مراد وهبة.. (فيلسوف) الأجيال

د. أنور مغيث
أراد المفكر الكبير الدكتور مراد وهبة أن يشتبك فى غماره مع كل القضايا المصيرية لأمته: التحديث، التحرر الوطنى، التعليم، الديمقراطية والإرهاب.
لم يعرف يومًا الكلل أو التقاعد، لم يفتر حماسه ولم يستسلم للتشاؤم. فى قلب كل هذه المعارك أصبح صوت مراد وهبة، كما رسخ فى أذهان كافة المثقفين، هو صوت الفيلسوف، وظل نموذجًا حيًا للتفاعل بين الفلسفة وقضايا الناس. لم يكن مفكرًا قوميًا مشغولًا بقضايا شعبه فقط، وإنما ظل مهمومًا بمستقبل البشرية، وبرز على الساحة الدولية كمحرك ومنظم للعديد من المؤتمرات التى يدعو فيها فلاسفة العالم لمناقشة قضايا البشر الملحة والحيوية.
تعكس كتابات مراد وهبة معرفة عميقة بتاريخ الفلسفة وإحاطة بالإنتاج الفلسفى المعاصر ومتابعة دؤوبة ومتواصلة مع ما هو جديد فى الإنتاج الفلسفى، حتى مع كتابات الفلاسفة الشبان التى تعبر عن تطور مهم يود أن يلفت انتباهنا إليه. ورغم ذلك من الصعب أن ندرجه ضمن تيار بعينه من تيارات الفلسفة المعاصرة.
فى كتابه محاورات فلسفية فى موسكو نجده يوجه اهتمامًا كبيرًا لثلاث مدارس فلسفية. المدرسة الوضعية التى طرحت قضية العلاقة بين العلم والفلسفة. وفى كتابات مراد وهبة نلاحظ اهتمامه بالنظريات العلمية الأخيرة ودورها فى تغيير نظرة الإنسان للكون، مثل ميكانيكا الكوانتوم والنسبية ومبدأ عدم التحديد التى قضت على مفهومى الحتمية والموضوعية اللذين اقترنا بالعلم، لكنه لا يتمادى مع هذه المدرسة ويجعل من العلم وصيًا على الفلسفة أو يجعله المصدر الوحيد لليقين. المدرسة الماركسية، والتى تحمس لها بوصفها حاملة لتطلعات شعوب العالم الثالث للتحرر من الإمبريالية وبناء تنميتها المستقلة عن طريق الاشتراكية، لكنه كان ينفر من نزوع أنصارها للدوجماطيقية، وجعلها مذهبًا مغلقًا لا يقبل التغيير والتطوير، ويريد أن يتبين ما إذا أدت نهاية الستالينية ونشوب الحرب الباردة إلى تبنى الفلاسفة السوفييت لماركسية مرنة ومنفتحة. وأخيرًا المدرسة الوجودية فى احتفائها بالفرد وقدرته على الفعل والتأثير، وليس المقصود هنا الفرد المنعزل أو الهارب من مواجهة مشكلات عصره، ولكن الفرد المندمج فى النضال من أجل تحقيق تطلعات شعبه. ولهذا كان يقدّر وجودية سارتر فى مرحلته الناضجة عندما أراد أن يمزج بينها وبين الماركسية ويعتبر أن الجدل أى التأثير والتأثر ليس فى الطبيعة كما تزعم الماركسية التقليدية، ولكن فى العلاقة بين الفرد ومجتمعه. رغم هذه الاستلهامات الآتية من آفاق فلسفية مختلفة تظل رؤية مراد وهبة الفلسفية متماسكة ومتجانسة لا تنافر فيها. كيف تسنى له ذلك؟
هنا علينا أن نعود إلى كتابه المبكر المذهب فى فلسفة برجسون. النجاحات المذهلة للعلم فى القرن الثامن عشر أعقبها انتصار للفلسفات المادية فى القرن التاسع عشر، وصار كل شىء مادة وكل حركة تخضع لقوانين الميكانيكا، وتم نفى الروح واعتبارها كلمة بلا مضمون. جاء برجسون ليدافع عن الروح فى عصر العلم، واعتبر الوجود الحقيقى هو الحياة، أما المادة فهى الوجود الميت، أى الخامد والساكن، فى حين أن الوجود الحى هو الديناميكى والخلاق.
فى الوجود الواقعى لا توجد أشياء. لا يوجد سوى أفعال، أما الأشياء فهى ناتجة عن رغبة العقل فى التصنيف والتحديد داخل سيل الحياة المدرار. الزمن الذى يستخدمه العلم فى دراسة الظواهر المادية يطلق عليه برجسون الزمن البارد، أما الزمن الذى يواكب الواقع الحى فيطلق عليه الديمومة، حيث تلتحم الروح بمكونات الواقع وينشأ الخلق المتواصل. هذه الرؤية التى تجعل العالم فى صيرورة مستمرة تتنافى مع الأحكام الدوجماطيقية، أى الحقيقة المطلقة والقطعية. فكل أحكامنا نسبية أو فى أفضل الأحوال راجحة. هذه النظرة جعلت مذهب برجسون مذهبًا مفتوحًا يسير أتباعه فى طرق شتى يشبهها مراد وهبة بالسفن فى الميناء بعضها ساكن وبعضها يتحرك يسارًا، وأخرى تتحرك يمينًا، لكن الطاقة المحركة لها واحدة. هذا الانفتاح والمرونة فى المذهب يجعله قابلًا للتفاعل مع أفكار تنتمى لمذاهب متعددة.
المطلق مهم لأنه يمكننا من التحديد وإضفاء الوحدة على التنوع، لكنه يظل دائمًا غاية نسعى إليها ولكن لا نبلغها أبدًا. ويأتى كتابه قصة الفلسفة ليصف لنا محاولات الفلاسفة المتوالية لاقتناص المطلق. ويأتى كل فيلسوف ليبين أن المطلق الذى توصل إليه سلفه ليس مطلقًا بالمرة، بل هو نسبى ومحدود وعابر ومتغير، من هنا جاء تعريف مراد وهبة للعلمانية بأنها التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق.
مراد وهبة من أكبر المدافعين عن العلمانية فى فكرنا العربى المعاصر. ورغم ذلك يرفض تعريفها الشائع الذى نعرفه جميعًا وهو فصل الدين عن الدولة. وسبب اعتراضه هو أن هذا التعريف قد يوحى بأنه يتحتم على الحاكم ألا يكون متديناَ وهذا يخالف روح العلمانية التى يكون فيها كل مواطن حرا، أما تعريفه هو فيعنى ضرورة التوقف عن إصدار أحكام قاطعة ومطلقة عن ظواهر متغيرة بطبيعتها، لأننا حين نعتقد أن حكمنا يقينى ونهائى، وأننا تمكنا من اقتناص المطلق نصبح مستعدين للموت فى سبيله، وهو ما يعنى أننا مستعدون لقتل الآخرين، فيسود فى المجتمع الفتن والإرهاب والحروب الأهلية.
فى محاولة مراد وهبة لتأصيله لبداية العلمانية يرجع بنا إلى اكتشاف كوبرنيقوس لدوران الأرض حول الشمس واكتشاف الإنسان أن اعتقاده بمركزية الأرض لم يكن حقيقيًا، وزال معه شعور الإنسان بمركزيته. وبدأت الأصوليات تزدهر كرد فعل للحفاظ على التصورات القديمة.
تعريف مراد وهبة للعلمانية يجعلها فضيلة معرفية أكثر منها فضيلة سياسية، ولا يفصح عن الجانب السياسى فى العلمانية بوصفها طريقة فى إدارة المجتمع وقاعدة فى تعامل الدولة مع المواطنين مع تنوعاتهم الدينية والفكرية. ولكن هذا الجانب السياسى موجود ضمنًا فى تعريفه الذى يعتبر عماده حرية الضمير للفرد وواجب الدولة فى منع مُلّاك الحقيقة المطلقة من إيذاء الآخرين.
يتابع مراد وهبة الجدل الدائر بشأن العلمانية فى العالم بأسره ويشير إلى أن المؤتمرات تعقد فى العالم الغربى من أجل تطوير العلمانية كى تكون قادرة على استيعاب الظواهر الاجتماعية الجديدة مثل الهجرات الكثيفة والتصدى لللأصولية، أما فى العالم الإسلامى فتعقد المؤتمرات لبحث إمكانيات القضاء عليها ووأدها فى مهدها.

اقرأ ايضا

مراد وهبة والثنائيات الطاردة

حلمي النمنمفى جنازة د. مراد وهبة، كان هناك عدد كبير من أساتذة الجامعات، خاصةً أساتذة …