معالم بغدادية

د. إحسان فتحي
لغز اهم دار بغدادي على نهر دجلة في السنك وقصة
مستأجره القنصل الالماني (كارل ريجارز) في 1894!
منذ فترة طويلة، تزيد على 45 سنة، وانا احاول، دون جدوى، معرفة صاحب الدار البغدادية الافخم المطلة على نهر دجلة بالقرب من جنوب جامع السيد سلطان علي. هذا “القصر” المهيب تيلغ جبهته النهرية حوالي ال 60 مترا وعمقه لايقل عن 35 مترا، ويحتوي على حوش داخلي جميل باشجاره، وبالتالي فان مساحته الارضية كانت لاتقل عن 2000 متر مربع وهي مساحة هائلة اذا ما قورنت بالقصور النهرية الاخرى في بغداد. واذا حسبنا مساحة طابق السراديب والارضي والعلوي فان مساحة البناء المشيدة ستبلغ اكثر من 5000 متر مربع! علما ان الجبهة النهرية لدار النقيب عبد الرحمن الكيلاني (اول رئيس وزراء في العراق) المجاورة هي بحدود 30 متر، وجبهة بناية المقيمية البريطانية القريبة والمشيدة في 1905 لا تزيد على40 متر.
هذا الدار العظيم، والذي يعتبر مثالا متميزا ونادرا جدا للعمارة التقليدية البغدادية، قد شيد على الاغلب بحدود 1870 من قبل احد اهم الشخصيات الثرية في بغداد ويبدو انه هدم في الثلاثينات من القرن الماضي، واستبدل ببيوت عادية. وقد يكون السبب هو نزاع ورثة المالك بعد وفاته كما هي العادة حتى الان وعدم رغبة احد الورثة بشراء جميع الحصص الاخرى والاحتفاظ بالدار الاصلي. انا لم انجح في العثور على اسم المالك الاصلي الذي شيد هذا الدار الرائع لكن خارطة بغداد الالمانية المؤرخة في 1910 تشير الى انه كان مشغولا من قبل القنصل الالماني (كارل ريجارز) والذي عمل قنصلا لبلده خلال الفترة 1894-1907. وتشير بعض الكتابات حينذاك بان هذا الشاب الالماني، والذي كان مقيما في بغداد وينتمي الى عائلة المانية نبيلة ومعروفة، كان قد اتهمته عائلة بغدادية بالاعتداء جنسيا على ابنها الذي كان تلميذا في مدرسة الاباء الكرمليين. سببت هذه التهمة الشنيعة فضيحة كبرى في المجتمع البغدادي وضجة غير مسبوقة الا ان التحقيقات برأته من هذه التهمة، وقامت الحكومة الالمانية بتعيينه قنصلا لها في نفس العام تاكيدا على برائته ومنحه الحصانة الدبلوماسية ايضا.
تاريخيا ومنطقيا فان الضفة النهرية في اي مدينة تستحوذ اهم الابنية الحكومية وابرز القصورالسكنية التي يستطيع الاثرياء فقط شراء اراضيها الغالية والمطلة نهريا وباطول جبهة ممكنة. لذا، فاننا نرى بان الجبهة النهرية للرصافة (من الشمال الى الجنوب) قد استحوذت على القلعة العسكرية منذ الفترة العباسية، ثم هناك القصر العباسي، المدرسة العلية، قصر الوالي، القشلة والسراي، المدرسة الرشدية العسكرية، جامع الوزير، جامع الاصفي، برج منار بغداد (هدم)، المدرسة المستنصرية، جامع الخفافين، المحكمة الشرعية (هدمت)، قصر النواب (القنصلية البريطانية-هدم)، قصر الثري ساسون (هدم)، فندق كلاريدجز(هدم)، القنصلية الروسية (هدمت)، قصر الثري اصفر(هدم)، قصر الثري مناحيم دانيال، جامع السيد سلطان علي، قصر القنصل الالماني ريجارز(هدم)، قصر النقيب الكيلاني، المقيمية البريطانية، القنصلية الامريكية (هدمت)، القنصلية الالمانية (هدمت)، قصور ال الخضيري (ياسين وعبد القادر)، ودور متميزة عديدة اخرى.
اذن من هو الثري البغدادي الكبير الذي شيد هذا القصر المذهل والذي شملت واجهته النهر على سلسلة طويلة من الشناشيل الخشبية الجميلة؟
هل هو احد الاثرياء من ال الخضيري؟
ام ال النقيب الكيلاني؟
ام هو احد الاثرياء من العوائل اليهودية مثل ال ساسون او دانيال؟
انا متاكد بان الجواب موجود بين طيات الاوراق والوثائق العتيقة التي تحتفظ بها الحكومة الالمانية في ارشيفها الثمين!
لعل احد الباحثين العراقيين-الالمان يساعدنا في البحث بين اوراق الارشيف الالماني ويعثر على نسخة من عقد الايجار مثلا ويكشف لنا اسم البغدادي الذي شيد هذا الدار الجميل… ويحل هذا اللغزالكبيرالذي يهمنا نحن محبوا التراث المعماري العراقي!
غداد…وجبهتها النهرية الجميلة المهددة!
بدون ادنى شك ان اجمل ما تبقى من بغداد التاريخية هو جبهتها الرصافية النهرية، تحديدا.
بيد انها، بصوبيها، الرصافة والكرخ، كانت محاطة تماما بسور عالي من جميع الجهات، وحتى من جهة النهر طبعا، عبر اغلب تاريخها الطويل. هذا يعني ان بغداد لم يستطع احد ان يراها متكاملة باهم معالمها من خارج اسوارها، عدا اجزاء من قباب جوامعها ومأذنها العالية، ولا توجد اي جبال او تلال قريبة منها توفر رؤيتها كمدينة متكاملة كما هو الحال في مدن كثيرة اخرى. فجبهة الرصافة النهرية “انكشفت” وظهرت كمدينة متراصة طولها اكثر من ثلاثة كيلومترات فقط عندما هدم الجزء العلوي من سورها النهري منذ نهاية القرن الثامن عشر كما يبدو، علما ان العديد من واجهات القصور النهرية استغلت بقايا السور النهري لاحقا ووظفتها ك “مسنايات» ضخمة وشامخة وشيدت عليها جدران عالية تطل منها الرواشن والشناشيل. هذا واضح تماما لان بعض اجزاء المسنايات كانت نصف دائرية لانها بقايا الابراج التي كانت تدعم السور النهري بمسافات متكررة. ان رسومات الفنانين الاجانب، واخص منهم الفرنسي الرائع (يوجين فلاندان 1809-1889)، اغرموا جدا بواجهة الرصافة النهرية وكانوا طبعا يركزون على الجسر العتيق وقبة جامع الوزير الهائلة، اضافة الى الفنار المخروطي الجميل المطل على دجلة وعلى مقربة من المدرسة المستنصرية وشريعتها التي تجمع الزوارق والقفف والسفن الشراعية.
من الطبيعي ان تتغير المدن التاريخية عبر الزمن ومنها تلك التي تمتلك اطلالة على نهر، وهي كثيرة جدا (في العراق اذكر-الموصل، البصرة، هيت، الحلة، الكوفة، البصرة… وعالميا – روما، فلورنسا، باريس، لندن، براغ، بودابست، موسكو…). لكنها اغلب مدن العالم حاولت منذ قرون عديدة الحفاظ على معالمها التاريخية وجبهتها النهرية وخصائصها المعمارية من مواد والوان وارتفاعات ابنيتها، من خلال سن قوانين صارمة جدا لايمكن كسرها من اي جهة مهما كانت. لهذا نرى ان هذه المدن لاتزال تحافظ على هويتها واغلب معالمها التاريخية بالرغم من خسارة العديد من نسيجها الاصلي ايضا بسبب الحروب المدمرة و اخطاء المخططين الحضريين والسماح للجشع الاستثماري العقاري في الانظمة الرأسمالية بشراء المباني التاريخية وهدمها واستبدالها بعمارات تجارية مرتفعة وبائسة عادة لانها لا تراعي ابدا البيئة التاريخية وذاكرتها الحضرية. هذا بالضبط ما حصل في لندن التي يرجع اصلها الى الفترة الرومانية لكنها خسرت من تاريخها اكثر من اي دولة اوروبية.
اما جبهة الرصافة النهرية فهي ايضا تعرضت لحملة تغيير كبيرة بعد هدم سورها النهري بيد ان التشويه الاكبر جاء منذ بداية خمسينات القرن الماضي عندما بدأت الامانة بالسماح ببناء العمارات البرجية العالية في قلب ومركز بغداد التاريخية وهي منطقة (باب الاغا) حيث الاسواق والخانات القديمة. ومن الممكن القول بان اتعس مثال تخريبي هو عمارة الدفتردار التابعة للاوقاف (3 كتل – الاعلى ب 12 طابق)، وعمارة مصرف الرافدين (16 طابق – يجري الان ازالة عدد غير معروف من طوابقه العليا)، وعمارات عديدة اخرى حديثة وعالية على طول امتداد الجبهة النهرية حتى باب الشرقي. كان المفروض طبعا الحفاظ على كافة المعالم التاريخية في الجبهة بما في ذلك اجزاء وابراج السور النهري، واعادة بناء جامع الوزير بقبته المذهلة كما هي وليس كما حصل لانه تصميم بائس، واعادة بناء الفنار المخروطي الذي اختفى كليا بسبب انجرافه من فيضان بحدود 1860، وعدم السماح ببناء الابراج العالية في الرصافة التاريخية على الضفة النهرية والابتعاد بها خارح الرصافة التاريخية.
ختاما، انا ادعو، بكل جدية، الى اعادة النظر بتخطيط جبهة الرصافة التاريخية واعداد تصميم حضري مدروس ومفصل لها بهدف عادة معالمها التاريخية كما كانت، قدر الامكان، وازالة المعالم المشوهة تدريجيا، وتوفير ممشى متصل للسابلة على طولها، مع احياء اماكن المشرعات القديمة (جمع مشرعة، او شريعة)، واحياء عدد من السفن الشراعية والقفف التاريخية التي يمتد اصلها الى الفترة الاشورية وكانت عنصرا بغداديا جميلا وفريدا من نوعها في العالم. هذا هو الحل الصحيح لمعالجة جبهة بغداد النهرية.
هل هناك من يؤيدني في صرختي لانقاذ جبهة الرصافة النهرية من خطر الزوال والتشويه الابدي؟
عن صفحة الاستاذ الدكتور احسان فتحي

اقرأ ايضا

حمّام العليل وحديث الذكريات

باسل ذنون الخياطحمّام العليل، أو (حمّام علي) كما يسميها أهل الموصل، ناحية تابعة إدارياً إلى …