حلمي النمنم
فى جنازة د. مراد وهبة، كان هناك عدد كبير من أساتذة الجامعات، خاصةً أساتذة الفلسفة، من مختلف الأجيال والجامعات، زملاء وأصدقاء كثر، د. سعيد توفيق، د. أنور مغيث، د. عصام عبد الفتاح وآخرين.
كان هذا الحضور مثيرًا للتساؤل حول مكانة الفكر والفلسفة فى حياتنا العامة، فضلًا عن مكانة د. مراد وهبة فى مسارنا الفكرى العام.
انتمى د. مراد إلى جيل من أساتذة الفلسفة، حصلوا بجهدهم وبفضل المناخ العام على تكوين وبناء فكرى وأكاديمى عميق، ضم هذا الجيل أسماء مثل د. فؤاد زكريا، د. زكريا إبراهيم، ومن نفس الجيل لكن ابتعدوا عن الحياة الأكاديمية أسماء مثل أنيس منصور ومحمود أمين العالم ويوسف الشارونى.
الذين ظلوا فى العمل الأكاديمى تأثروا بالجيل السابق عليهم مباشرةً مثل عبد الرحمن بدوى وزكى نجيب محمود وعثمان أمين.
هؤلاء جميعا لم يكتفوا بالعمل الأكاديمى فقط، لكن أدرك كل منهم أن عليه واجبا تجاه هذا الوطن ونحو عموم المواطنين، مارسوا التعامل الفكرى والفلسفى مع همومنا العامة، وباتت هى المسيطرة عليهم والشاغل لهم. كان ذلك تقليدًا داخل الجامعة المصرية، التى تأسست فى قلب الحركة الوطنية ومواجهة المحتل البريطانى.
فى وقت ما شغل بعض المثقفين أنفسهم بسؤال من تلك الأسئلة التى اعتبرها «صفرية»، تقوم على المفاضلة بين هذا وذاك، عبد الرحمن بدوى أو زكى نجيب محمود؟ عثمان أمين أم أحمد فؤاد الأهوانى؟ حسن حنفى أو عاطف العراقى؟ فؤاد زكريا أو مراد وهبة؟
والحق أن سؤال إما أو، ليس مناسبا ولا هو جيد فى كل وقت، لأنه سؤال طارد، يذهب إلى الأحادية، على طريقة الأهلى أو الزمالك.
فى الفكر لا تكون الأمور هكذا، لا يصح التساؤل أفلاطون أو أرسطو.. ديكارت أو كانط، هيجل أو نيتشه؟
من أسف أن حياتنا كلها سيطر عليها منطق إما أو، المعنى أننا نفسيا لا نستوعب أن يكون هناك فلان وفلان، نحتمل أحدهما فقط.
فى المجال الثقافى عموما، كانت التساؤلات حافظ أو شوقى.. طه حسين أو العقاد.. نجيب محفوظ أو يوسف إدريس.. أم كلثوم أو عبد الوهاب؟ وهكذا الحال حتى وصلنا إلى المجال الفلسفى.
ويبدو لى أن هذا المنطق يرجع الى مراحل سابقة فى تاريخنا وتراثنا، حين كان التساؤل، المعتزلة أو الأشاعرة؟، الفقهاء أو المتصوفة؟، الغزالى أو ابن رشد؟، تاريخيا أدت هذه المفاضلات غالبا إلى إشاعة مناخ التربص والإزاحة، سحق أو إزاحة طرف لحساب طرف آخر. من الفكر والشعر إلى السياسة والولاية.
فى الفكر والثقافة هناك قاعدة التراكم والتواصل أو الاستمرارية، كل يبنى على ما سبق ويضيف إليه، اتفاق أو اختلاف، حوار وجدل، فضلًا عن أن كل مفكر يقيم بإنتاجه ودوره، باختصار ما قدمه من إنجاز، فى ظل الظروف والمعطيات التى أحاطت به.
كان د. مراد وهبة بحكم تكوينه الفلسفى وإجادته التامة لعدة لغات أجنبية مهيأ إلى أن يقضى عمره مشغولا بالفيلسوف الألمانى كانط أو هنرى برجسون وسواهما، لكنه لم يفعل، فقد اتجه إلى المجال العام، وهكذا كان توقفه المطول أمام الفقيه والفيلسوف ابن رشد.
من دراساته لاحظ مفارقة تاريخية حول ابن رشد، فقد أحرقت كتبه وطوردت أفكاره فى العالمين العربى والإسلامى، بينما استوعبت أوروبا تلك الأفكار، درست كتبه وأفكاره جيدا، فيما عرف بالرشدية اللاتينية، الأمر الذى جعل أوروبا تغادر العصور الوسطى الى عصر النهضة، من هنا كان مشروعه بالعمل على استعادة ابن رشد فى فكرنا وحياتنا العقلية.
تبنى أفكار ابن رشد يعنى الاصطدام المباشر بالأصولية، لنقل الأصوليات العديدة فى مجتمعاتنا، لكنه لم يعبأ بذلك، تحمل الكثير من السخافات.
هناك من اعتبروا ابن رشد ملكية خاصة، بحكم التخصص الأكاديمى، هؤلاء نظروا إلى مراد وهبة شذرا، ليقف عند حدود تخصصه الدقيق والمباشر، يكفيه برجسون ومذهبه.
كان د. مراد وهبة فى ذلك يسير على خطى أستاذه المباشر د.عبد الرحمن بدوى، كان بدوى متخصصا فى الفلسفة الوجودية، لكنه اتجه الى التراث الفلسفى الإسلامى، مترجمًا العديد من دراسات المستشرقين ومحققا لعدد من النصوص والأعمال التراثية بالإضافة إلى أعمال مهمة أصدرها، مثل «الإنسانية والوجودية فى الفكر العربى».. «مذاهب الإسلاميين».
وهناك من يرون فى ابن رشد مجرد فقيه وفيلسوف مسلم، لا يصح أن يقترب مسيحى مصرى أو عربى منه، وإذا فعل فهذا يعنى أن هناك مؤامرة كبرى على التراث الإسلامى.
الغريب أن بعض هؤلاء لم يترددوا فى الاعتماد وربما النقل المباشر عن مستشرق (مسيحى أوروبى)، بينما يزعجهم أن ينشغل مسيحى مصرى به!.
أما الذين يكرهون ابن رشد تاريخيا، أحفاد من طاردوه حيا وميتا، فيعتبرون أن أفكاره، خاصة ما يتعلق منها بالتأويل بين العقل والنقل، مؤامرة تستهدف الإسلام كله.
فى المجال الفكرى والإبداعى تسقط هذه الحسابات الضيقة، ذلك أن الفيلسوف أو المفكر يطرح أفكاره وتصبح متاحة أمام الجميع، جمهورية أفلاطون ملك العقل البشرى كله، صحيح أنه إغريقى، لكن أعماله متاحة للدارسين من مختلف الثقافات والبلدان وهكذا الحال مع المتنبى وأبو تمام.. الكندى وابن سينا وابن خلدون، وحتى طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ.
الأهم من ذلك أن مراد وهبة، كان يسمى الأشياء بمسمياتها، لا يعرف منطق (لف ودوران) فى استعمال المصطلحات والكلمات ولا فى مواقفه، مما عرضه لكثير من الحملات والكراهية.
ولد مراد وهبة فى الصعيد «أسيوط »، وكان قراره أن يعيش مواطنًا مصريًا فى المقام الأول، كانت أمامه فرص كثيرة لأن يعيش بعيدا، حيث لا تحامل ولا محاولة تهميش، كان مصريا أولًا وأخيرًا، جاب الدنيا وصار مبكرًا اسمًا دوليًا، لكن لم يغادر مصريته لحظة.
عن المصري اليوم
اقرأ ايضا
مراد وهبة.. (فيلسوف) الأجيال
د. أنور مغيثأراد المفكر الكبير الدكتور مراد وهبة أن يشتبك فى غماره مع كل القضايا …