نص نادر..الملا عبود الكرخي في اربيل سنة 1927

إعداد: ذاكرة عراقية
كتبت جريدة (الكرخ) بقلم صاحبها الملا عبود الكرخي بتاريخ 25 تشرين الاول 1927، مقالة طويلة استغرقت صفحتين من الجريدة بعنوان (اربيل) تضمنت مشاهدات الكرخي في هذه المدينة الجميلة، نقنطف منها الفقرات التالية:
أربيل مدينة قديمة يرجع عهدها إلى خلافة سيدنا (عمر بن الخطاب) وفيها منارة قديمة بناها أحد ملوك (الفرس) القدماء منذ (700) سنة وتنقسم أربيل إلى قسمين: القسم الأول – القلعة القديمة وفيها (1000) منزل والمدينة الجديدة وتحتوي على (700) منزل وفيها دوائر الحكومة والمدارس والمساجد والمستشفى، ويبلغ سكان أربيل (12000) نسمة.
حالة النساء الاجتماعية
وما ساءني في أربيل هو حالة النساء، فإنهم في حجاب شديد، فمنازلهم أقرب إلى الحصون والقلاع منها إلى البيوت والمنازل إذ يحضر على المرأة أن تفتح نافذة كما أن دواوين الرجال أو (الديوخانه) ليس بها شبابيك أو نوافذ على منازل النساء الداخلية والمرأة لا تخرج من المنزل قطعياً، إذ حمامها في بيتها وهذه حالة يأسف لها كل غيور على سمعة العراق من التلوث والأدران. وقد دخلت إحدى نساء أربيل الشريفات على إحدى نساء كبار الموظفين البغداديين هناك فوجدتها تخيط (بالماكنة)، فاستنكرت منها هذا العمل المشين وقالت لها بلهجة الاستياء: إننا معاشر النساء العظيمات في أربيل نستقبح كل من تخيط بيدها ونعدها حقيرة. وهذا مما يدل على – أرستقراطية – الأربيليين.
المعارف
أما حالة المعارف في أربيل فحسنة نوعاً ما، ويوجد هناك مدرسة ابتدائية رسمية وأخرى ابتدائية أهلية وهي لليهود ولكن الذي ساءنا هو تدريس اللغة التركية والكوردية في المدرسة الرسمية فقط، مع أن مدرسة اليهود تدرس العربية.
وقد قابلنا كثيراً من أشراف أربيل ووجهائها وأخبرونا أنهم يودون لو تعمم وزارة المعارف الجليلة تدريس اللغة العربية، إذ لا يخفى أن التلميذ الذي يتخرج من المدرسة الابتدائية يؤدي امتحان – البكالوريا – في وزارة المعارف، ووزارة المعارف تطلب الامتحان بالعربي. فإذا لم تعمم الوزارة الجليلة تدريس اللغة العربية فلا مناص من سقوط الطلاب في كل سنة.
كما رجونا أن تخير الوزارة أن خريجي الصف السادس النهائي في هذه السنة يبلغون (11) تلميذاً ومن نواحي أربيل ما يقارب هذا العدد وجلهم من الفقراء الذين لا يسعهم ارتياد المدارس الثانوية في العاصمة أو الموصل. فما يضر المعارف لو فتحت صفاً ثانوياً في أربيل لتفيد وتستفيد وأن مدرسة البنات المحتوية على (50) تلميذة تضاهي أرقى مدارس بنات العاصمة.
كور فخر الطابوق
إن كور فخر الطابوق واقعة في جنوب أربيل، وإذا ما هبت ريح الجنوب، تدفع الدخان وحرارة النار إلى المدينة، فتنطلي جدران المنازل بالسواد من تأثير الدخان، فنسترحم من أولي الأمر أن ينظروا في الأمر، ولهم الشكر سلفاً.
المستشفى
زرنا مستشفى أربيل وهو بإدارة حضرة النظامي البارع الدكتور (سليم بك خياط) شقيق جناب صاحب السعادة الدكتور (حنا بك خياط) مدير الصحة العام.
فوجدنا المستشفى في أحسن بقعة صحية من أربيل، بنايته على الطراز الحديث مستوفي لجميع الشروط الصحية تحيط به الحدائق الفناء والرياض الزهراء.
وقد طاف بنا جناب البارع النشيط فرج أفندي مأمور المستشفى فأرانا قاعة التضميد للرجال وقاعة التضميد للنساء وغرفة العميد له وقاعة العمليات ومقصورة الآلات الجراحية وثلاث غرف كملحقات للجراحة وصالون المرضى ومستودع أثاث المرضى ومغسل الموتى وغيره من دوائر المستشفى. فنشكر الحكومة الموقرة على اعتنائها بأمور الصحة الحيوية كما نشكر جناب مدير المستشفى ونرجو له الموفقية والنجاح.
دوار الحكومة
شاهدنا دائرة البرق والبريد والمدرسة الرسمية أبنية ضخمة وعمارات عصرية على الطراز الغربي. أما بقية دوائر الحكومة فكلها قديمة بالية، فحبذا لو اهتمت الحكومة فأنشأت للدوائر بنايات كبناية المدرسة والبرق والبريد.
السجن
سجن أربيل على ما يرام، وذلك بهمة حضرة الإداري القدير مديره الهمام ولكن الذي نطلبه من حكومتنا الموقرة والمساهرة على راحة الشباب واستراحته أن تخصص سجناً للنساء إذ المرأة المجرمة تسجن في بيت المختار ولو أبدياً.
الولد على طينة أبيه
والعبد على سر مواليه
كان لي صديق حميم أحبه ويحبني ونلتقي مع بعضنا، وكان هذا الصديق مُدمناً بالخمرة إلى حد الإفراط، فكان يشربها ليلاً نهاراً، وكان هذا الصديق غير موفق من ناحية الخدم، فإنه كلما هم أن يأتي بخادم ابن حلال، ظهر له عكس ذلك وأن جميع الذين كان يؤتى بهم لا يلبثوا أن يتعلّموا شرب الخمر، فيقاسمون سيّدهم خمرته التي كان يأتمنهم عليها، حتى ضج منهم كثيراً وذات يوم شكا لي حالته مع الخدم، فقلت:
ـ زين متجيب لك خادم ابن أوادم!
فأجابني:
ـ ملاّ ميفيد لو أجيبهم من الجامع، ثاني يوم يتعلمون شرب العرك.
فقلت له: 
ـ طيب روح جيبلك واحد من البدو، يعني قابل البدوي هم يسكر؟
فعمل الرجل بمشورتي واستخدم أحد البدو الرحّالة الذين لا يعرفون ما هو الخمر ولم يحتسوا (الخل) مدى حياتهم.
ومر يوم ويومان وثلاثة وصديقي مرتاح، لكنه ما لبث ذات يوم أن قال لي يائساً:
ـ ملاّ هم ما فادت!
ـ شنو؟
ـ الخادم البدوي هم كام يشرب عرك!
ـ يمعود؟
ـ والله وشاربك كام يبوك العرك ويشربه.
تذكرت هذه الحكاية لما كنت أخيراً في أربيل، وزرت سماحة العلامة (كچك ملاّ) فوجدت جميع خدمه يصلّون، وحتى سائق السيارة جواد والسكند فإنهما يواظبان على أداء فريضة الصلاة والمعروف عن سوّاق السيارات بأنهم يستطيعون أن يتصفوا بكل شيء إلا الصلاة، فبعيدة عنهم كل البعد. لكن مع هذا رأيت بأم عيني أن سائق سيارة سماحة (كچك ملاّ) في أربيل يصلي «الخمس أوقات»، الأمر الذي ذكرني حقيقة بالمثل القائل:
«الولد على طينة أبيه… والعبد على سر مواليه».
سعادة المتصرف السيد أحمد توفيق
ولقد سرّني في هذا اللواء، أن سعادة المتصرف السيد أحمد توفيق، الذي عُرف بالهمة والحزم، ساهر على الخدمة العامة وتوزيع العدل بين الشعب، مما حملهم جميعاً على الثناء عليه، وأني أينما ذهبتُ لم أسمع عنه غير الشكر والتقدير. وقد علمتُ أن سيادته قد جلب من ألمانيا ماكينتين للماء والكهرباء، وستصل المكائن قريباً، وتنصب حيث سيتوفر لدى الأهلين الماء الذي يشكون قلته كما ستتوفر لديهم الراحة باستخدام الكهرباء في مصالحهم. وقد حفر سعادته بئرين لاستخراج المياه منهما، وتكفي كل بئر من هذين البئرين لاستخراج عشرة آلاف غالون ماء في الساعة، وقد علمتُ أن مكائن الماء ستنصب على هذين البئرين.
ولقد اعتنى سعادته بتبليط الطرق وفتحها وتنظيمها حتى أصبحت أربيل بفضله غيرها قبل سنوات ولا ينقصها مع الأسف غير مشروع الماء، والحكومة التي صرفت عشرات الألوف من الدنانير على تشييد بنايات سجن البصرة والموصل ومستشفى الموصل، بوسعها أن تقوم بمثل هذا المشروع، الذي تتوقف عليه حياة عشرات الألوف من السكان في أربيل، تلك المدينة التاريخية الجميلة.
أربيل عطشى
إن أول ما يلفت نظر الزائر الغريب في هذا اللواء الكبير الشاسع الأطراف، أن أهالي مركز اللواء يشكون قلة المياه والعطش في أكثر فصول السنة، مما ضج لهذه الحالة السكان وراجعوا الحكومات السابقة مراراً طالبين إنقاذهم مما هم فيه. لذلك فإننا نهيب بالحكومة الحاضرة أن تأتي بما لم تستطعه الأوائل، فتوصل المياه الصالحة للشرب إلى أربيل، رحمة بسكانها الكثيرين، ونظن أن هذا المشروع لم يكن أقل أهمية من مشروع إيصال المياه من البصرة إلى الزبير، وهو لا يكلف ما كلفه ذلك المشروع من المال بالنظر، لأن المحل المطلوب إسالة المياه منه إلى أربيل هو (الزاب) الذي أقرب بكثير من المحل الذي يسيل منه الماء من البصرة إلى الزبير. 
مدير شرطة أربيل
السيد محمد جميل مدير شرطة لواء أربيل، يتمتع هناك بنفوذ وسطوة واسعتان، استطاع بموجبهما أن يحافظ على الأمن في منطقة اللواء الشاسعة وسهره على راحة السكان وسعادتهم. وفوق هذا سعى إلى تنظيم شرطة اللواء أحسن تنظيم، فدربهم تدريباً حسناً وعرفهم واجباتهم وما يتطلب منهم من معرفة القوانين معرفة تامة والمحافظة على الأرواح والأموال، فضرب بذلك المثل على مقدرته الفائقة وعلمه الغزير.
ولقد سمعت من الأهلين جميعهم ثناء عليه وعلى أعماله ومعاملته الحسنة كثّر الله من أمثاله.
الطبيب البيطري في أربيل
ولقد سمعت ثناءاً كبيراً على الهمة التي يبذلها السيد جرجس، الطبيب البيطري للواء أربيل، وعلى أخلاقه الفاضلة ومعاملته الحسنة التي اكتسب بموجبها رضاء كافة الأهليين هناك وهم يشكرون الحكومة على اختيارها هذا الطبيب البيطري الحاذق في لوائهم.
عن موقع (كوردستان بالعربي)

اقرأ ايضا

زيارة للشاعر الزهاوي في الثلاثينيات

أحمد حسن الزياتمن حق الزهاوي على (الرسالة) وهي ديوان العرب وسجل الأدب أن تقف على …