي جرت بها، لتقدم الدليل الواضح الذي لا يقبل الشكَّ على أن هذا القصر ليس إلا قصر المنصور الرئيس، ومقر حكمه الرسمي الذي كان يتوسَّط المدينة المدورة، مدينة السلام تمامًا، وهو القصر الذي عُرف في التاريخ العباسي بقصر «باب الذهب»؛ ذلك أنه عُثر تحت القصر على قناة تحت الأرض معقودة من الداخل بالطابوق الأحمر، وكذلك الجدران، أما الأرضية فكانت مبلطة بالطابوق الفرشي ذي القياس 25× 25×4سم، وبطابوق ذي القياس 33×33×7سم، والجص والرماد والنورة، تتجه نحو جهة الشمال الغربي؛ أي: باتجاه ضواحي الكاظمية الغربية لمسافة ما لم تُعرَف بسبب توقُّف الحفريات نفسها.
وكانت هذه القناةُ تتصل من مسافة لأخرى بآبار لها فتحات خارجية، فهذه القناة العجيبة هي التي أنشأها الخليفة المنصور تحت قصره – في خبر أورده المؤرخون – لتصل بين قصره وبين مجرى نهر كرخايا الآخذ من نهر الفرات في الشمال الغربي من المدينة المدورة التي قَدَّر المنصور نفسُه طولَها بنحو فرسخين[1]، وكانت هذه القناة المعقودة قد اتخذها المنصور لغرضين، أحدهما: دفاعي، وهو إيجاد مخرج للمحاصرين في المدينة المدورة إذا ما حاصرها عدو، وأحاطوا بأسوارها العالية، فلم يُمكِّنوا أحدًا من مغادرتها لأي سبب، وثانيهما: إروائي، وهو اتخاذ القناة سبيلًا لتزويد المدينة بالماء المتدفق من نهر كرخايا الآخذ من الفرات كما ذكرنا[2].
إذًا فقد طابقت المعطيات الآثارية النصوص التاريخية الخاصة بقصر باب الذهب تطابقًا تامًّا لم يعد فيه مجال لاجتهاد أو رأي، وهكذا أنهى هذا الاكتشاف جدلًا طويلًا بين المعنيين بخطط بغداد منذ نحو قرن كامل حول مكان المدينة المدورة.
ولا تنحصر أهمية هذا الاكتشاف في معرفة واقع القصر، كونه المقرَّ الرسمي الوحيد للخلافة العباسية في عهودها الأولى، وإنما لأن بواسطته يمكن تحديد مواقع المؤسسات الرئيسة لمدينة السلام في تلك العهود والعهود التالية أيضًا؛ ذلك لأننا نعلم أن هذه المدينة كانت تتخذ شكلًا دائريًّا كامل الاستدارة، ويقع قصر باب الذهب في نقطة مركزية على قُطرَيها المتعامِدَين، فمعرفة هذه النقطة من شأنها معرفة مكان حدود المدينة نفسها، ويمكن تحديد موقع سورها وأبوابها الأربعة: باب خراسان، وباب الشام، وباب الكوفة، وباب البصرة، كما يمكن تحديد عقودها وطيقانها وأسواقها ومؤسساتها الأخرى، وهي التي يفصلها عن القصر أرض خالية من البناء كانت تسمى «الرحبة».
وإذ صرَّح المؤرخون بأن البناء الوحيد الذي كان يجاور القصر هو جامع المدينة عهد ذاك، وهو المسمَّى «جامع القبة الخضراء»، فإن معرفة حدود القصر تفيد أيضًا في معرفة موقع هذا المسجد الجامع الذي كان أول مسجد شُيِّد ببغداد، وكان رمزًا لعزِّها ومجدها لعدة قرون.
لقد أفاض المؤرخون في وصف قصر المنصور هذا، وقالوا: إن في وسطه القبة الخضراء التي كانت ترى من أطراف بغداد، وكان على رأس القبة تمثال على صورة فارس في يده رمح، وكان تحت القبة مجلس بمستوى الأرض مساحته عشرون ذراعًا في مثلها، ويرتفع عقده من الأرض بنحو عشرين ذراعًا، وعليه مجلس أُقيمت عليه القبة الخضراء التي يبلغ ارتفاعها ثمانين ذراعًا فوق سطح الأرض، وكان في صدر المجلس إيوان عظيم عرضه عشرون ذراعًا وارتفاع قوس الإيوان عن الأرض ثلاثون ذراعًا، فهذا المجلس إذًا هو ذاته ما جرى العثور على أُسسه الضخمة عند أسفل شاطئ دجلة على عمق أكثر من ستة أمتار من مستوى سطح الأرض، وهو ما سمَّته البعثة الآثارية عن حق «قاعة العرش»، فهذه هي نفسها وظيفة القاعة كما نص عليها المؤرخون السابقون[3].
والعجيب الذي سكتتْ عنه كتبُ التاريخ كلُّها، وكشفت عنه الحفريات – أن القصر كان يقع فوق آثار مقبرة تعود إلى ما يسمَّى بالعصر الفرثي؛ أي: إلى المدة الممتدة منذ ثلاثة قرون قبل الميلاد إلى ثلاثة قرون بعده، فقد عُثر بعمق يناهز الاثني عشر مترًا على بعض القبور المنشأة على وَفق النوع السائد في تلك القرون، ويمكن وصفه بأنه يُشبه آنية طولية من الفخار، تُغطَّى فُوَّهتُها – حيث رأس الميت – بغطاء من الفخار أيضًا.
لقد شهد هذا القصر المدهش فصولًا حافلة من تاريخ بغداد، فإنه كان المقر الرسمي للمنصور وللخلفاء الأوائل الذين تولوا الحكم بعده، ومع أن الرشيد لم يبقَ فيه، فقد عاد ابنه الأمين فاتخذه بلاطًا له، وأضاف إليه قسمًا جديدًا، وكان الأمين قد احتمى بهذا القصر في أثناء محاصرة جيوش أخيه المأمون له في سنة 198 هجرية (814 ميلادية)، وتحصَّن رجاله بأسوار المدينة المدورة، وكان من جرَّاء ذلك أن أصاب القصرَ كثيرٌ من التدمير بالمجانيق التي نصَبها طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون في أرباض المدينة، أما القبة الخضراء التي كانت تعلو قاعة عرشه فقد ظلت قائمة حتى سقط رأسها في سنة 329هجرية (941م)، وكان في أثناء سقوطها مطرٌ عظيمٌ ورعد هائل وبرق شديد، ومع ذلك فقد بقيت جدران القبة قائمة إلى أواخر أيام الدولة العباسية، وسقطت نهائيًّا في سنة 653هجرية (1255م)؛ أي: قبل ثلاث سنوات فقط من احتلال المغول بغداد، وزوال الخلافة نفسها.
إن العثورَ على قصر المنصور هذا من شأنه أن يُصحِّح تصوُّرات سابقة حول موقع المدينة المدورة، فهي بموجب هذا الاكتشاف كانت أعلى من الموقع الذي سبق أن حدَّده باحثون من قبلُ معتمدين على المعطيات الأدبية والتاريخية وحدَها، وأن موقعها الجديد يأتي منسجمًا مع موقع الرصافة، وهي الأعظمية حصرًا في ذلك العهد التي أنشأها الخليفة العباسي المهدي في وقت قريب من عهد إنشاءِ المنصور مدينتَه، حيث كان الجسرُ يربط بين الجانبين في خطٍّ مستقيم يصل باب خراسان – أحد أبواب المدينة – بباب خراسان الكائن في سور الرصافة من الجانب الشرقي.
إن قصر المنصور بموقعه الذي جرى كشفه عند شاطئ دجلة في منطقة العطيفية الحالية، يكشف بجلاء ووضوح مقدارَ إزوِرار نهر دجلة الذي استمر في القرون التالية حتى جرف نصف المدينة تقريبًا، فنصف هذه المدينة يقبع الآن في قاع دجلة، في المنطقة التي تفصل بين العطيفية والأعظمية، ومن الراجح أن جزءًا من الأعظمية – حيث كورنيش الأعظمية الحالي – كان يؤلف جزءًا من الجانب الغربي، يوم كانت المدينة المدورة تترامى على أرض واسعة لم تكن مياه دجلة قد جرفت شيئًا منها بعدُ.
إن وجود القصر على نهر دجلة – وقصر المنصور كان يقع في وسط المدينة المدورة بالضبط – فهذا لأن دجلة جرف نصف المدينة المدورة تدريجيًّا، فلم يبق إلا نصفها الغربي، أما النصف الشرقي فما زال يقبع في قعر دجلة، وقد استعنت لإثبات هذا التغيير في مجرى دجلة بدلائل عدة، أهمها صور (التحسس النائي) التي التقطتها الأقمار الصناعية لمجرى النهر، وحصلتُ على دلالاتها من خلال عونٍ مشكورٍ قدمه في حينه الدكتور جعفر ضياء جعفر.
لقد كان يمكن لهذا الاكتشاف أن يكون اكتشافَ القرن، ليس على مستوى العراق فحسب، وإنما على مستوى الإنسانية كلِّها، فليس قليلًا على الإطلاق أن يجري اكتشاف اللبنة الأولى في مدينة اقترن اسمها بالحضارة والثقافة والنظم والإدارة لخمسة قرون عاشتها يوم كانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ولقرون ثمانية تالية، تقلَّبت فيها بغداد بين مختلف الظروف، وتحدَّت فيها كل أنواع الكوارث البشرية والطبيعية، لتُثبت للعالم وبجدارة أنها الأقدر على مواجهة أقسى التحديات وأعتاها.
وكان مؤملًا في تقدير الباحثين والخططيين أن تستمر دائرة الآثار بالعمل من أجل إتمام ما بدأت بعثتها التنقيبية من كشوف مذهلة، إلا أن مفاجأة غريبة خيبَّت الظنون وأحبطت الآمال، فقد أوقف المعنيون في هذه الدائرة أعمال البعثة على نحو مفاجئ مثير للريبة، وجرى لَوم بعض أعضائها ممن صرَّح للصحافة بما جرى الكشف عنه، وحينما أخذ خبر الاكتشاف بالذيوع في الأوساط العلمية، وارتفع معه صوتها بالتساؤل المشروع عن الأسباب الكامنة وراء إيقاف العمل، ومسوغات إحاطة الاكتشاف بكل هذا الصمت، اضطر المعنيون في دائرة الآثار يومها إلى تحريك «شَفلاتهم» ليس من أجل المضي في الحفر هذه المرة، ولكن من أجل إهالة أطنان الأتربة على ما جرى اكتشافه، وهكذا تم دفن ما قدَّر الله ظهوره، وتوقف المعنيون عن الإدلاء بأي تصريح عن سبب ذلك التصرف العجيب الذي يخالف قانون الآثار الذي يدعو إلى التنقيب عن الآثار وإبرازها والعناية بها، والمحافظة عليها بمختلف الوسائل العلمية والفنية.
وحينما نشرت إحدى المجلات الأسبوعية[4] مقالًا تساءل فيه صاحبه عن أسباب دفن القصر ذي الأهمية التاريخية والإنسانية الفريدة، كان ردُّ الدائرة المعنية – ويا للغرابة – بأن ذلك التصرف هو من حقِّها، وأن دفن الحُفر الناجمة عن التنقيب، يحمي المنطقة من خطر تكاثر البعوض والذباب، فما أعجبه من سبب لدفن ما سماه الباحثون باكتشاف القرن الواحد والعشرين!

اقرأ ايضا

في ذكرى رحيلها..عندما زارت ام كلثوم بغداد سنة 1932

رفعت عبد الرزاق محمدفي تشرين الثاني 1932، جاءت المطربة الكبيرة ام كلثوم الى بغداد والتقت …