البصرة وفقا للمصادر العثمانية

كمال خوجه اوغلو
البصرة في عهد العثمانيين
البصرة الحالية التي فقدت أهميتها بمرور الوقت، ونقلت إلى مكان أبعد شرقا قريبا من ضفاف شط العرب على بعد ثمانية إلى عشرة كيلو مترات من البصرة القديمة، لكنها إلى الغرب من شط العرب وعلى بعد ثلاثة كيلو مترات منه، تمتد من شط العرب إلى الغرب في ثلاث قنوات متوازية نهر الخندق في الشمال ونهر العشار في الوسط ونهر الهورة في الجنوب. وبعد مرورها بين أشجار النخيل والبساتين وانقسامها إلى العديد من القنوات حتى مدينة البصرة الحالية، تعود فتتحد غرب المدينة، والملاحة النهرية في نهر العشار وهو الأهم بين هذه الأنهار وكذلك الاسم الذي يطلق على ميناء البصرة الأصلي في مكان التقائه بشط العرب وفي القنوات الأخرى وخاصة وقت المد يكون بالسفن التي تعرف بـ”بلم” ويتراوح طولها بين ثمانية وعشرة أمتار.
ليس لدينا معلومات تبين وضع المدينة في القرن السادس عشر. وإذا كان ما قاله كاتب جلبي عن قلعة زكية في هذه المنطقة بأنها كانت في وقت من الأوقات” عاصمة آل مشعشع” صحيحا (جهاننما، المكان المشار إليه) فمن الممكن أن نفترض بأن البصرة في هذه الفترة على غرار مدن العراق الصغيرة، ونقبل بافتقادها لكثير من الأشياء التي نعرف وجودها في القرن السابع عشر. وتافرنيير الذي قام بزيارته الأولى إلى هذه المدينة عام 1639(Le Six voyages en Tutrquie, en Perse et aux Indes,Paris,1677,I,213 V.dd.) يقول بأن البصرة أطول من فرسخ وجميع أبنيتها من الأحجار المنحوتة. وأن سورا أبقت القنوات في الشمال والجنوب تحيط بالمدينة على شكل مستطيل، وأن هذا الجدار تم مده حتى شط العرب في أواسط القرن السابع عشر من قبل حسين باشا الذي حصن القورنة وأقام سورا ثانيا هناك. وجرى توسيع البصرة بضم الكثير من الحدائق والبساتين إلى داخل المدينة. فحفيد أفراسياب الذي اهتم بهذه المدينة وصرف جهده من أجلها، قام أيضا بتحصين حي المناوي في مكان وجود عشار الحالي بجانب الشط وأمر بإنشاء قصر له فيه، وسنرى كيف انسحب أخيرا إلى هذا المكان في صراعه مع والي بغداد، ودافع ضد هجماته.
أمر حسين باشا ببناء مسجد كبير في البصرة، فكان أكبر جوامع المدينة حتى القرن الثامن عشر. لكن الجامع الذي بناه عزيز آغا المتسلم في القرن التاسع عشر وهو من عبيد داود باشا ومن بناء حجري فاق عليه بجمال منظره. وقد أدى إعطاء حريات وصلاحيات واسعة للنصارى وخاصة للأوربيين منهم في عهد أفراسياب ومن جاء بعده من أبنائه وزيادة أهمية البصرة تجاريا تبعا لذلك، ولتوريد التجار الهولنديين والإنجليز والهنود كميات كبيرة من البضائع إلى هذه المدينة كل عام إلى إنشاء مستودعات وخانات، وخصصت من أجل ذلك أحياء مقام علي في الضفة الشمالية من المناوي ونهر العشار مقابل الشط وقلعة قبان قبالة مقام علي. ومع ذلك يمكننا أن نقول في هذا الشأن بأنه تمت الاستفادة أيضا من قلعة كردالان إلى الجانب الأيسر من الشط وجنوب قبان قبالة المناوي (قارن، قوردالان، سياحتنامهء حدود، مكتبة بايزيد، مخطوط باللغة التركية رقم 4935، و بوغوردلان، جهاننما) (وخلال سيطرة الإيرانيين على البصرة لأول مرة(1696-1700) أنشأوا فيها قلعة أخرى، وضع فيها بعد استرداد المدينة لحمايتها مائة من الانكشارية ومدفعان) من جهة أخرى وفي القرن الثامن عشر قدم إلى المدينة أعداد كبيرة من التجار من استنبول وإزمير وحلب والشام ومصر ومن المدن الكبرى الأخرى في الإمبراطورية لتبادل السلع مع التجار الأوربيين كما أن قسما منهم نقل بضائعه عبر نهر دجلة بالرغم من الصعوبات والمصاريف الباهظة Niebuhr,Voyage) en Arabie,Amsterdam,1780,II,172 v.d).
وفي القرن السابع عشر كانت الرسوم الجمركية بالنسبة للجميع 5%، ولكن تدفع أيضا لأمير الأمراء نسبة 4% من الرسوم. هذه الرسوم التي يأخذها من مبيعات الجمال والتمر تحقق له دخلا كبيرا في العام الواحد. وأخيرا أصبحت رسوم الجمارك على الأوربيين 3% وعلى الأمم الأخرى 7% (Niebuhr, نفس المكان).
وفي القرن الثامن عشر كانت البصرة مدينة داخل سور له خمسة أبواب، تتشكل من سبعين حيا وعدد سكانها ما بين 40و50 ألفا. ويقع بابان من هذه الأبواب في الجانب الشمالي وهما دروازة الرباط أو باب الرباط وباب بغداد. وأما الأبواب الثلاثة الأخرى فتقع في الجانب الغربي والجنوبي وهي دروازة الزبير أو باب الزبير ودروازة الشراجي ودروازة المجموعة. والبصرة التي تحوي المناوي ومقام علي، وأحياء بأسماء كثير من الشيوخ بالإضافة إلى محلة الأفغان ومحلة اليهود- من أحياء صغيرة وكبيرة يتراوح عدد بيوتها بين 10-20 وبين 300-400 بيتا- كانت في هذه الفترة كما ذكرها نييبوهر قد فقدت أهميتها. والمبنى الذي سبق أن أقام فيه أمير الأمرالء ثم سكن فيها المتسلم على ضفة نهر عشار. وأقيمت بجانبيها وكالات تجارية فرنسية وإنجليزية. بينما كان الباشا القبطان يقيم في المناوي(نفس المصدر) والباشا القبطان المعين من قبل استنبول وتحت إمرته ما بين 50-60 من الزوارق، لا تنحصر مهمته على ضمان الأمن في نهري دجلة والفرات، بل يحمي أيضا خليج البصرة المفتوحة على القراصنة. واحتياجات الباشا القبطان وهذا الأسطول تغطيها الواردة المرسلة من الأقضية الكبيرة التابعة لولايتي بغداد والبصرة. وخلال الفترات التي أصبح الحكم بيد ولاة بغداد وصارت البصرة تدار من قبل متسلم، صارت الواردات ترسل إلى الولاة وأصبح “الباشوات القباطنة ” بمنزلة الموظفين لديهم، يتلقون أوامرهم من ولاة بغداد على غرار المتسلمين. ومن الطبيعي أيضا أن يتعرض الأسطول في هذه الفترة إلى الانكماش والتآكل كما وكيفا.
وكان في البصرة إلى جانب المتسلم ومدير المال التابع لوالي بغداد مسئول عن الجمارك ورجل قوي النفوذ يعرف بين السكان المحليين باسم”أجلّ البلد” وكان عضوا في الديوان لا يقطع المتسلم بأمر إلا بعد أخذ رأيه وموافقته. كما كان هناك قاض معين من قبل استنبول أو نائبه ونقيب للأشراف الذي يتبعه كافة العلماء والأسياد والأشراف، ومفتي الأحناف وهو منصب وراثي يتبعه الجميع. ثم استحدث منصب مفتي الشافعية اعتبارا من عهد سليمان باشا الكبير. وبعد احتلال الإيرانيين قدم الشيعة أيضا إلى البصرة، وبعد فترة ارتفعت نسبة السنة إلى 30% وفي أواخر القرن التاسع عشر ارتفعت هذه النسبة إلى 50% (سالنامة البصرة، 1309) ومع عدم تشكيلهم الوسط كان في البصرة الانكشارية أيضا. لكن أغوات الفصائل كانوا بقلعة القورنة بشكل عام. وعلى نحو ما كان في مركز الدولة فإن هذه المؤسسة العسكرية اعتراها الفساد في البصرة أيضا وجند المتسلم كثيرا من المجرمين والحرامية على أنهم من القوات المحلية لتحقيق أغراضه الشخصية. ومع ذلك فإن الحرفيين أيضا كانوا ينضمون إلى هذه المنظمة كيلا يتعرضوا للاعتداء والنهب.
وكما كانت في السابق فإن البصرة بعد دخولها تحت الحكم العثمانية تعرضت بين حين وآخر لاعتداءات القبائل المجاورة وخاصة اثنتين منها وهما قبيلة كعب وقبيلة المنتفك. وكانت هذه الاعتداءات تستهدف أكثر ما تستهدف أشجار النخيل الشهيرة في البصرة التي تزيد عن عشرين نوعا، وكذلك سفن التجار التي تمر من شط العرب. فكانت قبيلة كعب تجبر السفن المحملة بالبن على دفع ضريبة عالية لدى مجيئها، وتجبرها على شراء تمرها لدى عودتها، حتى إن شيخ هذه القبيلة أوقف في عام 1765 عددا من السفن الإنجليزية وأوقع بعض الحوادث. وكان أتباع هذه القبيلة خلال الحكومات الضعيفة يقومون بأعمال النهب، ويدخلون في صراع مع قبيلة المنتفك التي تعتبر نفسها صديقة للبصريين لكنها في حقيقة الأمر ترى أن أشجار النخيل هي ملكها بسبب تفويض مقاطعتها لشيخ هذه القبيلة(Niebuhr, نفس المصدر ص 191، و Hurat، نفس المصدر ص 149) كما كانت قبيلة المنتفك تعترض طريق السفن المتجهة إلى بغداد وتأخذ منها الأتاوات. وفي الحقيقة فإنه بسبب عدم الأمان كانت السفن تبحر في مجموعات تصل إلى ما بين مائة وخمسين ومائتي سفينة لكنها تدفع للقبائل في 13 نقطة ضرائب تعرف بالخوة(سالنامة البصرة، 1308) ومنذ القرن السابع عشر أعطيت مزارع النخيل لشيخ قبيلة المنتفك على شكل مقاطعة. ولأسباب اقتصادية وإدارية صارت هذه القبيلة تدعي بحق لها على البصرة. ولذلك صاروا يعلنون التمرد والعصيان بين فترة وأخرى. فإذا ما تعرضوا للملاحقة هدموا السواقي التي تعرف بسدود الجزائر على نهر الفرات ولجأوا إلى الأهوار التي تتشكل نتيجة غمر المياه لهذه المناطق، وبذلك يصعب القيام بعمليات ضدهم بل ويستحيل في بعض الأحيان. وأخيرا استطاع والي بغداد رشيد باشا أبو نظارة من انتزاع قسم من هذه المقاطعة من يد المنتفك وجعلها تحت سلطة الحكومة(1273=1856/1857) كما انتزع والي بغداد نامق باشا القسم المتبقي لديهم وجعلها في أموال الخزينة تحت إشراف متسلمي البصرة(1282=1865/1866) وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر شهدت البصرة مزيدا من التراجع والتأخر وانخفض عدد سكانها كثيرا بسبب انتشار الوباء بصورة متكررة وزيادة نسبة الإصابات بالحمى بسبب المستنقعات. ففي النصف الأول من هذا القرن نجد عدد بيوت البصرة ألفين ستمائة منها مبينة من الإسمنت والباقي من سعف النخيل التي تعرف بالشرفة، وعدد سكانها لا يتجاوز عشرة آلاف(محمد خورشيد، نفس المصدر، ص 5).
عن (منتديات نور الادب)

اقرأ ايضا

حمّام العليل وحديث الذكريات

باسل ذنون الخياطحمّام العليل، أو (حمّام علي) كما يسميها أهل الموصل، ناحية تابعة إدارياً إلى …