مع مراد وهبة فى مكتبة الإسكندرية

أحمد عبد المعطى
وأنا أكتب هذه المقالة عن الندوة التى نظمتها مكتبة الإسكندرية احتفالا ببلوغ مفكرنا الشجاع مراد وهبة العام المائة من عمره المديد، أبدأ بتوجيه الشكر الجزيل للدكتور أحمد زايد مدير المكتبة الذى مكننا من أن نرد بعض الدين لصاحب الدين المحتفى به الذى أعطانا الكثير، وأعطى الفكر العربى، وأعطى العقل فعرفنا الماضى، وعشنا فى الحاضر، وفكرنا فى المستقبل، ولم يلق منا طوال القرن الماضى إلا الصمت والتجاهل فى معظم الأحيان، والاضطهاد والمصادرة فى أحيان أخرى. والقارئ قد يرى فى هذه السطور التى بدأت بها مبالغات لم يتعودها، فيما أكتبه؟ وهذا ما سوف أوضحه فى صُلب المقالة التى أكتبها، وأنا على علم بأننا لا نعرف الكثير الذى يجب أن نعرفه عن تراثنا وتاريخنا وثقافتنا، وأعرف بالتالى أنى أكتب فى مساحة لا يمكن أن تتسع لما أريد أن أقف عنده من الأسماء والقضايا والتواريخ التى لا تستطيع أى مساحة فى الصحيفة مهما اتسعت أن توفيها حقها، كما لا يستطيع كاتب واحد مهما اتسعت ثقافته أن يلم بها، ويكشف عن أبعادها ومراميها. وما الذى نعرفه عن مراد وهبة؟ هل كان الذين قرأوا له أو قرأوا عنه يعرفون كلهم أنه ولد منذ مائة عام، ودرس الفلسفة فى جامعة فؤاد الأول (القاهرة)، وحصل على الدكتوراه من جامعة الإسكندرية، واشتغل بتدريس الفلسفة فى جامعة عين شمس، وبدأ فى إصدار مؤلقاته فى الستينيات الأولى من القرن الماضى، وظل يكتب فى القضايا المطروحة، ويطرح هو ما يجب طرحه من الأسئلة، ويجيب عن المسكوت عنه من هذه الأسئلة الخطرة، كما رأينا، فيما كتبه عن الفيلسوف العربى الأندلسى ابن رشد الذى ملأ الدنيا وشغل الناس، وكان ثمرة ناضجة من ثمار الثقافة العربية الإسلامية، وأصلا من أصول النهضة الأوروبية، لكنه اضطهد فى بلده، وبين قومه وعشيرته، لأنه وقف إلى جانب العقل، وأعلن أنه هو الطريق إلى الإيمان الدينى الصحيح الذى يجب أن يكون اجتهادا فى الوصول إلى الحق لا تقليدا للاخرين. وتلك هى المفارقة التى وقف عندها مراد وهبة، وجعلها عنوانا لبحث ألقاه فى المؤتمر الدولى الأول للفلسفة الإسلامية الذى عقد فى عام 1979. تحت رعاية جامعة عين شمس، وكان عنوان المؤتمر «الإسلام والحضارة»، وقد انتهى مراد وهبة فى بحثه إلى أن «مفارقة ابن رشد» تكمن فى أن ابن رشد ميت فى الشرق حى فى الغرب!. ابن رشد ميت فى الشرق لأنه حوصر فى قرطبة، واتهمه أعداء العقل بالكفر والزندقة، وسلطوا عليه الغوغاء، ونفى بعيدا عن مدينته، ولم يبق فى الساحة إلا الفقهاء المرتزقة، والأمراء المتصارعون الذين مزقوا الدولة، وعجزوا عن الدفاع عنها فالتهمها الأعداء إمارة بعد إمارة حتى سقطت فى أيديهم كلها، وفقد العرب والمسلمون وجودهم فى أوروبا، وهذا هو ثمن اضطهاد أمرائهم وفقهائهم للعقل والحرية.
وفى الوقت الذى لقى فيه ابن رشد هذا المصير الرهيب هو وأهله كانت فلسفته تترجم إلى اللاتينية وتقرأ فى أوروبا، وتنشئ فيها تيارا عقلانيا عبر عن نفسه فى أعمال الفلاسفة والشعراء والفنانين الأوروبيين الذين كانوا يسمون ابن رشد «الفيلسوف النبيل جدا»، وهو فى ملحمة دانتى «الكوميديا الإلهية» من «الوثنيين الفضلاء»! وفى لوحة المصور رافاييل التى سماها «مدرسة أثينا» يحتل مكانا بارزا، والعلاقة وثيقة بين فلسفة ابن رشد وبين الفلكى الشهير جاليليو، وقد تأثر الفيلسوف الفرنسى الشهير ديكارت بابن رشد فى مسألة «وحدة العقل الإنسانى»، وكان الفيلسوف الهولندى سبينوزا مولعا بابن رشد الذى وجد هذا الترحيب فى أوروبا بين القرن الثالث عشر الميلادى والقرن الثامن عشر، وتبنى الأوروبيون دفاعه عن العقل والعلم، وتسلحوا به فى صراعهم مع الكنيسة، واستطاعوا بفضله أن ينتصروا فى هذا الصراع، وأن يخرجوا من عصور الظلام ويحققوا انتصاراتهم التى حققوها فى العصور الحديثة، ومن الطبيعى أن يظل ابن رشد عندنا مضطهدا ومنسيا طوال القرون الماضية التى كانت فيها السلطة طغيانا سافرا، وفى أيامنا هذه التى سيطر فيها على ثقافتنا المتاجرون بالدين، ومن يستخدمونه للوصول إلى السلطة، وهم الذين يسميهم مراد وهبة «ملاك الحقيقة المطلقة» فى كتاب له يكشف فيه النقاب عن هؤلاء الذين يتكلمون وحدهم ويفرضون الصمت على الآخرين، ويضطهدون من يخالفهم، ويعطون أنفسهم الحق فى اغتياله، لأنهم ينطقون باسم الله، كما يزعمون، فهم يملكون وحدهم الحقيقة المطلقة، وعلى الآخرين أن يسمعوا ويطيعوا وإلا حدث لهم ما حدث للشيخ على عبد الرازق لأنه أعلن فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم» أن الإسلام لا يعرف السلطة الدينية، ويعطى المسلمين الحق فى إقامة النظام السياسى الذى يحقق لهم الحرية والعدالة والتقدم، وما حدث لطه حسين الذى لم يلتزم فى دراسة للشعر الجاهلى بالنصوص الدينية، وما حدث بعدهما لنجيب محفوظ لأنه ألف رواية «أولاد حارتنا» التى رأى بعض المشايخ أنها كفر مقنع، فأفتوا بقتله، وما حدث لفرج فودة، وما حدث لنصر حامد أبو زيد، وما حدث لكثيرين وقفوا إلى جانب العقل وحرية التفكير والتعبير، ومنهم مراد وهبة الذى قرر أن يقف إلى جانب العقل، كما وقف إلى جانبه هؤلاء، وكما فعل ابن رشد، فكان جزاؤه هو جزاء ابن رشد، الصمت والتجاهل أحيانا، والمصادرة والاضطهاد، أحيانا أخرى، كما حدث له فى سبتمبر عام 1980 حين فصل من عمله فى الجامعة بقرار من الرئيس الأسبق أنور السادات تبنى فيه الاتهامات التى وجهت له ولغيره من المثقفين المصريين المنادين بالعقل والحرية، والتى وجهت من قبل لابن رشد، ومن قبل ابن رشد لسقراط، وهى إفساد عقول الشباب!. لكن الرئيس السادات الذى استجاب لملاك الحقيقة المطلقة، وفصل مراد وهبة من عمله لم ينتبه إلى أن هؤلاء الذين كانوا يسعون للسلطة سيوجهون له اتهامات أخرى، وسيسلطون عليه من يغتالونه، وهو يحتفل بيوم انتصاره، وقد تعلم الرئيس مبارك من هذا الدرس القاسى، فأطلق سراح المعتقلين، وأعاد المفصولين إلى أعمالهم. هكذا كان مراد وهبة طوال الأعوام المائة التى عاشها معنا إلى يومنا هذا كان «الصوت الحاضر»، كما أعلنت عنه مكتبة الإسكندرية فى الندوة التى نظمتها احتفالا به، وبهذا الصوت الحاضر عاد ابن رشد من الغياب الذى استمر ثمانية قرون ليقف إلى جانبنا، ونحن نتصدى لملاك الحقيقة المطلقة أعداء العقل والعلمانية والديمقراطية، والفضل لمراد وهبة الذى آن له ولأمثاله أن يحتلوا مكانهم الذى يستحقونه فى حياتنا الفكرية. وأنا أناشد الدكتور أحمد زايد أن يتبنى هذا النداء ويحوله إلى برنامج نتعرف به من جديد على الرشديين المصريين.
عن جريدة الاهرام

اقرأ ايضا

مراد وهبة والثنائيات الطاردة

حلمي النمنمفى جنازة د. مراد وهبة، كان هناك عدد كبير من أساتذة الجامعات، خاصةً أساتذة …