علي حسين
” لا أعرف التمثيل” مقالة نادرة كتبها الفنان الراحل سليم البصري في نهاية السبعينيات ونشرتها مجلة الإذاعة والتلفزيون، وفيها يجيب على سؤال عن فهمه لمهنة الممثل: “عندما قررت ان أكون ممثلا لم يكن أمامي من نموذج أقلده سوى يوسف وهبي، ولهذا ما ان عرفت أن احدى الفرق المسرحية نشرت إعلانا تطلب فيه ممثلين، تقدمت وأديت احد أدوار يوسف وهبي، الأمر الذي دفع القائمين على الفرقة إلى طردي،ومن يومها اكتشفت ان ما قمت به لم يكن تمثيلا “ويضيف “أنا مدين بمكانتي وشهرتي لممثل عظيم هو يوسف وهبي لأنني لم أستطع تقليده»..
عندما تقدم الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين بعد ذلك بسنوات إلى التلفزيون لم يكن يحلم بأن يصبح النجم الأول، فقد كانت النجومية تعني خشونة في الصوت ووسامة وشبابا، لكن صاحبنا الذي جاء إلى التمثيل من كلية الآداب، كان أقرب إلى وجوه موظفي الحكومة، لا وسامة ولا فذلكات تراجيدية تجعل من”حقي الشبلي”يسعى إليه ليضمه إلى فرقته.
إلا أن الممثل الباسم اذهل المشاهد بتلقائيته التي كانت تخفي وراءها طاقة تمثيلية هائلة، فقد قرر ان يكون سليم البصري لاغير. وقرر أيضا ان ينسينا نحن المتفرجين أننا نجلس أمام التلفزيون، فأخذنا لنجلس معه، يتحدث فننصت إليه، يعدل ” جراويته” فتذهب أنظارنا باتجاهها، يضحك فتنطلق ضحكاتنا معه، ينهض فنستعدّ للذهاب الى المكان الذي يقصده.
كيف انسى هذا الممثل الفذ، وقد جمعتني به ثلاث لقاءات فقط، لكنها اشبه برحلة ساحرة مع منجم من الحكايات والحيوية والصدق.. كانت المرة الاولى التي شاهدت فيها سليم البصري، في مكان ربما لايخطر على بال احد، فذات يوم واثناء عملي في مجلة الثقافة التي كان يرأس تحريرها الراحل الكبير صلاح خالص، كنت اجلس وراء الألة الكاتبة، احلم بأن اصبح كاتبا مسرحيا او روائيا مشهورا، فقد كان سقف طموحاتي يتجاوز المعقول احيانا، بل انها اشبه بالهلوسات، في ذلك اليوم وانا اضرب مفاتيح الألة الكاتبة واسرح في الخيال، سمعت صوتا خفيضا يقول لي: السلام عليكم، رفعت راسي ولم اصدق هل صحوت من احلامي، ام لازلت احلم. صاحب االتحية الهادئة والذي يقف امامي بشحمه ولحمه كان شيئا من الخيال اسمه ” سليم البصري “. لا حظ الرجل دهشتي وتلعثمي فاكمل وهو يبتسم هل دكتور صلاح موجود؟، اجبت باشارة من رأسي بعد ان اخرستني المفاجأة واشرت فيها الى الغرفة التي يجلس فيها رئيس التحرير، مشى ” الحاج راضي ” باتجاه الغرفة، وانا انظر اليه وتناهى لي صوته وهو يقول ” اشلونك استاذنا اجيب حسب الموعد «.
تركت الألة الكاتبة ورحت احدث نفسي ما علاقة الحاج راضي بالدكتور صلاح خالص؟، ماذا يريد هذا النجم الساطع من رئيس تحرير مجلة ثقافية؟ قلت ربما ينوي الكتابة في المجلة، ثم سخرت من نفسي، فهل يعقل ان يترك الحاج راضي دكانه الضاج بالحياة والضحك ومقالب عبوسي ليشغل نفسه بكتابة المقالات، في تلك اللحظة تبخرت احلام الكاتب المسرحي وغابت طموحات الروائي عن ذهني وظلت صورة واحدة اجلس فيها قبالة سليم البصري احاوره، كنت اريد ان اصرح بهذه الامنية للدكتور صلاح خالص، لكن الحوار الذي لم ينقطع بين الحاج والدكتور احبط امنيتي. بعد اقل من ساعة يخرج سليم البصري من الغرفة،وما ان نهضت حتى بادر بأن مد يده للسلام ثم اختفى.
هل يمكن الآن بعد اكثر من اربعين عاما على هذا اللقاء أن اصف سليم البصري كما شاهدته للمرة الاولى.. انه وجه تراه كثيرا على اجساد كثيرة منتشرة في العراق. المدرس القريب من نفوس طلبته، بائع الشاي المرح الذي لا تفارقه النكتة، الموظف الودود حيث ترى على صفحة وجهه شعورا بالسكينة. العينان ضاحكتان يتدفق منهما سيلا من المرح..وجه شفاف كأنما سجلت على صفحته سجلات معاناة العراقيين واحزانهم ومسراتهم وطيبتهم منذ زمن بعيد.. كنت انظر الى سليم البصري لا يرتدي الجراوية، لكنها مطبوعة في رأسه، فكأنه ولد بها، وقد خلعها للتو من اجل اللقاء بالدكتور صلاح خالص. سليم البصري ليس طيب الوجه فقط انما هو طيب الشخصية شكلا ومضمونا، هو كتلة من البساطة صيغت في انسان يندر ان تتكرر نسخة منه.
المذهل حقا ان سليم البصري لم يكن يعد نفسه منذ الطفولة ليكون ممثلا، بل لم يكن ليخطر على باله ان يحترف الكوميديا ذات يوم، صحيح انه كان مولعا بقراءة المجلات الفكاهية، لكنه كان يهوى قراءة الادب حيث تصور نفسه شاعرا. سيخبرني ذات يوم الفنان الكبير والمنسي غازي التكريتي، عبقري التمثيل الذي ظلمته موهبته، من ان هناك رابطة كانت تربطه بسليم البصري وهي حبهما المشترك للفرزدق. كنت ارى غازي التكريتي كثيرا وكنت اسأل نفسي كلما أراه من اين جاء هذا الممثل بكل هذا الطوفان من التقمص للشخصيات التي يؤديها، فقد كان ممثلا راسخا وقويا، يحمل موهبة عظيمة مخلصة لعملها. للاسف يختزل المشاهد عمل التكريتي الفني في دوره في فيلم المسألة الكبرى، مع ان لهذا الممثل تاريخا طويلا من الادوار المتميزة في التلفزيون او المسرح.. كان غازي التكريتي مثل صاحبه سليم البصري اختلط عندهما الواقع بالتمثيل، فلم تكن هناك حدود فاصلة بين خشبة الحياة وخشبة المسرح او شاشة التلفزيون، وكانت الحياة بالنسبة لهما مسرحاً كبيراً، كان شيخ هذه الطريقة المعلم جاسم العبودي وقد ارتبط غازي التكريتي معه بمحبة ومودة. كان شعار أصحاب هذه الطريقة هو ان الفن جزء لا يتجزأ من الحياة، ولهذا فحين يرفض المرء ان يعيش في الابتذال والرتابة، فان على الممثل ان يفهم ان التمثيل لا يرادف السطحية والتفاهة، عندما التقى غازي التكريتي مع جاسم العبودي في مسرحية ” الكاع ” عام 1971 سيكتشف ان التمثيل علم لا يرتبط بالموهبة لوحدها وإنما هو تفاعلات أشبه بالتفاعلات الكيمياوية و تظل كلمات العبودي أشبه بالوصية: “نحن نعيش على المسرح على ذكرياتنا الانفعالية المستمدة من وقائع الحياة وفي بعض الأحيان ترقى هذه الذكريات إلى درجة من الوهم تجعلها تبدو كالحياة نفسها “. ان تعيش في الفن وللفن تلك هي الأزمة التي عانى منها غازي التكريتي مثلما عانى منها سليم البصري، فالممثل الذي وقف ندا لنجم بحجم اوليفر ريد في فيلم المسالة الكبرى اكتشف فيما بعد ان سوق الفن لا تبحث عن الموهبة الحقة بقدر ما تغريها ” الفهلوة ” فعــــاش سنواته وهو ينوء بحمل موهبة كبيرة لم تتح لها الظروف ان تقدم أفضل ما فيها، ليرحل معوزا مهملا في غرفة رطبة عام 1997 وهو نفس العام الذي رحل فيه سليم البصري.بعد ان غادر سليم البصري المجلة سارعت الى الدكتور صلاح خالص من اجل ان عرف سر زيارة الحاج راضي لمجلة الثقافة، فاخبرني ان سليم البصري كان احد طلبته في كلية الاداب.
كانت مجلة “الثقافة” في تلك السنوات مليئة باشياء كثيرة.. في هذا المكان شاهدت فؤاد التكرلي للمرة الاولى واستطعت انا الشاب الصغير ان اقنعة باجراء حوار صحفي.. وتعرفت على يوسف العاني وصاحبته مثل ظله فخرجت من هذه الصحبة بأول كتبي” يوسف العاني.. البحث عن الانسان ” وقد نشرته متسلسلا في مجلة الثقافة بعدها سيصدر على نفقة المعلم صلاح خالص، وضحكت لقفشات احمد فياض المفرجي، وصاحبت جلال وردة وعامر حسن فياض واصابتني الدهشة وانا انظر لغالب هلسا يتحدث، وسمعت باسم ميرلوبونتي للمرة الاولى عن طريق الدكتورة سعاد محمد خضر وجادلت متعدد المواهب عبد الغني الملاح في أصل نسب المتنبي.. وكنت أنصتُ الى ما يقوله المعلم صلاح خالص الذي ظل في اصعب الظروف، شاهقاً وصلباً.
بعد سنوات سيحالفني الحظ والتقي بسليم البصري ثانية، كان ذلك في منتصف الثمانينيات، شاهدته يجلس في كافتريا دائرة السينما والمسرح في الطابق الخامس يتحدث بصوت خفيض يحيط به مجموعة من الفنانيين اتذكر منهم قاسم الملاك وعزيز عبد الصاحب الذي دعاني للجلوس، كان البصري يتحدث وكأنه يتقمص شخصية ما، انظر اليه فأرى وراء هذا الجسد موهبة لا تهدأ حتى وهي تمارس حياتها الطبيعية، موهبة وضعت صاحبها في مصاف افضل وأهم نجوم الشاشة العراقية. ليس الحضور وحده سبب تميز سليم البصري، بل قدرته على تقديم الشخصية كما ينبغي بصرف النظر عن مساحته الدور او عدد المشاهد.. تجرأت هذه المرة وتحدثت معه بعد ان ذكرته بصلاح خالص ومجلة الثقافة قلت له: هل يشعر انه سليم البصري ام الحاج راضي؟ ابتسم وهو يقول: لا يشكل هذا الامر ازمة لي فانا ممثل شخصيات، واضاف ولكن لو سألتي ما هي الشخصية الصعبة التي اؤديها لقلت لك شخصية سليم البصري الحالم بفن لا يخضع للمساوة. صمت قليلا ثم قال: هل تعرف عندما التقي ببعض الناس في الشارع، اعرف انهم يقولون داخل انفسهم انظر هذا احجي راضي صاير افندي.. ولعل من بين الشواهد القوية على حرصه تقديم اعمال فنية تظل حاضرة في ذاكرة الناس كان رفضه الاشتراك في اعمال هابطة، واتذكر ان الفنان الكبير يوسف العاني كتب في شهر كانون الاول عام 1996 رسالة الى سليم البصري نشرها في صحيفة الجمهورية تساءل فيها عن غياب هذا الفنان الكبير، وبعد ايام سيرسل سليم البصري رده على صديقه يوسف العاني في رسالة نشرت في 4/1/1997 قال فيها:” عزيزي أبا وسن..دعوتك لي في جريدة الجمهورية الغراء يوم 21/12/1996 كانت من التأثير بمكان بحيث دفعتني إلى الخروج عن صمت كنت انوي المضي فيه إلى اجل غير مسمى،وكدت وأنا اقرأ هذه الدعوة إن اذرف الدموع ولكن سؤلاً قفز إلى ذهني قبل ان تذرف، عندما كنت أنا في كلية الآداب(1949-1954) مسؤولاً عن النشاط الفني وانتم في كلية الحقوق ومهدي السماك وجابر محسن وسعدون خليفة التكريتي وجعفر الحسني في الكلية الطبية وغيرنا في بقية الكليات، هل تقاضى أي منا ولو فلساً واحداً مقابلا لما قدمناه؟؟؟ لماذا يا أبا وسن كل ذلك الجهد وتلك المثابرة؟؟؟ هل كنا ننتظر من أية جهة ما يعيننا على سد نفقات دراستنا التي كانت تثقل كاهل أهلينا؟؟؟..اعتقد ان الجواب عن هذا السؤال بمقياس قيم ومثل تلك المرحلة ليس صعباً، ولكن من الصعب جداً على (يوسف العاني وسليم البصري) ان يجيبا عندما يسألان (لماذا جئتما تشتركان بمسرحية بطلتها ملايين او مليارات)؟؟؟ فمهما يكن الجواب ستكون نتيجته ان نلقي بكل ماضينا الفني والنضالي والثقافي وحتى الشخصي في واحدة من مزابل الملاهي التي رمي فيها المرحوم جعفر لقلق زاده بدون رحمة او شفقة.
عزيزي ابا وسن، انا الآن أعيش حالة إحباط تلفني كالأخطبوط ولا فكاك منها إلا بالجواب الشافي على السؤال هو: (هل انا لو نفخت،سأنفخ في جمر لا في رماد؟؟؟) «.
قلت له: هل هناك شخصية تطمح ان تمثلها غير شخصية الحاج راضي وقد تفوقت في شخصية غفوري في الذئب والنسر وعيون المدينة.. قال والابتسامة لا تريد ان تغادر ملامحه: كثيرا ما اقول لنفسي انني لازلت بحاجة الى ان امثل شخصية تجعل الناس تتذكرني دائما «.
المرة الاخيرة التي شاهدت فيها سليم البصري لعبت الصدفة دورا كبيرا فيها، كنت على موعد مع الفنان قاسم الملاك في قاعة الشعب التي تقع في باب المعظم وكانت آنذاك مقرا للفرقة القومية لللفنون الشعبية وكنت قد اتفقت معه على مسرحية اعدتها عن اوبرا القروش الثلاثة لبرتولد برشت…. كنت احث الخطى الى غرفة الملاك واذا انا بمواجهة سليم البصري خارجا يحمل بيده اوراقا ضننتها مشاهد لمسلسل جديد يشارك فيه، كانت تبدو على وجهه علامات الآسى وغابت الابتسامة منه، كأنه يعيش معضلة وجودية، الحاج راضي اشهر شخصية عراقية يشعر بنفسه خارج حلبة التمثيل التي كانت تشكل كل عالمه..قال لي قاسم الملاك فيما بعد ان احوال سليم البصري المالية متدهوره فهو بلا عمل وتقاعده لا يكفيه لايام، تخيلت سليم البصري ينظر الى حياته التي كانت اشبه بشريط سينما مر امام عينيه، بين ماض مليء بالفرح والفن والصداقات، وحاضر يجد نفسه فيه وحيدا ينوح وسط البؤس والعوز.
لم يكن مفاجئا على الإطلاق أن يصبح الرجل النحيل بين ليلة وضحاها اشهر مواطن عراقي. فأنت لا تعرف إن كان الرجل الذي ظهر على الشاشه هو سليم البصري ام الحاج راضي فقد لبسه الدور ولم يعد ثمة مكان لحياة اخرى، فاثبت لنا ان زمن الخطابية والتشخيص قد ولى وان التمثيل يجب ان يكون شبيها بالحياة، خاليا من التكليف.
يكتب شيخ الطريقة ستانسلافسكي موصيا ممثليه:” اذا اردت ان تكون ممثلا موهوبا عليك ان تكون جميلا في ادائك فكل شيء حتى ابسط الأشياء التي يستطيع كثير من الممثلين القيام بها تحتاج الى موهبة حقيقية، ولهذا السبب يشيح الناس بوجوههم عن الممثل الذي يخوض صراعا يائسا مع غياب الموهبة «.
الثامن من ايار عام 1997، وفي نهار لا يشبه نهارات الحاج راضي، وفي لحظة تداعت فيها الذكريات يتذكر سليم البصري الجملة الاخيرة التي قالها غفوري في مسلسل النسر وعيون المدينة وهو ينظر الى رجب – قاسم الملاك وكمرة – سناء عبد الرحمن: ” اذا اجتكم بنية سموها دنيا.. الدنية كلش حلوة “.. ولم يكن يدري ان هذه الدنيا ستناصبه العداء في سنواته الاخيرة.. كانت امنيته وهو على فراش المرض ان يرى حمودي الحارثي، الذي قاسمه المجد والشهرة ومحبة الناس.. اراد في ايامه الاخيرة ان يضحكا معا، فربما يصحو فيجد ان ما يجري حوله مقلب من مقالب عبوسي.
لم تكن مشكلة سليم البصري في موهبته العظيمة، ولكن في الاختفاء والظهور.. كيف يمكن ان يبتعد او يختفي ممثل له هذه الموهبة، وهذا الحضور وتلك الاطلالة الساحرة.
اقرأ ايضا
حجي راضي.. تلك الشخصية التلقائية الواقعية
د. حسين الانصاريلا اعتقد ان هناك من لا يعرف هذه الشخصية البغدادية الرائعة المحببة لدى …